أحمد رأفت يكتب: “الكهرباء” تغلق باب التعليقات.. الوزارة تتحدث والمواطن ممنوع من الرد - تواصل نيوز

اخبار جوجل 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
أحمد رأفت يكتب: “الكهرباء” تغلق باب التعليقات.. الوزارة تتحدث والمواطن ممنوع من الرد - تواصل نيوز, اليوم الأحد 20 سبتمبر 2026 03:47 مساءً

في الوقت الذي تحولت فيه صفحات الوزارات والجهات الحكومية على مواقع التواصل الاجتماعي إلى واحدة من أهم نوافذ التواصل المباشر بين الدولة والمواطن، تبدو صفحة وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة مختلفة في نقطة شديدة الدلالة تتعلق بإتاحة التعليق للجمهور. 

فبينما تسمح صفحات رسمية لجهات حكومية، من بينها رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء ووزارات الإسكان والتعليم العالي والتربية والتعليم والنقل والبترول، بتعليقات المستخدمين على منشوراتها، تأتي صفحة وزارة الكهرباء بسياسة أكثر انغلاقًا أمام تعليقات الجمهور.

المسألة هنا ليست مجرد "زر" يتم تشغيله أو إغلاقه على صفحة فيسبوك، وليست أيضًا مطالبة بأن تتحول الصفحات الرسمية إلى ساحات للفوضى أو نشر الاتهامات دون ضوابط، فالقضية أبعد من ذلك؛ لأنها تتعلق بصورة العلاقة بين مؤسسة حكومية وملايين المواطنين الذين يتعاملون معها يوميًا، ويدفعون فواتيرها، ويقدمون الشكاوى إليها، ويتابعون قراراتها، ويتأثرون مباشرة بما يصدر عنها من أسعار وتعريفات وإجراءات.

307.jpg

صفحة الوزارة ليست لوحة إعلانات

لسنوات طويلة كان الإعلام الحكومي التقليدي يعمل في اتجاه واحد، الوزارة تصدر البيان، والصحيفة تنشره، والتليفزيون يذيعه، والمواطن يتلقى، لكن هذا النموذج انتهى عمليًا مع انتشار منصات التواصل الاجتماعي، ولم تعد الصفحة الرسمية مجرد لوحة إعلانات إلكترونية تنشر عليها الوزارة أخبار الوزير والاجتماعات والقرارات، وإنما أصبحت في نظر الجمهور نافذة تواصل ومساءلة.

وحين تنشر وزارة الكهرباء قرارًا يتعلق بالأسعار أو العدادات أو الفواتير أو تركيب العدادات الكودية أو إجراءات التوصيل، فإن المواطن لا يدخل الصفحة فقط ليقرأ الخبر، وإنما يدخل وفي ذهنه تجربة شخصية قد تكون فاتورة مرتفعة، أو طلبًا متأخرًا، أو شكوى من قراءة عداد، أو استفسارًا عن نظام محاسبة، أو اعتراضًا على إجراء.

إغلاق التعليقات لا يلغي هذه الأسئلة، وإنما ينقلها إلى أماكن أخرى، وقد يمنع الوزارة من رؤية النقاش تحت منشورها الرسمي، لكنه لا يمنع المواطن من الحديث عن القرار في مجموعات فيسبوك أو الصفحات الشخصية أو المواقع الإخبارية أو المنصات الأخرى.

وهنا تصبح المفارقة واضحة: إغلاق نافذة التعليق لا يعني إغلاق باب الانتقاد، وإنما يعني فقط أن الانتقاد لن يحدث داخل الصفحة التي تملك الوزارة إدارتها.

308.jpg

الكهرباء أكثر الملفات احتكاكًا بالمواطن

قد يكون من المفهوم أن تغلق جهة حكومية التعليقات في منشور استثنائي يتعرض لهجوم إلكتروني منظم أو يتضمن موضوعًا حساسًا يحتاج إلى إدارة خاصة للتفاعل، لكن الأمر يصبح أكثر حساسية عندما يتعلق بوزارة تقدم خدمة يومية لملايين المواطنين.

الكهرباء ليست ملفًا بعيدًا عن حياة الناس، فاتورة الكهرباء تصل إلى المنزل، والعداد موجود في كل بيت، والانقطاع أو ضعف الخدمة ينعكس على الحياة اليومية، وأسعار الشرائح تمس ميزانية الأسرة، والعدادات الكودية ترتبط بعقارات وملفات تصالح، وأخطاء القراءات تتحول إلى مبالغ مالية محل نزاع، ولذلك فإن صفحة وزارة الكهرباء تحديدًا تحتاج إلى أن تكون أكثر قدرة على استقبال الاستفسارات والشكاوى، لا أقل قدرة، فالوزارة التي تطلب من المواطن الالتزام بسداد الفاتورة، وتشرح له شرائح الاستهلاك، وتطالبه بتقديم القراءة أو تسجيل البيانات، وتعلن قنوات لتلقي الشكاوى، يفترض أن تكون منصتها الرسمية قادرة أيضًا على الاستماع إلى المواطن عندما يتحدث عن تجربته مع الخدمة.

309.jpg

المقارنة مع صفحات حكومية أخرى تكشف الفارق

المثير في المسألة أن فتح التعليقات ليس أمرًا مستحيلًا بالنسبة للصفحات الحكومية المصرية، فصفحات رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء ووزارات الإسكان والتعليم العالي والتربية والتعليم والنقل والبترول تتيح للجمهور التعليق على منشوراتها، مع اختلاف طبيعة التفاعل وآليات الإدارة والحذف والإشراف من صفحة إلى أخرى.

وهذا يعني أن البديل ليس بالضرورة بين "فتح التعليقات بلا ضوابط" و"إغلاقها بالكامل"، فهناك مساحة واسعة بين الاثنين، يمكن وضع قواعد واضحة للتعليق، وحذف السب والقذف وخطاب الكراهية والمعلومات المضللة، وحظر الحسابات المخالفة، وتوجيه أصحاب الشكاوى إلى القنوات الرسمية، مع الإبقاء في الوقت نفسه على حق الجمهور في إبداء الرأي والاستفسار، بل إن إدارة التعليقات نفسها يمكن أن تتحول إلى مصدر معلومات للوزارة عن أكثر المشكلات تكرارًا.

المواطن لا يريد “لايك”.. يريد إجابة

المشكلة الأكبر في إغلاق التعليقات أن بعض المؤسسات الحكومية لا تزال تتعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي بمنطق العلاقات العامة القديمة، المهم أن تظهر المؤسسة بصورة جيدة، وأن تصل الرسالة الرسمية إلى الجمهور، وألا تظهر أسفل المنشور تعليقات غاضبة أو شكاوى أو انتقادات، لكن هذه ليست وظيفة التواصل الحكومي في عصر المنصات الرقمية، فالتواصل الحقيقي لا يعني أن تتحدث المؤسسة إلى المواطنين فقط، وإنما يعني أيضًا أن تسمعهم.

كما ان الوزارة ليست مطالبة بالرد على كل تعليق، ولا بإدارة نقاش لا ينتهي مع كل مستخدم، لكنها مطالبة بإتاحة قناة واضحة ومنضبطة تسمح بمعرفة ردود الفعل العامة، خصوصًا في القرارات التي تمس ملايين المواطنين، أما إخفاء التعليقات، فيعطي انطباعًا بأن المؤسسة تريد التحكم في الرسالة أكثر مما تريد إدارة الحوار حولها، وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: الصورة الرقمية للوزارة تصبح أكثر نظافة، لكن العلاقة مع الجمهور لا تصبح بالضرورة أكثر ثقة.

إغلاق التعليقات لا يحل أزمة الثقة

في الملفات التي تمس المواطن بصورة مباشرة، الثقة لا تبنى من خلال منع التعليقات، وإنما من خلال وضوح المعلومات وسرعة الرد وتصحيح الأخطاء والاعتراف بالمشكلة عندما تقع، وإذا كانت فاتورة المواطن صحيحة، فشرح طريقة احتسابها أكثر فائدة من إغلاق التعليقات، وإذا كانت القراءة خاطئة، فتصحيحها أكثر فائدة من حذف الشكوى، وإذا كان هناك قرار جديد بشأن العدادات الكودية، فشرح قواعده بالتفصيل أكثر فائدة من منع الأسئلة عنه، وإذا كانت الوزارة تتلقى بالفعل آلاف الشكاوى عبر قنواتها الرسمية، فإن إتاحة التعليقات لا تضيف بالضرورة عبئًا جديدًا بقدر ما تمنحها مساحة لرؤية ما يقوله الناس علنًا.

الأهم أن الشفافية لا تعني أن كل تعليق صحيح، كما أن النقد لا يعني أن كل شكوى لها وجاهة، لكن وجود تعليقات غاضبة أو حتى خاطئة لا يمثل في حد ذاته مبررًا لإغلاق باب التواصل كله، فوظيفة المؤسسة الرسمية هي أن تقدم المعلومة الصحيحة، وترد على الخطأ، وتترك للمواطن مساحة التعبير.

وزارة الكهرباء أمام اختبار بسيط

لا تحتاج المسألة إلى حملة كبرى ولا إلى مشروع جديد بمليارات الجنيهات، المطلوب ببساطة هو إعادة النظر في فلسفة إدارة الصفحة الرسمية، وفتح التعليقات وفق قواعد واضحة، تخصيص فريق لمتابعة الأسئلة المتكررة، تحويل الشكاوى المتشابهة إلى تقارير دورية، الرد على الاستفسارات التي تتعلق بقرارات الوزارة، وإعلان قنوات الشكاوى الرسمية بصورة واضحة؛ كلها أدوات يمكن أن تجعل الصفحة جزءًا من منظومة الخدمة بدلًا من أن تكون مجرد شاشة لعرض أخبار الوزارة.

فالمواطن الذي يجد منشورًا عن زيادة الأسعار أو تغيير قواعد العداد أو إجراءات الفاتورة، ثم يكتشف أن خانة التعليقات مغلقة، قد يقرأ القرار وينصرف، لكنه لن يتوقف عن الحديث عنه، فالوزارة تستطيع أن تختار مكان الحوار، لكنها لا تستطيع أن تلغي الحوار نفسه.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق