نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
ماذا وراء طرح «برنامج نيويورك» حول قطاع غزة؟ - تواصل نيوز, اليوم الاثنين 28 سبتمبر 2026 11:31 صباحاً
ماذا يعني أن يبدأ الحديث عن مستقبل قطاع غزة بخطة قيمتها 2.45 مليار دولار؟ هل نحن أمام خطة مالية لإعادة بناء ما دمرته الحرب الإسرائيلية، أم أمام ترتيبات أوسع يجري الإعداد لها؟ خلال اجتماعات الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، قدم «مجلس السلام» برنامجًا يمتد ستة أشهر، يحتوي 66 مشروعًا للإسكان، إزالة آثار الحرب، إصلاح المستشفيات، الطرق، شبكات المياه والكهرباء، لكنه يضع إلى جانب ذلك قضايا إدارة القطاع، السلاح، الأمن، والقوة الدولية، الجهاز الأمني الفلسطيني والانسحاب الإسرائيلي، مما يجعل الإعمار جزءًا من تصور أكبر لما سيحدث في غزة خلال المرحلة المقبلة.
قيمة البرنامج المطروح لا تتحدد بحجم التمويل فقط، بل بما يسبقه من قرارات تتعلق بمن يحكم غزة، ومن يتولى أمنها، وكيف سيكون وضع السلاح، ومتى يتم الانسحاب الإسرائيلي. لذلك ترتبط عملية الإعمار بترتيبات سياسية وأمنية أوسع، تجعل بدء تنفيذ المشروعات مرهونًا بالاتفاق أولًا على شكل المرحلة المقبلة في القطاع. وعلى هذا الأساس، لا يأتي «برنامج نيويورك» كخطة منفصلة، وإنما يسعى إلى إعطاء دفعة لتنفيذ المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن غزة، بعد تعثر الانتقال إليها خلال الأشهر الماضية.
بعد تنفيذ جانب من التزامات المرحلة الأولى، ظهر خلاف أساسي حول ترتيب خطوات المرحلة التالية. تتمسك إسرائيل بأولوية نزع سلاح حماس وتجريد القطاع من السلاح قبل استكمال الانسحاب والانتقال إلى إعادة الإعمار على نطاق واسع، بينما تطالب حماس بتنفيذ الالتزامات الإسرائيلية، وفي مقدمتها وقف العمليات العسكرية والانسحاب وزيادة تدفق المساعدات، بالتوازي مع معالجة ملف السلاح، علمًا بأن الخلاف لا يتعلق برفض مبدأ إعادة إعمار غزة، بل بالشروط والترتيبات السابقة له.
هذه المعضلة أبقت المرحلة الثانية في مساحة تفاوضية معلقة، كل خطوة أمنية ترتبط بخطوة سياسية، وكل تقدم في ملف الانسحاب يرتبط بآليات نزع السلاح ومن سيتولى المسئولية الأمنية والإدارية في المناطق التي يخليها الجيش الإسرائيلي. فيما تضيف الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر المقبل عاملًا مهمًا، فرغم موافقة حكومة بنيامين نتنياهو، مبدئيًا، على بعض الترتيبات التي نوقشت في إطار «مجلس السلام»، لم تنتقل هذه التفاهمات إلى التنفيذ الكامل، فيما بقي نتنياهو متمسكًا بموقفه القائم على أولوية نزع سلاح حماس.
تكتسب هذه الملفات حساسية إضافية خلال الحملة الانتخابية الإسرائيلية، فالانسحاب من مناطق إضافية في غزة أو الموافقة على بدء إعادة الإعمار قبل استكمال الشروط الأمنية التي تعلنها الحكومة يمكن أن يتحولا إلى مادة للصراع الداخلي، خصوصًا داخل معسكر اليمين. وفي المقابل، يقر مسئولون في «مجلس السلام» بأن الانتخابات جعلت التفاوض مع إسرائيل أكثر صعوبة، ما يدفع أطرافًا مشاركة في المسار إلى النظر إلى مرحلة ما بعد التصويت باعتبارها فرصة محتملة لتحريك الملفات المتوقفة. لكن ذلك يظل مرتبطًا أيضًا بنتائج الانتخابات والوقت الذي قد تستغرقه عملية تشكيل الحكومة المقبلة.
