نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
أعلى موجة إفلاس تهزّ ألمانيا: ما تأثيرها على العالم العربي؟ - تواصل نيوز, اليوم الأحد 20 سبتمبر 2026 11:38 صباحاً
تشهد ألمانيا منذ 2022 ارتفاعاً متواصلاً في إفلاس الشركات، تسارع بحدّة منذ 2023 حتى بلغ مستويات لم تُسجَّل منذ أكثر من عقد. فالبلد الذي قاد نمو منطقة اليورو لعقود، وهو اليوم ثالث أكبر اقتصاد في العالم، يواجه عاصفة مركّبة: ركود ممتد، وكلفة طاقة مرتفعة، وصدمة نفطية جديدة أشعلتها حرب إيران، وعودة المركزي الأوروبي إلى رفع الفائدة. وتتجاوز التداعيات حدود ألمانيا إلى اليورو والاتحاد الأوروبي، وإلى شبكات التجارة مع العالم العربي.
الأرقام: مستويات لم تُرَ منذ 2013–2014
ارتفع عدد الإفلاسات المؤسسية من 17,814 حالة في 2023 إلى 21,812 في 2024. ثم سجّلت المحاكم الألمانية في 2025، وفق مكتب الإحصاء الاتحادي (Statistisches Bundesamt)، 24,064 طلباً، بزيادة 10.3%، وهو الأعلى رقم منذ 2014. ويبقى دون ذروة أزمة 2009.
ثم عمّق النصف الأول من 2026 الاتجاه، فسُجّلت 12,812 حالة بزيادة 6.7% على الفترة نفسها من 2025، وهو أعلى مستوى لنصف سنة منذ 2013، مع قفزة 15.8% في يونيو وحده. وتقدّر Creditreform، بمنهجية مختلفة، العدد بـنحو 12,900 حالة (+7.8%). أي ما يقارب طلب إفلاس كل عشرين دقيقة.
ينبغي قراءة هذه الأرقام بحذر: الطلب لا يدخل الإحصاء إلا بعد أول قرار للمحكمة، فيظهر متأخراً نحو ثلاثة أشهر عن موعده الفعلي. والإفلاس شكل نادر نسبياً من أشكال الإغلاق، إذ أُغلقت في 2025 نحو 277,000 منشأة تجارية، وثلثا الشركات المفلسة لم يكن لديها موظفون. كما تراجعت مطالبات الدائنين في النصف الأول من 2026 إلى 18.5 مليار يورو من 28.2 مليار، أي أن حصة الحالات الضخمة انخفضت وفق معيار Destatis. لكن Creditreform تسجّل قفزة 28.6% في إفلاس الشركات ذات الـ250 موظفاً فأكثر، فالصورة ليست أحادية.
وفي سوق العمل، قدّرت Creditreform أن نحو 285,000 موظف تأثروا بإفلاس أصحاب عملهم في 2025، وهذا أقل قليلاً من 291,000 في 2024. لكن الوتيرة عادت للصعود في 2026، إذ بلغت الوظائف المهددة نحو 165,000 في النصف الأول مقابل 143,000 قبل عام. وأسهمت في ذلك حالات كبيرة مثل سلسلة فنادق Revo Hospitality (نحو 5,000 موظف) وشركة Feneberg للمواد الغذائية (نحو 2,900).
وسجّلت المحاكم الألمانية 12,812 طلب إفلاس لشركات في النصف الأول من 2026، وهو أعلى رقم لهذه الفترة منذ 2013. وفي حزيران/يونيو وحده بلغت الطلبات 2,266، بزيادة 15.8% على العام السابق. ويرصد معهد هاله للأبحاث الاقتصادية (IWH) أن الربع الثاني من 2026 هو الأعلى فصلياً منذ 2005. لكن هناك تفصيلاً مهماً لأي قراءة دقيقة: انخفضت مطالبات الدائنين إلى نحو 18.5 مليار يورو مقابل 28.2 مليار قبل عام، لأن النصف الأول من 2025 شهد إفلاس شركات أكبر وزناً اقتصادياً. فالموجة الحالية تتميّز بكثرة الحالات الأصغر.
أما الشركات الكبيرة، وهي التي تتجاوز مبيعاتها 50 مليون يورو، فقد سجّلت 33 حالة في النصف الأول من 2026، بزيادة 10%، بعد رقم قياسي بلغ 94 حالة في 2025. وتصدّرت السيارات بسبع حالات، تلتها تجارة التجزئة بخمس، ثم الهندسة الميكانيكية والخدمات بأربع لكل منهما. ومجموع مبيعات هذه الشركات نحو 4.5 مليار يورو. وهذا رقم صغير قياساً بحجم الاقتصاد الألماني.
مجسم عملة اليورو في فرانكفورت. (فرانس برس)
ومن حيث التكرار النسبي، كانت أعلى معدلات الإفلاس لكل 10,000 شركة في النقل والتخزين (71.6)، ثم الضيافة (59.6)، ثم البناء (53.4). وبدأت المصارف تشدّد شروط الإقراض، ما يضغط أكثر على شركات تعاني أصلاً من نقص الطلبات.
السيارات في قلب الأزمة
تشير بيانات اتحاد صناعة السيارات (VDA) إلى أن تسجيلات السيارات الجديدة في 2025 بقيت أقل بنحو 21% من مستوى 2019، وأن 41% من الشركات المتوسطة قيّمت وضعها بالسيئ أو السيئ جداً في استطلاع يونيو 2026. وتبدأ إفلاسات الموردين عادةً حين تسحب الشركة المصنّعة برنامجاً يغطي التكاليف الثابتة للمصنع. ومثال ذلك شركة Weber Magdeburg التي أبلغت موظفيها بأن بورشه ستسحب كل طلبات الإنتاج منها بحلول 30 أيلول/سبتمبر. ومن حالات 2026 شركة Erich Jaeger للموصّلات (نحو 1,000 موظف عالمياً) وشركة Bayrak (أكثر من 400 موظف) وشركة MoldTecs (نحو 580 موظفاً). وتنتقل العدوى نزولاً في سلسلة التوريد، إذ تصل الموجة إلى الموردين من الدرجتين الثالثة والرابعة، وقد يوقف فشل مورّد فرعي واحد خط إنتاج لأسابيع.
من أين تأتي الضغوط؟
بعض الأسباب قديم: كلفة الطاقة بعد حرب أوكرانيا، وضعف الطلب الخارجي (خاصة الصيني)، وتحولات صناعية مكلفة نحو الاقتصاد الأخضر والرقمي. وقد عاش الاقتصاد ثلاث سنوات من الأزمة لم يحقق فيها سوى فصلين من النمو. وفي 2026 أضيف عاملان جديدان: الأول هو صدمة الطاقة، فمنذ اندلاع الحرب على إيران قفزت أسعار الوقود، وارتفع التضخم في ألمانيا إلى نحو 2.9%. وخفّضت الحكومة في نيسان/أبريل توقعها لنمو العام من 1 إلى 0.5%. وقدّر معهد ifo خسارة القوة الشرائية بنحو 34 مليار يورو على مدى عامين بسبب ارتفاع أسعار الطاقة المستوردة. وترى Creditreform أن صدمة النفط والطاقة فاقمت وضعاً هشاً أصلاً.
الثاني هو الفائدة، إذ رفع المركزي الأوروبي فائدة الإيداع إلى 2.25% في حزيران/يونيو ثم إلى 2.50% في 10 أيلول/سبتمبر، مبرّراً ذلك بتضخم تقوده الطاقة. ويثقل هذا كاهل شركات المديونية، تجد صعوبة في الحصول على تمويل جديد، فعدد متزايد منها لا تكفي أرباحه التشغيلية لتغطية فوائده.
وصف رئيس مجموعة فولكسفاغن مبيعات الشرق الأوسط بأنها عالية الهامش وتوقّع أن يتأثر بالحرب. (فرانس برس)
في المقابل، يدعم الإنفاق المالي التوسعي الاقتصاد، ولذلك رفع ifo في سبتمبر توقعه لنمو 2026 إلى 1.4% ولـ2027 إلى 1.2%. وتفسّر طبيعة الإفلاس كمؤشر متأخر هذا التناقض الظاهري بين إفلاسات قياسية وتوقعات محسّنة، فتتوقع Creditreform بلوغ الذروة في نهاية 2026 وانعطافة لا تسبق 2027.
والجدير بالذكر أن ألمانيا أكبر اقتصاد في منطقة اليورو وتمثل أكثر من ربع ناتجها. أي اضطراب فيها ينتقل عبر سلاسل الإمداد الأوروبية إلى شركاء مثل فرنسا وإيطاليا، ويغذّي الجدل داخل الاتحاد حول الدعم المالي والطاقوي. غير أن الصورة ليست قاتمة كلياً. فقد رفع المركزي الأوروبي توقعاته لنمو المنطقة إلى 0.9% في 2026 و1.4% في 2027 لصمودها الأفضل من المتوقع، مع بقاء مخاطر النمو مائلة إلى الهبوط ومخاطر التضخم إلى الصعود.
الإمارات وباقي الخليج
تجاوز حجم التبادل 13.56 مليار يورو في 2025، وارتفعت الواردات الألمانية من الإمارات أكثر من 50%، ويعمل نحو 2,000 شركة ألمانية فيها. وتبلغ الصادرات الألمانية نحو 11 مليار يورو مقابل واردات بنحو ملياري يورو. فالميزان يميل بقوة لصالح ألمانيا.
تتركز الصادرات في السلع الرأسمالية والمركبات: في 2024، بلغت الصادرات الألمانية للإمارات 10.37 مليارات دولار، منها 2.31 مليار مركبات و2.13 مليار آلات و1.46 مليار معدات كهربائية. وهذه الفئات الثلاث تشكّل نحو 57% من الإجمالي. أما ما تستورده ألمانيا فمحصور تقريباً في المنتجات النفطية المكررة والألمنيوم.
الإمارات تستقبل نحو 0.7% من صادرات ألمانيا، التي بلغت 1,569.6 مليار يورو في 2025. وتمثّل ألمانيا نحو 1.5% من تجارة الإمارات غير النفطية، أي 15.5 مليار دولار من أصل 3.8 تريليون درهم في 2025. لذلك لا تحدّد الأحجام التجارية قيمة العلاقة. تحدّدها الاستثمارات والطاقة والتقنية.
في السعودية، تراجعت الصادرات الألمانية 14.9% في الربع الأول إلى 1.83 مليار يورو، وانخفضت الترسيات الجديدة للمشاريع بنحو النصف. وهذا يضغط على مصنّعي الآلات والمعدات، وهم في قلب موجة الإفلاسات. أما البحرين والعراق والكويت فتراجعت الصادرات إليها بنسب 41.7% و32.4% و21.1% على التوالي، لأنها لا تملك مسارات بحرية بديلة عن هرمز. ولم أجد في المصادر التي راجعتها بيانات موثوقة كافية عن مصر والمغرب العربي، لذلك لم أدرجها.
قنوات الانتقال
هرمز والمشاريع، وهما الأكبر أثراً حتى الآن: تراجعت الصادرات الألمانية إلى الإمارات في الربع الأول من 2026 بنسبة 20.2% إلى 2.13 مليار يورو، وإلى دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعةً بنسبة 18%. وفي آذار/مارس وحده، انكمش التبادل التجاري مع الإمارات أكثر من 38% إلى 582 مليون يورو. ولا تفسّر الحرب كل شيء. فالتراجع بدأ قبلها، وتراجعت ترسيات المشاريع في دول المجلس من نحو 314 مليار دولار في 2024 إلى نحو 213 مليار في 2025. والوضع ما زال مضطرباً، إذ تشير التقارير حتى منتصف أيلول/سبتمبر إلى اضطراب شديد في الملاحة عبر هرمز. وللإمارات هامش أفضل من غيرها، فهي تستطيع استخدام موانئ خارج المضيق، بخلاف البحرين والكويت وقطر والعراق.
السيارات الفاخرة: وصف رئيس مجموعة فولكسفاغن مبيعات الشرق الأوسط بأنها عالية الهامش وتوقّع أن يتأثر بالحرب. وتتجاوز مبيعات السيارات في الإمارات 300 ألف سنوياً، نحو 20% منها واردات فاخرة. مع ذلك، يقل الشرق الأوسط عن 10% من مبيعات معظم شركات السيارات الفاخرة من حيث الحجم. والاستنتاج أن هذه الأرباح تزداد أهمية للشركات كلما ضعفت السوق المحلية، لكنها لا تعوّض تراجع السوق المحلية. وهناك منافسة صينية أيضاً: شكّلت العلامات الصينية 15–17% من تسجيلات السيارات الجديدة في الإمارات في النصف الأول من 2025. وهذا يصعّب على شركات ألمانية مثقلة بالتكاليف الدفاع عن حصصها في الشرائح المتوسطة.
رأس المال، وهو الأهم استراتيجياً: أصبح الخليج مالكاً ومستثمراً في الصناعة الألمانية. فقد بلغت حصة XRG التابعة لأدنوك نحو 95% من كوفيسترو، في صفقة قيمتها نحو 14.7 مليار يورو. وذكرت تقارير أن جهاز قطر للاستثمار يملك 10.4% من فولكسفاغن، وأن قطر مارست فيتو على تحويل مصنع أوسنابروك لإنتاج مكوّنات لشركة إسرائيلية. ثم جاءت زيارة الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد بين 9 و11 سبتمبر، إذ تعهدت الإمارات خلالها باستثمار 40 مليار يورو في ألمانيا، مع توقيع إعلان نوايا لإنشاء مجلس استثمار ألماني–إماراتي. وتشمل الحزمة نحو 1 غيغاواط من مراكز البيانات، وتوجَّه 10 مليارات منها إلى بافاريا وفق ما ذُكر. ووُقّعت 29 اتفاقية بين شركات البلدين بأكثر من 9 مليارات يورو. وسبق ذلك مذكرة تفاهم بين RWE وأدنوك لاستيراد الغاز المسال على مدى عقد.
تنويع الشركاء: لا تنتظر الإمارات تعافي ألمانيا، فقد نمت تجارتها غير النفطية 26% في 2025، و13% أخرى في النصف الأول من 2026 رغم الحرب على إيران، ولديها 37 اتفاقية شراكة شاملة. وفي برلين، قال وزير التجارة الخارجية إن الرسالة الأساسية هي التنويع وتوفير بدائل وأسواق جديدة. في المقابل، تسير المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي ببطء لأن بروكسل تصرّ على بنود غير تجارية، ما يحدّ من قدرة ألمانيا على تحويل الزخم السياسي إلى ميزة تجارية.













0 تعليق