من «مدرس الكشكول» إلى بيزنس المشاهدات.. كيف تحولت منصات الإخوان بالخارج إلى «روشتات» جاهزة لإدارة كل أزمات مصر؟ - تواصل نيوز

صوت الامة 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
من «مدرس الكشكول» إلى بيزنس المشاهدات.. كيف تحولت منصات الإخوان بالخارج إلى «روشتات» جاهزة لإدارة كل أزمات مصر؟ - تواصل نيوز, اليوم الثلاثاء 29 سبتمبر 2026 02:42 مساءً

في عالم الهاربين بالخارج، تبدو بعض المنصات التي تستضيف أصواتًا محسوبة على جماعة الإخوان وكأنها تحولت إلى مدرسة جديدة في «التنظير السياسي»، لا تحتاج إلى دراسة متخصصة أو خبرة متراكمة بقدر ما تحتاج إلى ميكروفون مفتوح، وكاميرا جاهزة، وقدرة على الانتقال من ملف إلى آخر دون توقف طويل أمام حدود التخصص أو تعقيدات الواقع. وفي هذه المساحة، يظهر نموذج يمكن تسميته «مدرس الكشكول»؛ شخص يتحدث في الاقتصاد والسياسة والتعليم والصحة والعلاقات الدولية وإدارة الدولة، ويقدم لكل أزمة إجابة جاهزة، ولكل مشكلة وصفة سريعة، وكأن الملفات شديدة التعقيد ليست سوى صفحات متجاورة في دفتر واحد.

 

هذا النمط من الخطاب لا يتوقف كثيرًا عند سؤال التخصص، ولا يمنح الأرقام ومصادر المعلومات وآليات التنفيذ المساحة نفسها التي يمنحها للجمل الحاسمة والعناوين المثيرة. فالأزمة الاقتصادية لها حل واحد، وارتفاع الأسعار يمكن اختزاله في إجراء واحد، ومشكلات الاستثمار يمكن تجاوزها بقرار سريع، بينما تتحول إدارة الدولة بأكملها إلى مجموعة من العبارات التي تصلح للحلقات والمنشورات ومقاطع الفيديو القصيرة. وبذلك يصبح الظهور المتكرر وكثرة التعليق على الأحداث بديلًا عن التخصص، ويصبح امتلاك المنصة أهم من امتلاك الأدوات العلمية التي تسمح بتحليل الملف الذي يجري الحديث عنه.

 

«بتاع كله».. من الاقتصاد إلى إدارة الدولة

 

المشكلة الأساسية في هذا الخطاب ليست في ممارسة النقد السياسي أو تقديم بدائل للسياسات العامة؛ فالنقد جزء طبيعي من أي نقاش عام، والاختلاف في الرؤى أمر قائم في المجتمعات. لكن الفارق كبير بين نقد يستند إلى معلومات وبيانات وبدائل قابلة للنقاش، وبين تقديم إجابات قاطعة لكل الملفات دون شرح كافٍ للتكلفة أو آليات التنفيذ أو الآثار المترتبة عليها.

 

فعندما ينتقل المتحدث من أزمة اقتصادية إلى العلاقات الدولية، ثم إلى التعليم والصحة، وبعدها إلى إدارة مؤسسات الدولة، يصبح السؤال مشروعًا حول حدود المعرفة التي يستند إليها هذا الانتقال السريع بين تخصصات مختلفة. فالاقتصاد له أدواته ومؤشراته، والسياسة لها حساباتها، والعلاقات الدولية لها محدداتها، وإدارة المؤسسات والدول تحتاج إلى خبرات متراكمة وبيانات ودراسات، لا إلى جملة حماسية يمكن تكرارها أمام الكاميرا.

 

ومن هنا يبدو نموذج «مدرس الكشكول» أقرب إلى تقديم إجابة قبل قراءة السؤال كاملًا؛ فالمشكلة تُختصر أولًا، ثم يأتي الحل جاهزًا، وبعدها تُبحث التفاصيل إن وجدت. أما الأسئلة المتعلقة بالتمويل، والتكلفة، والبدائل، وتأثير القرار على الفئات المختلفة، ومدى إمكانية التنفيذ، فتتراجع إلى الصفوف الخلفية.

 

«روشتات» جاهزة لكل أزمة

 

تتجلى الظاهرة بصورة أكبر عندما تتحول الملفات الاقتصادية والاجتماعية إلى مادة يومية للمحتوى السياسي. فارتفاع الأسعار يتحول إلى عنوان، وأزمة الاستثمار إلى حلقة، ومشكلات الخدمات إلى مقطع، ثم تأتي وصفة جاهزة لإصلاح كل ذلك في دقائق معدودة.

 

لكن الأزمات الاقتصادية لا تُحل بالشعارات، والسياسات العامة لا تعمل بمعزل عن بعضها، وأي قرار اقتصادي له تكلفة وبدائل ونتائج مباشرة وغير مباشرة. خفض سعر سلعة، على سبيل المثال، ليس مجرد قرار إداري إذا كانت وراء السعر منظومة كاملة من الإنتاج والنقل والطاقة والتمويل والاستيراد وسلاسل الإمداد. وكذلك جذب الاستثمارات لا يتوقف عند إعلان سياسة جديدة، وإنما يرتبط بالتشريعات والبنية التحتية والتمويل وسوق العمل وثقة المستثمر واستقرار البيئة الاقتصادية.

 

ولهذا فإن تقديم «روشتة» واحدة لأزمة متعددة الأسباب قد يبدو جذابًا أمام الكاميرا، لكنه لا يجيب بالضرورة عن الأسئلة التي تهم المواطن عندما ينتقل الحديث من الكلام إلى التنفيذ: كم ستكلف الخطة؟ ومن سيمولها؟ وما البدائل؟ ومن سيتحمل آثارها؟ وما النتائج المتوقعة؟ وماذا يحدث إذا لم تحقق النتائج المعلنة؟

 

«بيزنس المشاهدات».. عندما تتحول الأزمات إلى محتوى

 

مع اتساع تأثير المنصات الرقمية، أصبحت الأزمة السياسية أو الاقتصادية مادة جاهزة لصناعة المحتوى. كل تطور يمكن أن يتحول إلى حلقة، وكل تصريح إلى عنوان، وكل أزمة إلى مساحة جديدة للتعليق. ومع تكرار هذا النمط، تتداخل أحيانًا حدود التحليل السياسي مع متطلبات صناعة المحتوى، خصوصًا عندما تصبح العبارات الأكثر حدة وحسمًا هي الأكثر قدرة على جذب المشاهد.

 

لكن كثرة الظهور لا تعني بالضرورة امتلاك الخبرة في كل الملفات، كما أن القدرة على تقديم خطاب مؤثر لا تعني أن كل معلومة واردة فيه صحيحة أو أن كل وصفة مقترحة قابلة للتنفيذ.

 

وهنا تبرز أهمية التمييز بين ثلاثة مستويات مختلفة: المعلومة التي يمكن التحقق منها، والرأي الذي يعبر عن وجهة نظر صاحبه، والتحليل الذي يفترض أن يستند إلى بيانات وسياق ومعرفة بالموضوع. الخلط بين هذه المستويات يجعل المشاهد أمام خطاب يبدو متماسكًا في الشكل، بينما يحتاج في مضمونه إلى تدقيق أكبر.

 

من النقد المشروع إلى «حلول» بلا حساب

 

النقد السياسي حق في أي مجتمع، لكن النقد الجاد لا يكتفي بالإشارة إلى المشكلة، وإنما يحاول تفسير أسبابها وطرح بدائل قابلة للنقاش. ومن ينتقد سياسة اقتصادية يمكن أن يقدم بديلًا واضحًا، ومن يتحدث عن إصلاح التعليم يستطيع أن يشرح مصادر التمويل وأولويات التنفيذ، ومن يقدم تصورًا لإدارة الدولة يفترض أن يوضح كيف يمكن تحويل هذا التصور إلى سياسات ومؤسسات وبرامج.

 

أما اختزال كل ذلك في إجابات جاهزة، فيحوّل النقاش العام إلى ما يشبه حصة مدرسية لها إجابة نموذجية واحدة، حتى لو كانت القضية أكثر تعقيدًا من أن تختصر في جملة أو مقطع فيديو.

 

وتزداد المشكلة عندما يتحدث صاحب المنصة في كل الملفات بالثقة نفسها، دون أن يوضح للمشاهد أين تنتهي المعلومات وأين يبدأ الرأي الشخصي. فالثقة في تقديم المعلومة ليست دليلًا بذاتها على صحتها، والقدرة على الإقناع لا تغني عن البيانات، كما أن ارتفاع معدلات المشاهدة لا يمنح صاحبه تلقائيًا صفة الخبير في الاقتصاد أو السياسة أو الإدارة.

 

الهروب من الواقع لا يصنع خبرة في إدارة الدول

 

وتتحول المفارقة إلى نقطة أكثر وضوحًا عندما يقدم بعض المتحدثين المقيمين خارج مصر أنفسهم باعتبارهم أصحاب رؤى شاملة لإدارة الدولة، بينما تظل أفكارهم في كثير من الأحيان مرتبطة بالخطاب الإعلامي أكثر من ارتباطها بتصورات تنفيذية مفصلة.