الواقع الهش لـ«اليوم التالي»:
بالتزامن مع النقاش السياسي حول «اليوم التالي»، لا يزال الواقع داخل قطاع غزة بعيدًا عن مرحلة ما بعد الحرب، فالجيش الإسرائيلي يسيطر على نحو 60% من مساحة القطاع، فيما لم تتوقف الغارات وإطلاق النار بصورة كاملة رغم مرور قرابة عام على دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ. وتظهر أحدث بيانات وزارة الصحة في غزة أن حصيلة الحرب بلغت، حتى نهاية الأسبوع الماضي، 73 ألفًا و928 شهيدًا و175 ألفًا و30 مصابًا، بينهم 1408 شهداء و4916 مصابًا منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي.
تطورات درامية تضع القطاع في حالة انتقالية شديدة الصعوبة، فالعمليات العسكرية الواسعة تراجعت، لكن إعادة الإعمار الشاملة لم تبدأ، فيما يستمر السكان في مواجهة آثار الدمار ونقص المساكن والخدمات الأساسية. وهذه المسافة بين وقف الحرب وبدء الإعمار هي تحديدًا المساحة التي يحاول برنامج نيويورك التعامل معها. وعليه، فإن برنامج نيويورك، الذي يمتد 6 أشهر ويضم 66 مشروعًا، لا يمثل خطة شاملة لإعادة إعمار القطاع. فالـ2.45 مليار دولار مخصصة لمرحلة أولية تستهدف التعامل مع الاحتياجات الأكثر إلحاحًا، بينما تقدر كلفة إعادة إعمار غزة على المدى الأطول بعشرات المليارات من الدولارات.
تشمل مشروعات البرنامج توفير مساكن مؤقتة للأسر التي فقدت منازلها، وإزالة الأنقاض والتعامل مع الذخائر غير المنفجرة، وإصلاح الطرق وشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، وتأهيل بعض المستشفيات والمنشآت الصحية، وإعادة تشغيل جانب من الخدمات الأساسية. لكن محدودية البرنامج قياسًا بحجم الدمار تطرح سؤالًا حول وظيفة الأشهر الستة الأولى: هل ستكون بداية عملية إعادة بناء طويلة، أم مرحلة مؤقتة لإدارة الاحتياجات الإنسانية ومنع مزيد من التدهور إلى حين التوصل إلى تسوية سياسية وأمنية أكثر استقرارًا؟.
نظرة على توزيع الأموال:
السؤال يصبح أكثر إلحاحًا عند النظر إلى توزيع الأموال. فالبرنامج لا يوجه كامل موارده إلى الإسكان والمستشفيات والبنية التحتية، بل يخصص نحو 885 مليون دولار للجانب الأمني، ومن بين هذه الأموال نحو 120 مليون دولار لإعداد قوة شرطة فلسطينية جديدة يفترض أن تتولى تدريجيًا مسئوليات الأمن الداخلي في المناطق التي تنتقل إلى الإدارة الفلسطينية. وبحسب تفاصيل البرنامج، جرى اختيار وتدقيق آلاف المرشحين من سكان غزة، على أن يتلقوا التدريب في مصر ثم يعودوا للانتشار داخل القطاع.
هذا الاتجاه يصطدم بعقبة مبكرة، حيث لم يبدأ خروج المرشحين إلى مصر حتى الآن بسبب قيود إسرائيلية، الأمر الذي يضع أحد المكونات الضرورية للترتيبات الجديدة أمام مشكلة عملية قبل أن يبدأ تنفيذ البرنامج نفسه. ولا يقف التصور الأمني عند حدود الشرطة، فالخطة تتضمن أيضًا نشر قوة استقرار دولية، وآليات للتعامل مع الأسلحة والأنفاق، وتأمين المناطق التي تنتقل إلى الإدارة الجديدة.
يفترض أن تتولى الشرطة مسئولية الأمن الداخلي، بينما تقوم القوة الدولية بدور أوسع في تثبيت الترتيبات الأمنية خلال المرحلة الانتقالية، ما يعني أن المسألة تتجاوز حدود «من يعيد بناء غزة؟» إلى سؤال آخر أكثر ارتباطًا بمستقبل القطاع: «من سيسيطر على الأرض، ويحمل السلاح، ويدير الأمن بعد الحرب؟». وهي قضايا تجعل مشروع إعادة الإعمار مرتبطًا بصورة مباشرة بإعادة ترتيب البنية الأمنية والإدارية للقطاع.
«ملادينوف» يرصد المعضلة:
خلال عرض البرنامج في نيويورك، وضع الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام» في غزة، نيكولاي ملادينوف، يده على هذه المعضلة، معتبرًا أن التحدي لم يعد في صياغة الخطط بقدر ما أصبح في القدرة على تحويلها إلى واقع، موضحًا أن خريطة الطريق أصبحت موجودة، لكنها تتطلب تنفيذ الالتزامات على الأرض وليس على جدول زمني ثابت.
هذه النقطة، وإن كانت تمنح الأطراف مساحة للتحرك التدريجي، فإنها تعني في الوقت نفسه أن تعثر أحد الملفات يمكن أن يؤخر الانتقال إلى الملفات التالية. ولم يخفِ ملادينوف صعوبة المباحثات مع الجانب الإسرائيلي، مشيرًا إلى أن اقتراب الانتخابات جعل القضايا المتعلقة بغزة أكثر حساسية. كما دعا إلى الالتزام بتفاهمات شرم الشيخ وعودة القوات الإسرائيلية إلى الخطوط المتفق عليها.
تكشف تصريحاته عن الفجوة بين اكتمال التصور النظري للمرحلة التالية وبين القدرة على تطبيقه، فهناك مشروعات محددة وترتيبات للإدارة والأمن، لكن العناصر الضرورية لبدء التنفيذ لم تكتمل بعد.وربط ملادينوف بدء تنفيذ المشروعات بتوافر التمويل وإمكانية الوصول إلى غزة، ما يضع «مجلس السلام» أمام مهمتين متوازيتين: حشد الأموال من المانحين، والحصول على الظروف السياسية والأمنية التي تسمح بإدخال المعدات والمواد وبدء العمل على الأرض.
يظل التمويل اختبارًا آخر لمدى واقعية ما طُرح، فالقيمة المقترحة، البالغة 2.45 مليار دولار، تمثل الفاتورة المقدرة للمشروعات الـ66 خلال الأشهر الستة الأولى، ولا يعني ذلك أن هذا المبلغ أصبح متاحًا بالكامل وجاهزًا للإنفاق.
وتتضح محدودية الرقم بصورة أكبر عند مقارنته بحجم الاحتياجات الإجمالية للقطاع. فالمرحلة الأولى لا تتعامل إلا مع جزء محدود من الدمار، بينما ستحتاج عملية إعادة البناء الكاملة إلى سنوات وتمويل بعشرات المليارات. وبالتالي، لن يكون الاختبار في عدد المشروعات المعلنة، وإنما في عدد المشروعات التي ستنتقل بالفعل من الأوراق إلى غزة، وحجم التمويل الذي يمكن توفيره، والقيود التي ستفرض على استخدامه.
حسابات الحكومة الإسرائيلية:
وفي ظل هذه الأجواء، تتزايد التساؤلات حول أثر عامل الوقت في حسابات الحكومة الإسرائيلية، وما إذا كان تأجيل حسم الملفات الأكثر حساسية إلى ما بعد انتخابات 27 أكتوبر يمنح نتنياهو مساحة لتجنب قرارات قد تكون لها كلفة داخلية خلال الحملة، فالانسحاب من مناطق إضافية، والسماح بالانتقال إلى ترتيبات أمنية جديدة، وبدء إعادة الإعمار في وقت لم يتحقق فيه مطلب نزع سلاح حماس بالكامل، كلها ملفات تمس مباشرة الخطاب الأمني الذي يقدمه نتنياهو ومعسكر اليمين للناخب الإسرائيلي.
لا تكفي هذه المعطيات للجزم بأن الحكومة الإسرائيلية تتعمد تعطيل الخطة لأغراض انتخابية، لكنها تجعل الحساب الانتخابي عنصرًا لا يمكن فصله عن توقيت القرارات. ويعزز ذلك إقرار مسئولي «مجلس السلام» بأن قدرتهم على إحراز تقدم مع إسرائيل أصبحت أكثر محدودية خلال الفترة الانتخابية. وهكذا يجد برنامج الـ2.45 مليار دولار نفسه أمام مفارقة واضحة: المشروعات وُضعت على الورق، والتصور الأمني والإداري أصبح أكثر تفصيلًا، لكن مفاتيح التنفيذ الرئيسية لا تزال معلقة بين التمويل ونزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي والترتيبات الأمنية والحسابات السياسية داخل إسرائيل.
وبينما تتوالى المبادرات الدولية لرسم ملامح غزة في مرحلة ما بعد الحرب، قد يصبح ما ستفرزه الانتخابات الإسرائيلية وتشكيل الحكومة المقبلة أحد الاختبارات الأولى لمعرفة ما إذا كانت خطة نيويورك ستنتقل فعلًا إلى الأرض، أم ستنضم إلى سلسلة التصورات التي بقي تنفيذها مؤجلًا، بينما يستمر سكان غزة في انتظار بداية فعلية لإعادة البناء.
اقرأ أيضاً
حول اجتماع الأمم المتحدة
















0 تعليق