نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
يوم الوداع.. استفتاء الشعب الأخير على مسيرة الزعيم الخالد جمال عبد الناصر - تواصل نيوز, اليوم الاثنين 28 سبتمبر 2026 11:51 صباحاً
في مثل هذا اليوم، تعود الذاكرة العربية إلى لحظة من أعجب اللحظات التي عرفتها هذه الأمة في عصرها الحديث، لحظة توقف فيها الزمن، وسكتت فيها أجهزة الراديو عن البث، وبدا وكأن قلبًا واحدًا كبيرًا توقف عن الخفقان.
لم يكن ذلك النبأ مجرد خبر عابر يُتلى في نشرة الأخبار، ثم ينصرف عنه الناس إلى شؤونهم، بل كان زلزالًا هز مشاعر ملايين البشر من المحيط إلى الخليج، بل تجاوزهما إلى ما وراء البحار، حيث اهتزت له - كما يقول المؤرخون - عروش الدول وعروش القلوب في آنٍ واحد.
فقد رحل جمال عبد الناصر في الثامن والعشرين من سبتمبر عام 1970، بعد نوبة قلبية مفاجئة، عن عمر لم يتجاوز الثانية والخمسين.
وثمة مفارقة موجعة تفطر القلوب، كان الزعيم قد شعر بالتعب وهو يودع أمير الكويت، وقال قولته المشهورة التي ظلت محفورة في ذاكرة من رافقوه: «حسيت بتعب وأنا بودع أمير الكويت، رجليا كادت ما تقواش تحملني».
ولو أن أحدًا من المحيطين به حينها أدرك أن تلك هي الساعات الأخيرة لأعظم رجل عربي في عصره، لتغير مجرى تلك الليلة، وتوالت النداءات.
لكن القدر كان قد كتب كلمته الأخيرة، وما هي إلا ساعات حتى كان جثمان الزعيم مسجّى، وكان الشعب المصري بأكمله يستعد لوداع لم يشهد له التاريخ مثيلًا.
إنها قصة «ناصر ويوم الوداع»، قصة غابت فيها الحواجز بين الحاكم والمحكوم، وامتزجت فيها دموع البسطاء بدموع الملوك والرؤساء، وخرج فيها خمسة ملايين إنسان - بل أكثر، وفق بعض الروايات - ليودعوا رجلًا ظنوا أن موته موتهم، وأن غيابه غياب الحلم العربي كله.
المشهد الأخير:
كان يوم الاثنين الثامن والعشرين من سبتمبر عام 1970 يومًا لم يكن يُظن أنه سيكون خاتمة عصر كامل.
ففي الساعات الأولى من مساء ذلك اليوم، كانت القاهرة تمارس حياتها المعتادة، والرئيس في مكتبه يناقش أعقد الأزمات التي عصفت بالأمة العربية آنذاك، وعلى رأسها أزمة سبتمبر أو «أيلول الأسود» في الأردن، والصراع الفلسطيني، والتصدع الذي ضرب العلاقات العربية بعد هزيمة حزيران 1967.
ولكن الجسد البشري، إذا أنهكته الهموم ولم يرحمه طبيب ولا زمان، خارت قواه فجأة، فقد سقط ناصر ضحية نوبة قلبية حادة، بعد ساعات قضاها في محاولات دؤوبة للتوفيق بين الفرقاء العرب في قمة ضمت الملوك والرؤساء.
وهنا تكتمل المأساة ويتجلى عمق الرمز، فقد مات الرجل الذي حمل على عاتقه هموم الأمة، وهو في خضم أداء ذلك الحمل الثقيل، مات وهو يحاول أن يلم شمل الممزق، وأن يجمع شتات المتفرق، فكان موته أشبه بانطفاء شعلة كانت تضيء ليل العرب الطويل.
وما إن فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها، حتى تكشفت عن عظمة الرجل حقائق كان يحرص أشد خصومه على طمسها، فلم يوجد في جيبه إلا ما لا يغني عن فقير، كان يرتدي ملابس بسيطة، ويعيش في بيت متواضع، ولا يملك من حطام الدنيا ما يملكه أقل موظف لدى العروش التي ناصبته العداء.
وهذه المفارقة هي التي جعلت مشهد جنازته لا يشبه جنازة زعيم، بل يشبه خرابًا روحيًا عم أمة كاملة، فكيف يرحل من كان كل شيء عند شعبه، ولا يترك خلفه إلا الحلم والعرق والدمع؟.
مصر تتشح بالسواد:
لا تكفي اللغة، مهما اتسعت مفرداتها، ولا البلاغة، مهما علت أساليبها، لتصف ما أصاب مصر في تلك الأيام الثلاثة التي انقضت بين الوفاة وتشييع الجثمان في الأول من أكتوبر.
فمنذ اللحظة التي أذاع فيها صوت متهدج نبأ الوفاة صباح ذلك اليوم، تبدلت القاهرة من حال إلى حال، وكأن يدًا غيبية انتزعت من المدينة كل ألوانها، فلم يبقَ فيها إلا لون واحد: السواد.
خرجت النساء إلى النوافذ والشرفات يولولن، وراح الرجال يضربون صدورهم كأنما فقدوا آباءهم وأبناءهم جميعًا في ساعة واحدة، أُغلقت المتاجر والدور والمصالح الحكومية، وتوقفت حركة المرور، وأحاط الصمت الحزين بكل شيء.
وفي الأحياء الشعبية، الحسين، والسيدة زينب، والجمالية، لم يكن ثمة حديث إلا عن ناصر، ولا وجه إلا وجه ناصر، ولا دمع إلا من أجل ناصر.
في ذلك اليوم المهيب، يوم التشييع، كان المصريون قد تدفقوا إلى القاهرة من كل صوب وحدب، من الصعيد ومن الوجه البحري، ومن القرى والنجوع والكفور، راكبين تارة، وسائرين على الأقدام تارة أخرى، حتى اكتظت بهم الشوارع والميادين والأسطح وأكتاف الجسور وأعمدة الكهرباء.
وتراوحت تقديرات المشاركين بين خمسة ملايين وسبعة ملايين مشيع، وهو رقم أدخل جنازته موسوعة «جينيس» بوصفها من أضخم الجنازات التي عرفها تاريخ البشرية قاطبة، ووُصف المشهد بأنه أكبر حشد بشري رأته القاهرة في يوم واحد منذ أن قامت المدينة.
كانت تلك الجنازة، في حقيقتها العميقة، أبعد من مجرد وداع، لقد كانت استفتاءً شعبيًا هائلًا على بطل لم يُهزم رمزه قط، حتى حين هُزمت جيوشه، بل زادته الهزيمة عند جماهيره قربًا ورسوخًا.
فقد بكى المصريون رجلًا ظلوا يرون فيه - صحيحًا كان ذلك أم مبالغًا فيه - الأب والملاذ، والمُلهم الذي رفع رؤوسهم عاليًا قبالة العالم.
خبر عربي:
لم يكن نبأ رحيل ناصر خبرًا مصريًا تُعزّى فيه مصر وحدها، بل كان خبرًا عربيًا بالمعنى الكامل للكلمة، سقط على الأمة وقع الصاعقة.
فقد اهتمت به الجماهير العربية في كل قطر، من دمشق إلى بغداد، ومن بيروت إلى صنعاء، ومن طرابلس إلى الخرطوم والجزائر والرباط، اهتمامًا لم تشهده قضاياها قبل ذلك.
لم يكن عبد الناصر زعيمًا مصريًا فحسب، بل كان زعيمًا قوميًّا عربيًا، حوّل فكرة الوحدة العربية من شعار يُرفع إلى وجدان يعيشه الإنسان العادي في بيته وحارته ومقهى أم كامل.
ففي دمشق، نُكست الأعلام، وخرجت الحشود تبكي الرجل الذي وحّد بين مصر وسوريا ذات يوم في الجمهورية العربية المتحدة، والذي ظل الحلم الوحدوي عنده قضية حياة، لا مجرد فكرة ترددها الخطب.
وفي بغداد وبيروت والخرطوم، كان المشهد متشابهًا إلى حد الغرابة: جماهير حاسرة الرأس، وعيونا مغرورقه، وصفوفا طويلة تنتظر دورها لتشييع رمزي للزعيم الغائب، وكأن الجثمان الواحد قد تحول إلى جثامين متعددة توزعت على القلوب.
ويُروى أن القذافي - الذي كان قد التقى ناصر قبل أشهر قليلة من رحيله - أصابه الذهول، وأن مشاعر الفجيعة عمّت طرابلس كما عمت القاهرة، أما الملك حسين والأمير فيصل وغيرهما من القادة الذين جمعهم ناصر في قمته الأخيرة، فقد اكتشفوا في ساعة الوفاة أن غريمهم السياسي كان في الوقت نفسه صمام الأمان الذي يجمعهم، وأن رحيله أفقد الأمة رجلًا كان - رغم كل الخلافات - قادرًا على أن يُجلس الجميع حول طاولة واحدة.
وأعمق ما في هذا المشهد أنه كشف حقيقة كبرى: أن تأثير ناصر لم يكن ابن السلطة والمنصب، بل كان ابن ذلك الامتداد الشعبي الذي اخترق الحدود والحكومات معًا.
فقد أحبته الجماهير العربية بلا استئذان من حكوماتها، وأحيانًا على الرغم من حكوماتها، فكان رحيله حكاية بكاء امتدت من المحيط إلى الخليج كموجة واحدة لا تعرف الفواصل.
كيف استقبلت البلدان الأجنبية الخبر؟
تقول الحكمة: إن عظمة الرجل لا تُقاس بحب أصدقائه له، بل بمدى احترام أعدائه إياه، وإذا صح هذا المقياس، فإن وفاة عبد الناصر كانت أعظم برهان على عظمته، ففي العواصم الغربية والعالمية، حيث كانت صورته تُرسم سنوات طويلة على هيئة «ديكتاتور» و«مصدر تهديد»، ساد يوم الوداع صمت مهيب، وأُذيعت البيانات بنبرة احترام نادرة، وكأن الخصوم أنفسهم اكتشفوا في لحظة الرحيل أنهم كانوا يواجهون رجلًا استثنائيًا، وأن خصومته كانت - في جوهرها - اعترافًا ضمنيًا بثقله الحقيقي.
فقد اهتزت لموته عروش الدول كما اهتزت القلوب، حيث أدركت القوى الكبرى أن الرجل الذي وقف وحده في وجهها في أزمة السويس عام 1956، والذي أمّم القناة وحطم أسطورة «القوة التي لا تُقهر»، قد رحل تاركًا فراغًا لا يملؤه رجل واحد.
اكتظت صحف العالم، من لندن وباريس وواشنطن إلى موسكو وطوكيو، بصور الزعيم الراحل وتحليلات مطولة عن «خسارة لا تعوض» لمنطقة الشرق الأوسط، بل وللعالم.
واللافت في أمر خصومه أنهم لم يشمتوا به، مع أن الفرصة كانت سانحة، بل راحوا يُنوّهون بشجاعته ونزاهته ووطنيته، ويقرون بأنه «كان رجلًا من طينة مختلفة».
وهذا وحده يضع جنازة ناصر في مصاف الأحداث النادرة التي تتجاوز فيها قيمة الإنسان حدود المعسكرات والأيديولوجيات، فيقف الجميع - المحب والمخاصم - في خشوع أمام نعش يحمل جثمان رجل غيّر وجه منطقته إلى الأبد.
رثاه الجميع:
ما أكثر ما قيل في رثاء ناصر، وما أعظم ما جادت به القرائح من شعر ونثر، فلقد رثاه الشعراء والكتاب والمفكرون والسياسيون، كلٌّ على طريقته، وكلٌّ بلسانه الذي يعجز أن يوفي الرجل حقه.
وكان أجمل ما في هذه المرثيات أنها جاءت شهادة موحدة على أن ناصر لم يكن رجلًا عاديًا يمر في تاريخ أمة ثم يطويه النسيان، بل كان ظاهرة إنسانية نادرة التكرار.
بكاه الفلاح في حقله، والعامل في مصنعه، والطالب في مدرسته، والجندي في ثكنته، والأم وهي تضم صغارها إليها، بكاه الكبير والصغير، والعالم والجاهل، والغني والفقير، والمسلم والمسيحي، لأن الذي رحل كان - في النهاية - رجلًا من لحم ودم يسير بينهم، آكلًا من طعامهم، لابسًا من لباسهم، ناطقًا بلسانهم، حاملًا همومهم.
لقد تجلى أجمل الوداع في تلك الجموع التي ظلت سائرة خلف النعش، والضباط يحملونه على أكتافهم، والدموع تنحدر على وجناتهم، بينما كانت الحشود تمتد أمامهم وخلفهم وعن يمينهم وشمالهم، كأنما الأرض كلها قد صارت جسدًا واحدًا يسير لتوديع روحه.
وكانت اللحظة التي لُفّ فيها الجثمان بالعلم، واللحظة التي ووري فيها الثرى في مسجد يحمل اسمه، ثم في ضريحه عند ربوة بالقاهرة، من اللحظات التي بكى فيها حتى من عُرفوا بصلابة الموقف ورباطة الجأش.
لم يكن الحزن في ذلك اليوم احتفاءً رمزيًا عابرًا، بل كان اعترافًا صادقًا بأن الأمة العربية ودّعت في الأول من أكتوبر 1970 رجلًا أسرها حيًّا، وظل آسِرًا لها ميتًا، وأن تراب ذلك القبر البسيط أضاف إلى تاريخ العرب فصلًا لا يملك المؤرخون إلا أن يكتبوه بأحرف من نور.
سر الخلود:
لقد مر على رحيل جمال عبد الناصر أكثر من نصف قرن، وما زال اسمه يتردد في كل مناقشة عن الوحدة والكرامة والتحرر، وما زال قبره مقصدًا يسير إليه العاشقون من كل فج عميق.
فما سر هذا الخلود إذن؟
السر أن ناصر لم يكن يملك شعبه، بل الشعب هو الذي امتلكه، فقد منحته الجماهير من الحب ما لم تمنحه لأحد قبله ولا بعده، لأنه أعطاها من نفسه ما لم يعطه زعيم لمن معه.
أعطاها إحساسًا بالكرامة في زمن كان الاحتلال يسلبها الكرامة، وأملًا في زمن كان اليأس يحاصرها من كل جانب، وحلمًا عربيًا كبيرًا في زمن كانت فيه الحدود المصطنعة تمزق الجسد الواحد.
اقرأ أيضاً
عبد الناصر بعد 56 عامًا.. الحاضر الغائب في أزمات المنطقةفي الذكرى 56 لرحيله.. عبد الحكيم عبد الناصر يستقبل شخصيات عامة ومواطنين في ضريح الزعيم «صور»
جمال عبد الناصر.. حكاية زعيم واجه قوى الاستعمار وخاض معركة الاستقلال الوطني
















0 تعليق