التغيير يكون بالفكر (الحلقة الثالثة) - تواصل نيوز

اخبار جوجل 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
التغيير يكون بالفكر (الحلقة الثالثة) - تواصل نيوز, اليوم الأربعاء 30 سبتمبر 2026 12:59 مساءً

نعم التغيير دومًا ما يكون بالفكر، كما أن الأفكار تطير وتصل إلى أصحابها، وهو ما حدث لأوروبا، فقد امتد عصر النهوض بالعرب المسلمين قرونًا، إذ طالت النهضة العربية أنحاءً من المعمورة كانت غارقة في الجهل والظلمات، يوم طال شعاع نور نهضتهم أوروبا التي كانت تتسكع في طرقات الماضي السحيق، حين كانت عقولها حبيسة جدران الأديرة والكنائس.. 

 

الأمر الذي استفز أمة الغرب الأوروبي حين تاقت للخلاص، بعدما سئمت في قرونها الوسطى الاعتماد على بالي الثقافة اليونانية، تلك التي لم تعد تلبي حاجة العصر، بعد أن قررتها الكنيسة منهجًا للتفكير، واعتبرتها مطلق الحقائق، إذ لا تقبل النقد أو الشك وفق ما ترى الكنيسة في العصور الوسطى..

 

فخضع العقل الأوروبي لسلطتين كبيرتين: روحية وفلسفية خشبية "السلطة الدينية الكهنوتية، والسلطة الفلسفية القديمة العتيقة"، بعد أن أغلقت الكنيسة أبواب البحث، وحرمت النظر العقلي في الوصول للمعرفة، وهنا ثار الناس في وجه الكنيسة وتعاليمها، وانبرت النخبة الحقيقية منادية بالإصلاح الديني، والأخذ بوسائل التقدم العلمي.

 

من هنا حاول رجال النخبة في عصر النهضة التخلص من سلطة أرسطو، وسلطة الكنيسة في آن واحد، وبدأ الجسم الأوروبي ينتفض، ولبى عقل الجسم وهم النخبة النداء، فكان أن أتى الخلاص الممنهج عبر محطات تاريخية متتالية: 
فظهر في القرن الخامس عشر جيروم هوس الذي أُعدم حرقًا بالنار، لكن بحرقه أضاء شمعة في الطريق.
 

وأطل القرن السادس عشر وظهر في إنجلترا توماس مور (1478 ـ 1535م ) وخرج أرزمس الهولندى (1466 - 1536م ) أبو النهضة الأوروبية.. وتواصل كفاح النخبة الحقيقية الباعثة للأمل في نفوس الشعوب الأوروبية، وفي نفس القرن السادس عشر فأتى مارتن لوثر (1483- 1546م ) في ألمانيا موطن العقل الكبير، وبدت أوروبا تحرر العقل من كهف الكهنوت الديني، وعلى وقع خطى تلك النخبة، أتى الإصلاح الفكرى ليسقط قداسة الحاكم بغية التحرر.

 

وأتى فرنسيس بيكون (1561 ـ 1626م) من إنجلترا ليضع للعقل وسيلة في خط المستقبل. وبزغ نجم رينيه ديكارت (1596 ـ 1650م) في فرنسا، ومن ثم أثمرت البذور التي وضعتها تلك النخبة الحقيقية في القرن السابع عشر عن بشائر تحرير أوروبا من الكنيسة والإقطاع وملوك الاستبداد.. وذلك بقيام الثورة الإنجليزية (1688م) وامتد الشعاع الفكري لتلك الثورة عبر الزمان، ليصل إلى الوجود الاستعماري البريطاني على القارة الوليدة -أمريكا- فكانت الثورة الأمريكية (1782م) في الوقت الذي كانت فيه فرنسا قد وصلت إلى نهاية الشوط الذي بعده التحرر.. 

فقد قامت نخبتها منذ أمدٍ بوضع البذور داخل الأمة الفرنسية، بغية الانعتاق من الاستبداد والقهر، فكان أن تصدر على رأس نخبتها فولتير (1694 ـ 1778م) يوم قال "لا يبقى قديم لقدمه.. بل يجب أن يُمحى كل نظام لا يبرر العقل وجوده"، ونسج على منواله جان جاك روسو (1712 ـ 1778م ) فكان أن قامت فى نهاية الشوط الثورة الفرنسية (1792م) على خطى النخبة وعلى رأسها فولتير وروسو.

 

وهكذا هو فعل النخبة الحقيقية في الأمم، حين تضع الفكرة في صيغة عصرية، فيها التشبث بالجديد الذي ينبغي التحول إليه، من دون قطع الوصل مع ما هو صالح من القديم، فقامت أوروبا ونهضت من سباتها، حتى صارت واقعًا قويًا يفرض رؤيته على العالم، ومن جملته الأمة الجريحة ـأمتنا العربية ـ..

لذا علينا أن نجعل من هذا الواقع عاملًا مستفزًا لنهوضنا، وعلى الأمة أن تُسرع في إعداد وتقديم النخبة الحقيقية.. النخبة التي تحترم ماضيها التليد ولا تهزأ به.. النخبة التي تحترم الشعوب وتعتبر إرادتها هي إرادة الحق.. النخبة التي تقف على الخطوات الأولى لما وصل إليه الغرب الأوروبي من تقدم، وتأخذ بتجاربه من دون التفريط في ثوابتها وتراثها.. 

النخبة التي تنشد أمل الخلاص.. لا أن تنشر الذعر والهلع في صفوف المحاولين للخلاص، وتبث فيهم اليأس لتقعدهم عن المحاولة.. النخبة التي تعد الحلم بالنهوض خطوة، يمكنها التحقق على الأرض.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق