نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
البندقية 83 - ”أشياء الآخرين“: حياة من خلال كذبة - تواصل نيوز, اليوم الأحد 20 سبتمبر 2026 07:09 مساءً
بعنوان لمّاح ومغاير، يأتي "أشياء الآخرين" للبولندي غريغور ديبوفسكي، المعروض في مسابقة "أوريزونتي" ضمن مهرجان البندقية السينمائي الأخير (2 - 12 أيلول)، بحكاية يصعب تصديقها في البداية. لكن كلّما تقدّم الفيلم، نكتشف أن الحكاية ليست سوى قشرة لحكاية أخرى، وأن ما يبدو لوهلة قصّة مستبعدة الحدوث ليس إلا استعارة لقول شيء أبعد وأعمق عن الوحدة، وعن المسافة التي يمكن أن تفصل البشر بعضهم عن بعض.
بحسب المخرج، نحن أمام "دراما جريمة" محورها الوحدة، تتحوّل فيها الشخصية الرئيسية إلى "محقّقة" انطلاقاً من كذبة، فتبدأ بالتحقيق ليس في جريمة، وإنما في حياة رجل ميت. لا يولد اللغز من السؤال الاعتيادي "مَن ارتكب الجريمة؟"، بل يصبح أكثر التباساً: "كيف عاش هذا الرجل؟ ومَن كان؟". من خلال هذا التحوير الذكي لقواعد فيلم الجريمة، يبني ديبوفسكي حكاية عن مدى التباعد الذي يمكن أن نصل إليه، نحن البشر، بعضنا عن بعض. تباعد قد يبلغ حداً لا يعود معه الآخرون قادرين على رؤيتنا كبشر إلا من خلال كذبة، أو من خلال تظاهرنا بأننا شخص آخر، شخص لسنا إياه.
منذ الكادر الأول، ندخل في يوميات كاسيا (مونيكا سابينا كفياتكوفسكا)، سيدة أربعينية تشتغل عاملة نظافة، ولا نكاد نعرف عنها شيئاً. تبدو شاحبة، مقتصدة في الكلام، تعيش على هامش الحياة. طبيعة عملها تتيح لها "اقتحام" المنازل بصمت، رفقة صاحبها، وسرقة بعض مقتنيات أصحابها، وإن كانت المسألة ستنتقل في لحظة ما من الأشياء المادية إلى "الأشياء" بمعناها الروحي، وسنكتشف تباعاً كيف يحدث ذلك الانتقال.
عاملة نظافة تصبح ”مرئية“ في مجتمع ينبذها
ضمن هذا الانشغال اليومي الذي يتحول إلى روتين وتكرار، تدخل كاسيا أحد المنازل، فتكتشف أن قاطنه، وهو رجل لن نراه أبداً رغم أنه سيصبح الشخصية المحورية، قد مات. في الحادثة فرصة من ذهب للتسلل إلى بيته وحياته وأشيائه، بل، والأهم، للتظاهر بأنها كانت صديقته، علّها تستفيد شيئاً من هذا الادعاء.
بدلاً من أن يحكي الفيلم قصّة هذه السيدة التي ينطلق منها، وعوض أن يكتفي، كما تفعل أفلام بولندية كثيرة، بمسح شامل للبيوت من خلال أبوابها وما تخفيه من عزلة الإنسان البولندي، نراه يغيّر مساره نحو الرجل الغامض الذي رحل من دون أن يترك وراءه قضية واضحة أو تفسيراً شافياً. صحيح أن كاسيا ستجد، وسط عطشها إلى أن تصبح مرئية في مجتمع لا يرى فيها سوى نشّالة، ما هو أبعد من المنفعة: موقعاً من القوة والنفوذ يتيح لها أن تفرض حضورها. المفارقة أن الناس لن يبدأوا بـ"رؤيتها" فعلاً إلا بعد أن تتظاهر بأنها كانت قريبة من المرحوم. الموت سيبعث فيها الحياة، والكذبة ستولد سلسلة من الحقائق.
ملصق الفيلم
"أشياء الآخرين" فيلم عن الفضول، وإن كان يخيبنا قليلاً في هذا الجانب. كان يمكن المخرج أن يذهب أبعد في تشبيك العلاقات، وفي توسيع دوائر اللقاءات والاحتكاكات التي تنشأ حول الرجل الغائب. فكاسيا، التي لا تثير فينا، في البداية، أي فضول لمعرفة المزيد عنها، من فرط عاديتها وافتقارها إلى أي ملامح استثنائية، تصبح فجأةً شخصية فضولية تجاه حياة رجل لا تعرفه. ربما لأنها تمارس نوعاً من الإسقاط على حياته، أو لأن اكتشافها له يضعها أمام حقيقة أخرى كان يمكن الفيلم أن يستثمرها أكثر: لا المال الذي تدخل البيوت من أجله، ولا البيت الذي تحتاج إليه باعتباره سقفاً فوق رأسها (تُطرَد من منزلها في بداية الفيلم)، استطاعا إنقاذ حياة رجل لم يحصل، في نهاية المطاف، على السعادة.
في المجمل، لا تتوقّعوا أجوبة تشفي الغليل. فالفيلم، مرة أخرى، شديد "البولندية" في هذا المجال، يكتفي بإلقاء أنصاف أفكار في وجهنا، ربما لأنه لا يملك هو نفسه أجوبة. وسيظل، حتى النهاية، يترجّح بين كونه "فيلماً عنها" و"فيلماً عنه"، من دون رغبة حقيقية في جمع المصيرين داخل سردية واحدة. وأي تقارب أو تشابه بين مساريهما يبقى، إلى حد بعيد، وليد المصادفة أكثر منه نتيجة درامية مقصودة.
مع ذلك، هناك خطاب أوسع عن العائلة، عن تفتّتها وانكسارها، وعن إمكان إعادة جمعها في ضوء المآسي والمسافات والخيبات. فالفيلم يلمّح إلى مفارقة مؤلمة: كم هو ضئيل، أحياناً، ما نحتاج إليه كي نعود، بعضنا إلى بعض، ولو للحظة واحدة. وكم يمكن أن يكون هذا القليل فظيعاً.













0 تعليق