نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
حاخامان في روايتين متناقضتين لـ"النهار"… إسرائيل تحمي اليهود أم تهدّدهم؟ - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 2 أكتوبر 2026 06:21 صباحاً
بعد نحو ثلاثة أعوام على هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر والحرب التي أعقبته في غزة، يتجدد النقاش داخل الأوساط اليهودية حيال قدرة إسرائيل على توفير الأمن لليهود داخل حدودها وخارجها. فبينما عزز الهجوم، في نظر البعض، الحاجة إلى القوة العسكرية، أثار تساؤلات لدى آخرين عمّا إذا كانت السياسات الإسرائيلية قد جعلت يهود العالم أكثر عرضة للمخاطر.
في حوارين أجرتهما "النهار"، يقدّم الحاخام الأميركي المولود في بيروت إيلي عبادي، الحاخام الأول في المجلس اليهودي للإمارات، والحاخام الأميركي أندرو (آندي) كاهن، المدير التنفيذي للمجلس الأميركي لليهودية المناهض للصهيونية، رؤيتين مختلفتين للأمن وعلاقة اليهود بإسرائيل.
يرى عبادي أن الهجوم دفع الإسرائيليين نحو اليمين السياسي، وأن الجيش استعاد ثقتهم رغم إخفاقه في 7 تشرين الأول. في المقابل، يحذر كاهن من أن الخلط بين اليهود وإسرائيل يغذي معاداة السامية، ويدعو إلى مفهوم أوسع للأمن لا يقتصر على حماية اليهود وحدهم. وبين الموقفين، يبرز خلاف حيال دور القوة العسكرية وحدود قدرتها على تحقيق الأمن.
الأمن بمنطق القوة
يقول عبادي إن التحول الأوضح داخل إسرائيل كان سياسياً. فبعد أكثر من 30 عاماً على اتفاق أوسلو "تراجعت الثقة بإمكان قيام دولتين"، لأن الإسرائيليين قرأوا هجوم 7 تشرين الأول باعتباره دليلاً على أن الرهان على التعايش "لم يكن واقعياً". لكنه يقر بأن الجيش الإسرائيلي أخفق في الساعات الأولى للهجوم، قبل أن يستعيد ثقة قطاعات واسعة من الإسرائيليين عبر عملياته اللاحقة ضد "حماس" و"حزب الله" والحوثيين وإيران.
ومع دفاعه عن الخيار العسكري، لا يقدمه عبادي حلاً مثالياً. يقول: "أفضل ضمان للأمن هو سلام سياسي بين دولتين وشعبين، وهو أفضل من أي جيش"، لكنه يضيف أن الإسرائيليين يشعرون اليوم بأنه "ليس لديهم خيار سوى الجيش" لحماية دولتهم وعائلاتهم.
في تفسيره للحرب على غزة، يتبنى عبادي الرواية الإسرائيلية: "الهدف كان استعادة الرهائن ومنع تكرار الهجوم، والجيش حاول تحذير المدنيين قبل قصف مناطق بعينها"، بينما يحمّل "حماس" مسؤولية تعريضهم للخطر باستخدام منشآت مدنية. كما يرى أن إسرائيل خسرت كثيراً على الجبهة الديبلوماسية، لكنه يعزو جانباً كبيراً من العداء العالمي لها إلى "عودة معاداة السامية"، مستحضراً المثل: "ضربني وبكى، سبقني واشتكى".
كاهن يقلب هذه المعادلة. فهو يقول إن هجوم "حماس" لا يمكن فصله عن عقود من الاحتلال والحصار والتهجير، لكنه يشدد على أن هذا السياق "لا يبرر العنف الذي تعرض له المدنيون" في 7 تشرين الأول. وفي المقابل، يرى أن الهجوم لا يبرر ما يصفه بـ"الإبادة الجماعية في غزة"، وأن إسرائيل كانت تملك مسارات أخرى للرد.
وبحسب كاهن، لم تجعل الحرب الإسرائيليين أكثر أمناً، بل دفعتهم إلى جبهات متلاحقة، وعمّقت أزمات التجنيد والصحة النفسية، وحوّلت إسرائيل تدريجياً إلى دولة منبوذة. ويقول إن النتيجة كانت "كارثة على أمن اليهود في إسرائيل".
هوية منقسمة
لا يحصر كاهن الانقسام اليهودي في فجوة الأجيال، بل يراه سياسياً ودينياً وطبقياً. ويقول إن شبكة المؤسسات والمانحين اليهود في الولايات المتحدة أنفقت على مدى عقود لترسيخ إسرائيل والصهيونية في قلب التعليم والهوية اليهوديين. لكن الحرب أعادت فتح سؤال ظن هذا التيار أنه حسمه: هل الصهيونية جزء لازم من اليهودية؟
ويوضح: "الصهيونية مجرد مقاربة حديثة نسبياً لليهودية، وهي خيار وليست ضرورة". ويرى أن اليهود شعوب متعددة تجمعهم التوراة والتقاليد، لا قومية واحدة تحتاج بالضرورة إلى دولة. لذلك تعمل جماعات جديدة على "بناء حياة يهودية تقوم على العدالة والتضامن، بعيداً من القومية اليهودية".
ويصف كاهن المناخ داخل مؤسسات يهودية أميركية بعد 7 تشرين الأول بأنه "غرفة صدى أيديولوجية"، إذ اتُهم حاخامات دعاة وقف النار بمعاداة السامية، ورفعت معابد شعارات التأييد المطلق لإسرائيل، ما أشعر يهوداً كثيرين بالغربة داخل بيوتهم الروحية. ورغم بدء تراجع هذا الانغلاق، يظل دعم الصهيونية، في تقديره، هو القاعدة المؤسسية.
هنا يتباعد الرجلان جذرياً. عبادي يرى أن العالم أخفق في التمييز بين الضحية والمعتدي، وأن رفض إسرائيل امتداد لتاريخ طويل من اضطهاد اليهود. أما كاهن فيرى أن إصرار الدولة والمؤسسات المؤيدة لها على الحديث باسم جميع اليهود يدفع الآخرين إلى تحميل كل يهودي مسؤولية سياسات لا يملك قرارها. وهو يؤكد أن ذلك لا يبرر أي فعل معاد للسامية، لكنه يجعل اليهود في الشتات "أقل أمناً بكثير".
وقبيل الانتخابات الإسرائيلية، يظهر الخلاف في أوضح صوره. عبادي يقرأ الميل نحو اليمين بوصفه "استجابةً لخوف حقيقي وفقدان الثقة بالسلام"، بينما يرى كاهن أن اختزال الأزمة في نتنياهو وحكومته هو "تهرب من معالجة جذورها"، وأن استبدال الائتلاف "لن يصلح مشروعاً منتجاً للعنف منذ تأسيسه".
وبين حاخام يرى الجيش الإسرائيلي ضرورة فرضها انهيار الثقة، وآخر يرى القومية نفسها مصدراً للخطر، يبقى اتفاقهما الوحيد هو الأكثر دلالة: الحل العسكري لا يستطيع أن يصنع أمناً دائماً. لكن السؤال الذي تركه 7 تشرين الأول معلقاً هو ما إذا كان السلام لا يزال خياراً سياسياً قابلاً للبناء، أم مجرد شعار أخلاقي يتراجع كل يوم أمام منطق القوة.










0 تعليق