 

فالحديث عن إدارة دولة يختلف جذريًا عن الحديث من خارجها؛ لأن إدارة المؤسسات ترتبط بميزانيات وتشريعات وأجهزة تنفيذية وملايين المواطنين ومصالح متعارضة وموارد محدودة، وكل قرار له انعكاسات على قطاعات أخرى. ولذلك فإن الدولة لا تُدار بمنطق «الحل السحري»، وإنما عبر مؤسسات وخبرات متخصصة ودراسات وبيانات وآليات متابعة وتقييم.

 

وفي المقابل، فإن وجود الشخص خارج البلاد لا يجعل رأيه باطلًا تلقائيًا، كما أن وجوده داخلها لا يجعل رأيه صحيحًا تلقائيًا؛ المعيار الأهم هو ما يقدمه من معلومات، وما يستند إليه من مصادر، ومدى قابلية مقترحاته للاختبار والتنفيذ.

 

المنصات الإخوانية بين الخطاب السياسي والمعلومات الموثقة

 

وفي الحالة المصرية، تتهم السلطات جماعة الإخوان وأذرعًا مرتبطة بها بالاعتماد على خطاب إعلامي يستهدف التأثير على الرأي العام ونشر معلومات تعتبرها الدولة مضللة، بينما تقدم هذه المنصات نفسها باعتبارها مساحة للمعارضة والنقد. وقد وثقت هيئة الاستعلامات المصرية مواقف رسمية متكررة تتهم منصات مرتبطة بالإخوان بالترويج لما تصفه بالشائعات والمعلومات المضللة، وهي مواقف ينبغي نسبها إلى الجهة التي أصدرتها وعدم تقديمها باعتبارها تقييمًا مستقلًا.

 

وفي يناير 2026، رحبت مصر بإعلان أمريكي يتعلق بتصنيف جماعة الإخوان في مصر ككيان «إرهابي عالمي محدد بشكل خاص»، وفق بيان نشرته الهيئة العامة للاستعلامات نقلًا عن الموقف الرسمي المصري.

 

لكن بعيدًا عن التصنيفات والمواقف السياسية، تظل القاعدة الأهم أمام المتلقي بسيطة: لا ينبغي التعامل مع أي خطاب سياسي باعتباره حقيقة لمجرد تكراره، ولا رفضه لمجرد صدوره عن خصم سياسي. المعلومة تحتاج إلى مصدر، والرقم يحتاج إلى سياق، والتحليل يحتاج إلى دليل، والبديل السياسي يحتاج إلى تصور واضح للتنفيذ.

 

«الميكروفون» ليس شهادة تخصص

 

في النهاية، لا تحتاج الدولة إلى «مدرس كشكول» يتحدث في كل شيء، بقدر ما تحتاج إلى مؤسسات تعمل وفق قواعد واضحة، وخبراء متخصصين، ونقاش عام يسمح بالاختلاف ويضع الأفكار أمام الاختبار.

 

فالاقتصاد علم له أدواته، والسياسة لها قواعدها، والتعليم والصحة لهما متخصصوهما، وإدارة الدولة منظومة شديدة التعقيد لا يمكن اختزالها في مقطع قصير أو شعار حماسي. أما الميكروفون والكاميرا، فهما وسيلتان لإيصال الأفكار، وليسا شهادة اعتماد تمنح صاحبها خبرة تلقائية في كل المجالات.

 

وبينما يستمر المحتوى السياسي في البحث عن المشاهدة والتفاعل، تظل مسؤولية المتلقي في التحقق من المعلومات وفصل الرأي عن الحقيقة، ومسؤولية صاحب الخطاب في تقديم ما يستطيع الدفاع عنه بالبيانات والمصادر، هي خط الدفاع الأول أمام «مدرس الكشكول» الذي يقدم نفسه أحيانًا باعتباره خبيرًا في كل شيء.

 

وفي النهاية، فإن إدارة الدول لا تتم بمنطق «بتاع كله»، ولا تُبنى على إجابات محفوظة تصلح لكل الأسئلة، وإنما تحتاج إلى تخصص ومؤسسات وبيانات وحساب دقيق للتكلفة والنتائج، أما تحويل كل أزمة إلى حلقة، وكل مشكلة إلى «روشتة»، وكل اختلاف إلى معركة على الشاشة، فقد يصنع محتوى كثيرًا، لكنه لا يختصر تعقيدات الواقع ولا يغني عن المعرفة المتخصصة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق