نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
بين مطرقة القانون وسندان التكنولوجيا.. كيف نسترد مليارات حقوق النشر المنهوبة؟ - تواصل نيوز, اليوم الأحد 27 سبتمبر 2026 06:17 مساءً
لماذا يتصور البعض أن تحميل كتاب مُقرصن «بضغطة زر» ليس سوى تصرف عابر لا يضر أحدًا؟ مع أن هذا الاعتقاد السطحي هو في حقيقته بداية الخيط لجريمة سطو منظمة تُجفف منابع الفكر وتصادر مستقبل الثقافة. وإلى متى نقف موقف المتفرج أمام «مكتبات الظل» الرقمية التي تحولت من شاشات افتراضية هادئة إلى غول يلتهم مليارات الدولارات من اقتصاد النشر؟ ولماذا نلتزم الصمت ونحن نرى أمام أعيننا تراثًا مصريًا وعربيًا يتعرض للسطو الرقمي والتجريف الممنهج جهارًا نهارًا وتُنتزع أصوله التاريخية؟
إن السطو الرقمي العلني الذي يطل برأسه في العالم الافتراضي يضرب في العمق ذاكرة الأمم الحضارية، ولم يعد الأمر مقصورًا على تسريب الروايات الحديثة أو الكتب الأكثر مبيعًا فور صدورها، وإنما يمتد لنهب المخطوطات والكتب التاريخية النادرة التي تمثل الهوية الحية لشعوب بأكملها. يُساق كل هذا التراث إلى منصات مشبوهة تنشره تحت شعارات براقة، وبينما يحصد القراصنة أرباح المبيعات والإعلانات، يفقد الكاتب حقه المادي والمعنوي، وتخسر الدول مليارات الإيرادات الضريبية والتجارية.
ولعل الأرقام الصادرة عن اتحاد الناشرين الإيطاليين تعطينا إنذارًا شديد اللهجة، فقد كشفت دراسة ميدانية في الفترة من 9 إلى 27 أكتوبر 2025، أن خسائر صناعة النشر هناك بلغت نحو 722 مليون يورو، بينما تكبد الاقتصاد الوطني الإيطالي خسائر قاربت ملياري يورو، فضلاً عن ضياع 313 مليون يورو من الضرائب. هذه الأرقام تعني عمليًا أن قرصنة كتاب واحد قد لا تقطع رزق مؤلف واحد فقط، وإنما قد تؤدي إلى إفلاس دار نشر بأكملها، وعندما تتكرر الجريمة وتتسع دوائر القرصنة تتصاعد أرقام الخسائر الفادحة.
وتكمن المأساة الحقيقية في الجانب المظلم لقرصنة التراث، ففي الوقت الذي تُرفع فيه آلاف المخطوطات والكتب النادرة التي تخص تاريخ مصر والعالم الإسلامي على منصات وقنوات «تيليجرام»، يجد الباحثون أنفسهم أمام كارثة، فالنسخ المقرصنة لا تكتفي بسلب حقوق ورثة المؤلفين، بل تتعرض للتعديل والتشويه، وتُنتزع من سياقها الأكاديمي، مما يمثل تهديدًا مباشرًا للذاكرة الجماعية.
وفي مواجهة هذا الاستنزاف، خاضت الدول مواجهات قانونية وتقنية حاسمة ولم تقف متفرجة: ففي هولندا، تلاحق مؤسسة (BREIN) بائعي الكتب المقرصنة بلا تهاون، حيث ألزمت المحكمة إحدى السيدات بدفع غرامات وتكاليف قضائية تجاوزت 25 ألف يورو، وحينما ماطلت في السداد، صدر حجز تنفيذي على منزلها وسيارتها، وفرضت عليها التزامًا صارمًا بشرط جزائي يبلغ 500 يورو عن كل كتاب مخالف.
وفي فرنسا، استطاعت النقابة الوطنية للنشر (SNE) استصدار أحكام قضائية حازمة لحظر مئات النطاقات الإلكترونية لمواقع القرصنة الشهيرة، مما جعل الطريق إليها مسدودًا تقريبًا داخل فرنسا، مع مطالبة هيئة الاتصالات (ARCOM) بسلطات أوسع لملاحقة النطاقات البديلة فور ظهورها.
كما تحولت دول مثل هولندا والسويد من أنظمة إدارة الحقوق التقليدية (DRM) إلى تقنية العلامات المائية الرقمية على نحو 96% من إصداراتها. وفي ألمانيا، طور معهد «فراونهوفر» تقنية (SiDiM) لدمج بصمات غير مرئية داخل النصوص، تتيح تتبع النسخة المسربة وتحديد مصدرها بدقة متناهية. وفي كوريا نشأت وحدة شرطية قضائية متخصصة لمكافحة جرائم حقوق النشر بالتعاون مع الإنتربول، بينما تعتمد البرازيل على إجراءات غير قضائية لإزالة المحتوى المقرصن خلال 24 ساعة فقط.

السطو الرقمى العلنى يضرب فى العمق ذاكرة الأمم الحضارية
أما في مصر، باعتبارها قلب وعقل الثقافة العربية، فهي تقف في صدارة المتضررين. فالواقع يشير إلى أن إصدارات دور النشر المصرية تُقرصن فور صدورها، كما أن مؤلفات قامات فكرية وأكاديمية تُباع وتتداول بغير وجه حق عبر منصات إلكترونية تابعة لمكتبات عربية معروفة. ولعل المعركة التي يخوضها الدكتور عمر محمد علي، أستاذ الجغرافيا البشرية بجامعة العاصمة (حلوان سابقًا)، عبر محاميه المستشار محمد مصطفى العفيفي، تقدم نموذجًا للمواجهة القانونية، حيث أقام عدة دعاوى ضد منصات تابعة لدور نشر وشركات تمتلك فروعًا داخل مصر وخارجها، عرضت للبيع كتبًا من مؤلفاته دون إذن أو تعاقد معه، وحصل مسؤولوها على عائد مبيعات النسخ المقرصنة رقميًا لأنفسهم، وقد صدرت بالفعل أحكام نهائية لصالح حماية مؤلفاته المسجلة في دار الكتب والوثائق القومية، وما زالت المعركة مستمرة. وتشهد ساحات العدالة تحركًا قضائيًا متصاعدًا من عدد غير قليل من الكتاب والمبدعين والناشرين المصريين، الذين اتخذوا مسارات وإجراءات قانونية مماثلة داخل مصر وخارجها، لملاحقة منصات القرصنة ودور النشر المخالفة، في محاولة جادة لاسترداد حقوقهم الأدبية والمالية المنهوبة.
ولم تقف حدود الكارثة عند الشاشات الرقمية والمساحة الافتراضية فحسب، وإنما تمتد لتغرس مخالبها في سوق الطباعة الورقية التقليدية عبر تزييف وتزوير الكتب المطبوعة، حيث تُطبع أسراب من النسخ المقلدة بطرق غير شرعية، وتُهرب لتباع في أسواق عدة دول دون أدنى علم من أصحابها أو دور النشر الأصلية. إن هذه القرصنة الورقية المباشرة لا تقتصر على تحويل العائدات المالية المظلمة إلى أيدي شبكات التزييف والتهريب، ولكنها تضاعف حجم النزيف المالي لاقتصاد النشر، وتغرق الأسواق بنسخ رديئة تسيء للمحتوى وتستنزف حقوق الكاتب والناشر والدولة على حد سواء.
ولكي لا نكتفي بجلد الذات، نطرح مقترحات عملية لحماية المنتج الفكري المصري، تتلخص في ضرورة تغليظ العقوبات التشريعية برفع الغرامات المالية لتتناسب مع حجم الضرر الفعلي، وفرض عقوبات مشددة على العائدين مع إلزام المنصات الوسيطة بالمراقبة الاستباقية، إلى جانب إنشاء هيئة وطنية موحدة تجمع اتحاد الناشرين ووزارة الثقافة والجهات المختصة تكون لها صلاحيات الحظر الفوري للمواقع المخالفة، وكذلك التوسع في تطبيق البصمة الرقمية وإلزام دور النشر بتبني تقنيات العلامات المائية، فضلاً عن تعزيز التعاون مع المنظمات الدولية المعنية والإنتربول لملاحقة مواقع السطو على الكتب المصرية المقرصنة خارج الحدود، واتخاذ الإجراءات القضائية اللازمة لاسترداد حقوق المؤلفين والناشرين المصريين والمقدرة بمليارات الدولارات بالنظر إلى حجم التراث المُقرصن.
إن معركة القرصنة الرقمية للكتب ليست مجرد نزاع بين مؤلف وقرصان، أو ناشر وموقع مشبوه، بل هي معركة وعي وجودية بامتياز. ففي كل مرة تنهب فيها منصة كتابًا رقميًا، أو تسكب المطابع المظلمة آلاف النسخ المقلدة في الأسواق، يضيع على القارئ حقه في نيل عمل أصيل، ونخسر جميعًا قطعة حية من عقل الأمة. والتجارب الدولية الناجحة تؤكد أننا نحتاج لمنظومة حازمة تجمع التشريع الرادع، والتكنولوجيا الذكية، والوعي المجتمعي. ومصر بكل ثقلها الثقافي قادرة على إنقاذ وحماية تراثها وحقوق الملكية الفكرية لمبدعيها، واسترداد مقدراتها الثقافية وحماية اقتصاد النشر من نزيف المليارات المنهوبة.

















0 تعليق