نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
أوهام «حسم» الإخوانية بين الواقع والضجيج الرقمي - تواصل نيوز, اليوم الأحد 20 سبتمبر 2026 07:08 مساءً
التباين الصارخ بين الضجيج وواقع الشارع هو جوهر الأزمة التي تعيشها كيانات إرهابية، مثل «حسم» الإخوانية وقناعها السياسي «ميدان». وهذا يفرض سؤالًا لا بد منه: هل يستطيع فصيل إخواني مسلح، أن يبني جسورًا مع مكونات المجتمع المصري؟ وهل يملك أصلاً القدرة على إقناع ضحاياه من المصريين بأن مشروعًا من مشروعاته الهلامية يمثل مستقبلًا يستحق المخاطرة؟
بينما كان المطاريد يجلسون في قاعة مغلقة بإحدى الدول الأوروبية يرفعون شعارات جوفاء عن المشترك الوطني والرؤية المستقبلية، ويتوهمون أنهم يعيدون رسم خريطة مصر من بعيد، كان الشارع المصري—على الجانب الآخر من المتوسط—يمضي في يومه العادي: زحام المواصلات، والمواطن يعمل على قدم وساق في مواقع العمل والإنتاج، ومسيرة التنمية تمضي في طريقها لا يوقفها ضجيج رقمي ولا حملات تضليل.
المجتمع المصري ليس كتلة صماء يمكن تحريكها بخطاب واحد أو وثيقة سياسية واحدة، وإنما هو نسيج متكامل مترابط من أقباط ومسلمين، قبائل وتكتلات عائلية، طرق صوفية وأحزاب. وكل مكون من هذه المكونات يحمل في عقله وقلبه ذاكرة خاصة لجرائم إرهاب كانت تتبناها «حسم» وكيانات إخوانية.
أن يأتي فصيل مرتبط تاريخيًّا بهذا الخطاب، ومصنف على قوائم الإرهاب بسبب عمليات استهدفت ضباطًا ومؤسسات، ليطلب منهم المشاركة في «إسقاط مؤسسات الدولة»، فهو يطلب منهم نسيان جراح لم تندمل بعد.الثقة هنا ليست غائبة فقط، وإنما مكسورة بشكل يصعب ترميمه ببيانات أو مؤتمرات.
الشعارات الجوفاء والمشروعات الهلامية لن تغسل سمعة قيادات حركة «حسم» وتجعل المواطن ينظر إلى الإرهابي التكفيري يحيى موسى فيراه على غير الحقيقة سياسيًّا مصلحًا، أو ينظر إلى منشورات «ميدان» فيصدق أن الإرهابيين التكفيريين رضا فهمي ومحمد منتصر ومحمد إلهامي أعضاء مكتب سياسي يحملون الخير للوطن والمواطن.
مؤسسات الدولة تنظر إلى «حسم» الإرهابية كعدو وجودي، فالضربات الأمنية المتتالية، والتصنيفات الدولية، والعمليات التي استهدفت رجال الأمن والقضاة، رسخت قناعة داخل هذه المؤسسات بأن التعامل مع مثل هذه الجماعات ليس تفاوضًا سياسيًّا، وإنما مواجهة أمنية. وأن يطلب أحدهم من ضابط أو قاضٍ أو جندي أن يبرم اتفاقًا مع من يعتبره تهديدًا مباشرًا لوجوده، فهذا أقرب إلى الخيال منه إلى السياسة الواقعية.
قبائل مصر لها حساباتها الخاصة، والتجارب السابقة مع الجماعات المسلحة في سيناء أظهرت أن كثيرًا من هذه القبائل اختارت الوقوف في خندق الدولة ضد الإرهاب، لأنها رأت في الفوضى خطرًا أكبر. «حسم» و«ميدان» لا تقدمان لهؤلاء بديلًا اقتصاديًّا أو أمنيًّا واضحًا، وإنما تقدمان مشروعًا إخوانيًّا يحمل في طياته مخاطر العودة إلى دوامة العنف.
الطرق الصوفية والطبقات الوسطى والشرائح التي تبحث عن الاستقرار اليومي تنظر إلى الأمر بمنظار مختلف، فالصوفية التقليدية ارتبطت تاريخيًّا بالدولة، وترى في الفكر الإخواني المتشدد خصمًا عقائديًّا. كما أن التجارب العربية المحيطة علّمت المواطن المصري أن سقوط الأنظمة قد يعني سنوات من الاقتتال والانهيار والفوضى.
يبقى السؤال عن مداعبة الأحلام. نعم، تستطيع «ميدان» عبر منصاتها الرقمية أن تخاطب المواطن الغاضب، وتستطيع أن ترسم صورة وردية لأوهام وأحلام لن تقترب من أرض الواقع، لكن المداعبة شيء، والتصديق شيء آخر. المصريون ليسوا سذجًا إلى هذا الحد، فكثيرون يتذكرون جيدًا عام حكم الإخوان الوحيد وما سبقه من وعود كبيرة، لم تثمر إلا الاستقطاب الحاد والفشل في إدارة الملفات الأساسية. الذاكرة الجمعية هنا تعمل ضد الدعاية الجديدة، لا معها.
أضف إلى ذلك الانقسامات الداخلية العميقة داخل التنظيم الإخواني نفسه، فالجماعة اليوم ليست كيانًا موحدًا، فهناك صراعات متجددة على التمويل والمناصب والشرعية. «حسم» و«ميدان» تمثلان تيارًا صداميًّا محددًا، لا يملك تفويضًا واسعًا حتى من داخل الأوساط الإخوانية نفسها، فكيف لمن يعاني من هذا التفتت أن يقدم نفسه كبديل قادر على حكم دولة معقدة مثل مصر؟
التجارب التاريخية تؤكد هذه الحقيقة، فالكيانات التكفيرية الدموية المغلقة نادراً ما نجحت في بناء تحالفات وطنية حقيقية، وظلت هذه الجماعات أسيرة عزلتها، قادرة على الإزعاج أحيانًا، لكنها عاجزة عن تقديم مشروع يجمع لا يفرق.
حركة «حسم» وغيرها من الخلايا الإخوانية كيانات تأتمر بأمر من يدفع ويمول ويفتح الأحضان الدافئة، وقد فضحهم أحد المتحدثين في مؤتمر الأوهام عندما روى قصة سجنه ثم خروجه من مصر. قال عبد الرحمن طارق «موكا» جملة واحدة واضحة: «منظمة بريطانية ساعدته على مغادرة مصر، ورئيسة هذه المنظمة إسرائيلية يهودية».
قيادات حركة «حسم» لا تدرك أن بناء دولة يتطلب تصالحًا مع مجتمع متنوع، وقبولًا بقواعد اللعبة الديمقراطية الحقيقية، ونبذًا صريحًا للعنف. فالأوطان لا تُبنى بجماعات لم تتعلم بعد كيف تتصالح مع مجتمعها قبل أن تطالب بإدارته. هذا ليس دفاعًا عن واقع بعينه، بقدر ما هو قراءة واقعية لميزان القوى والثقة داخل مجتمع أنهكته التجارب، ولم يعد يحتمل المزيد من المغامرات.
السياسة ليست خطبًا ولا وثائق، وإنما هي فن الممكن. وحتى الآن، يبدو أن الممكن بعيد جدًّا عن أحلام المطاريد.
















0 تعليق