نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
انفتاح مبشّر للرّواية العربيّة على "الكوميكس" و"الأنمي" - تواصل نيوز, اليوم الأحد 27 سبتمبر 2026 02:20 مساءً
يعتبر انفتاح الرواية العربية على عالم الكوميكس أمراً جديداً، ونستطيع أن نقول إنه لم يختبر بعد من حيث قبوله عربياً، على غرار ما هو حادث في الغرب، لكن يبدو أن البدايات مشجعة. ويندرج ضمن تلك البدايات قيام فنان القصص المصورة الفرنسي توماس آزويلوس، باستلهام رواية "اللجنة" للروائي المصري صنع الله إبراهيم، وتحويلها إلى كوميكس، ثم أصدرت دار "نول" المصرية عمله هذا مترجماً إلى العربية قبل نحو خمس سنوات.
وتبنت دار "ديوان" في القاهرة أخيراً مشروعاً لتحويل روايات نجيب محفوظ إلى كوميكس، ثم أقدمت على نشر الطبعة المصرية لرواية طارق إمام "بات مان – حلوان" بالتعاون مع منشورات "تكوين"، وهي رواية تعتمد في متنها رسوم مازن محمد التي تجمل طابع الكوميكس باعتبارها عنصراً أساسياً في العمل الذي جاء في نحو 600 صفحة من القطع فوق الوسط، وتولّت فيه لبنى إمام مهمة مونتاج الكوميكس.
وفي سياق متصل، أصدرت "ديوان"، قبل أيام بالمشاركة مع دار "المحروسة"، الترجمة الفرنسية لرواية "ميرامار" المصوَّرة، بترجمة فيكتور سلامة، ودعم من المعهد الفرنسي، ضمن برنامج "كتب الضفتين" Livres des deux rives. والنسخ العربية كتب السيناريو الخاص بها محمد إسماعيل أمين ومحمد سرساوي، ورسمها الفنانون سلمى زكريا وميجو وجمال قبطان وحسين محمد.
كوميكس فرنسي لرواية مصرية
تجربتان مختلفتان
يقول المدير التنفيذي ومدير النشر في "ديوان" الروائي أحمد القرملاوي لـ"النهار" إن الهدف من تحويل أعمال نجيب محفوظ إلى "كوميكس"، هو جذب قراء مختلفين إلى عالم صاحب "أولاد حارتنا". ويضيف أن هذا الجمهور المستهدف غير معتاد، غالباً، على قراءة الأعمال الكلاسيكية بلغتها وباستطراداتها وفي قالبها الأصلي.
هو جمهور يحب أن يتفاعل مع العمل الأدبي عبر وسيط آخر، مثلما أن هناك من يحبون مشاهدة أفلام ومسلسلات وربما مسرحيات مأخوذة عن أعمال لنجيب محفوظ، لكنهم لا يقرأون تلك الأعمال. هناك جمهور في العالم العربي مخلص جداً لهذا النوع من المزج بين الكلمة والصورة، وهو ليس من حديثي السن أو المراهقين كما قد يعتقد. لدينا جمهور واسع للكوميكس في كل الأعمار، وبالطبع سيكون لديه فضول للاطلاع على عالم نجيب محفوظ ويتفاعل معه ولكن من خلال الوسيط الذي يحبه ويستمتع به.
ويرى القرملاوي في هذا الصدد أن السوق العربي مقصر في إنتاج هذا النوع من الروايات المصورة، ولذلك بدأنا بنجيب محفوظ لمكانته الراسخة ولنضمن عدم المخاطرة قدر الإمكان. ويضيف القرملاوي: "رواية طارق إمام تجربة مختلفة، فهي لكاتب يحب أن يجرب ويغامر. وأنا شخصياً سبق أن قمت بمغامرة في روايتي "الأحد عشر" بأن أفسحت فيها مساحة كبيرة لقالب المسرح. أما طارق إمام فقد مزج الكوميكس بالرواية، وهذا له ما يبرره فنياً؛ لأن باتمان قادم أصلاً من عالم الكوميكس".
رواية الكوميكس (منشورات تكوين وديوان)
الكوميكس والأنمي
ولكن إلى أي مدى يمكن أن يتحمس الروائيون العرب إلى مثل تجربة تحويل أعمال لهم إلى "كوميكس؟ تقول الروائية اللبنانية علوية صبح لـ"النهار": "إذا تلقيتُ مثل هذا العرض فسأوافق عليه. إن تحويل الأعمال الروائية إلى كوميكس هو بمثابة عمل فني مواز للرواية يصل بها إلى المتلقي بطريقة مغايرة للمعتاد. المهم هو كيف يتحول ويحافظ في الوقت نفسه على القيمة الفنية للعمل الأصلي".
ويرى الروائي المصري علي قطب الذي أصدر أخيراً رواية "البند السادس" متضمنة مساحة من رسوم "الأنمي" المرتبطة عضوياً بموضوعها، أن الرواية فن لا يغلق أبوابه أمام الفنون والأشكال السردية الأخرى، وقد استفادت الرواية الحديثة كثيراً من الكوميكس والأنمي، ليس فقط على مستوى الصورة، الأمر تجاوز ذلك إلى بناء المشهد نفسه، وسرعة الانتقال، وتقطيع الأحداث، وتكوين الشخصيات والعوالم.
وفي المقابل، استفادت هذه الفنون نفسها من الرواية، فوجدت فيها مادة غنية يمكن تحويلها إلى صورة وحركة وإيقاع. فكل وسيط يملك أدواته الخاصة التي يمكن أن توسع إمكانات السرد.
من هنا – يضيف قطب - يمكن النظر إلى الرواية باعتبارها بوابة سردية واسعة، تستطيع أن تستوعب داخلها الرسم والمقالة والشعر والقصة القصيرة والرسائل واليوميات والوثائق، وحتى أشكالاً من الكتابة تبدو للوهلة الأولى بعيدة من الرواية، ما دامت تدخل في النسيج العام للحكاية وتؤدي وظيفة سردية أو جمالية واضحة حتى يشعر القارئ أن هذه العناصر خرجت من الحكاية نفسها، وليست إضافات أُلصقت بها من الخارج. لذلك – يقول قطب - لا أرى مستقبل الرواية في الانغلاق على شكل تقليدي، لكن دائماً على كاتبها أن يسأل عن الشكل الذي تحتاجه الحكاية كي تُروى بأفضل طريقة ممكنة.
وهذا ما حاول قطب أن يفعله في «البند السادس»: "لم أتعامل مع الرواية باعتبارها نصاً يجب أن يسير في مسار سردي واحد، اعتبرتها مساحة يمكن أن تتجاور فيها طرائق مختلفة للحكي. فهناك لحظات تحتاج إلى المشهد، وأخرى تحتاج إلى التأمل والفكرة، وثالثة يمكن أن تستفيد من الصورة أو الإيقاع أو التكثيف الذي نجده في أشكال سردية وفنية أخرى". واختتم بقوله لـ"النهار" إنه في «البند السادس» تحديداً، استند إلى مسلسل الأنمي الشهير "بوكيمون" واستخدم أبطاله "آش" و"بيكاتشو" كشخصيات روائية تخدم الفكرة الأصلية للرواية؛ "أي أنني اختبرتُ الفكرة عملياً لأكتشف أن الرواية لم تخسر هويتها على الإطلاق، لقد اكتشفت مساحات جديدة داخل هويتها نفسها".
ميرامار لنجيب محفوظ
العامية البصرية
وتقول الروائية الفلسطينية المقيمة في كندا باسمة التكروري لـ"النهار": "أجد الكوميكس مناسبة جداً للرواية الساخرة وتلك التشويقية ولأدب اليافعين. وهي تلتقط مزاجاً أدبياً أكثر خفة وأكثر تشويقاً". وعن تحويل الروايات الكلاسيكية إلى كوميكس، قالت: "ليس لديَّ موقف حاسم منه، لكنه ربما يكون طريقة لإعادة إحياء تلك الأعمال والحقب التي تنتمي إليها، وتقريبها من جيل من القراء الشباب الذين تَشكل لديهم وعي أكثر بصرية.
وتضيف: "الكوميكس عموماً هي أداة سرد بصري، وليست زينة أو زخرفاً يضاف إلى الكتاب. وقد دخلت هذا المشروع العام الماضي مع روايتي «نادي قوادي تورونتو»، ثم تبعه مشروع «عاهرة إيتوبيكو: الحياة السرية للسيدة نكرة». كتبت الروايتين بالإنكليزية، وأستخدم الكوميكس فيهما كنص مواز يروي قصة لا يرويها السرد المكتوب، بل يكشف ما تخفيه الشخصيات خلف الصورة التي تقدمها للناس".
في «الحياة السرية للسيدة نكرة» مثلاً - تضيف التكروري - هناك رواية بصرية كاملة تحكيها الابنة قليلة الكلام من خلال رسوماتها. في أحد المشاهد على سبيل المثال، تستقبل الأم رجلاً بتهذيب ودماثة وابتسامة وأحمر شفاه (روج) موضوع بعناية. البنت ترسم المشهد أيضاً، لكن في رسمتها تكون الأم قد ابتلعت الرجل ولم يبق منه خارج فمها سوى قدميه. أما "الروج"، فيظل في مكانه، كأنما لم يمسه شيء.
ومن هنا – تستطرد التكروري - جاء اهتمامي بقراءة رواية طارق إمام، "باتمان - حلوان"، أردت أن أرى كيف ينتقل من لغة العمارة الفنية المعقدة في «ماكيت القاهرة» إلى لغة أخف تناسب الكوميكس. أنا مولعة بطبقات اللغة والأصوات التي يمكن أن يحملها السرد، وكيف يتغير صوت الكاتب حين ينتقل من شكل إلى آخر، أو من لغة إلى أخرى.
وفي السياق، تضيف التكروري: اكتشفت أنني حين أكتب بالإنكليزية، أكتب بشكل كاريكاتوري ساخر، بينما تخرج لغتي العربية جادة ومتحفظة. وحين أريد السخرية بالعربية، أجد أن عليّ اللجوء إلى العامية. أتحدث هنا عن علاقتي أنا، شخصياً باللغة، لا عن قدرة العربية على السخرية. ثمة كتّاب ساخرون كتبوا بالفصحى من أجمل ما كتب بالأدب الساخر، لكن أنا عندي هذه العقدة. لهذا وجدت ضالتي في الكتابة بالإنكليزية أولاً، ثم نقل النص إلى العربية، لأحمل معي ذلك الصوت الساخر. وأعتقد أن الكوميكس تلعب دوراً مشابهاً؛ "إنها العامية البصرية، برأيي، إن أردتَ".
معينات سردية
وانطلاقاً من موضوع كتابه الأحدث "التفكير الروائي" طرحنا مسألة انفتاح الرواية العربية على تلك الفنون البصرية، على الأديب والناقد السعودي عبد الله العقيبي. يقول العقيبي لـ"النهار": في البداية، موضوع «التفكير الروائي» ليس مصطلحاً يوضح دلالة معيَّنة تجاه السرد الروائي، هو مجرد رغبة قديمة، ودعوة مفتوحة للتفكير في كل ما يمكن لنا أن ننتجه من رؤى نقدية تخرج من صلب التجربة الروائية العربية. وعليه – يضيف العقيبي - لا أظن أن هناك مشكلة في خوض التجريب في ما يتعلق بمكوّنات السرد، فالتجريب يتجاوز فكرة القدرة على الضبط، أعني ضبط ما هو من السرد الروائي من عدمه.
بالنسبة للكوميكس كمكوّن، فإنني أجده لا يخرج عن كثير من المكوّنات الأخرى التي ظهرت كمعينات سردية، مثل الرسم الغرافيتي، أو التلاعب ببنط الخط، أو الرسوم التوضيحية من خرائط ورسوم توضيحية. فخلق معين سردي جديد ليس فيه مشكلة، المشكلة الحقيقية أن يكون بمثابة الحلية، وألا تكون له ضرورة سردية، عندها سيكون الكوميكس عبثاً، كما سيكون وجود شخصية زائدة عبثاً أيضاً.
إشكال نقدي
بالنسبة لروايات نجيب محفوظ، والذي يحصل معها من تحويلها إلى كوميكس، يقول العقيبي: "دعنا نتفق أن هذا إشكال ثقافي، أقصد أن الذي أورد السؤال هنا ليس متعلقاً فنياً، فلا إضرار بالنص الروائي المنجز سلفاً. وإذا ما اتفقنا على ذلك، أرى أن المشكلة مشكلة ثقافية. هناك من يجد الموضوع بسيطاً ويشبه ما يحصل مع التوزيع الجديد لأغاني أم كلثوم، وهناك من يجد في الموضوع نوعاً من التشويه، وهناك من يتبسط، وهم الأقل قلقاً في ما يخص التراث، ويرى في الأمر نوعاً من التسويق الجديد، وأنا منهم بالمناسبة، لكني في النهاية لا أعدّه موضوعي، لأنه ليس موضوعاً فنياً بالدرجة الأولى.
وفي سياق السؤال عن كيف يمكن التعامل نقدياً مع هذا الهجين إن جاز التعبير، رأى الناقد المصري محمد عبد الباسط عيد أن الأمر يتطلب أدوات مختلفة، لا توفرها كل المناهج ولكن توفرها بعضها، فالسيموطيقا الثقافية والبلاغة الجديدة يتسع موضوعهما النصي باتساع مفهوم النص الذي بات يشمل الخطابات العادية والجمالية، ومنها بطبيعة الحال خطاب الصورة بمختلف عناصرها ووحداتها المكوّنة لها، وما تنطوي عليها الصور من دلالات تنبثق منها قيم وأنساق ثقافية واجتماعية وعقدية. ويضيف عيد لـ"النهار": بالتأكيد تتنوع أسئلة الناقد واهتماماته عن أسئلة الفنان التشكيلي الذي يقارب مثل هذه الصور، فالنقد مشغول دائمآ بالدلالة، سواء أقامت الرواية على الكوميكس من أولها إلى آخرها أم مزجت بين الكوميكس والنص الروائي، ولكلٍ دلالته بالتأكيد".
...
ما أود الإشارة إليه أن هذه الروايات الكوميكس الكامل أو الجزئي موضوع للمقاربات البلاغية الموسعة، بما هي خطاب حامل للمعنى ويستهدف متلقياً بعينه يروم التأثير عليه وجعله جزءاً من فضاء خطابه.










0 تعليق