نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الحرب الحوثية على السعودية.. من اليمن إلى قلب الجزيرة العربية - تواصل نيوز, اليوم الأحد 20 سبتمبر 2026 09:35 مساءً
لم تعد المواجهة بين الحوثيين والسعودية مجرد جولة جديدة في الحرب اليمنية، ولا مجرد تبادل للصواريخ والطائرات المسيرة بين طرفين يعرف كل منهما قدرات الآخر.
ما يجري يحمل أبعادًا جيوسياسية تتجاوز حدود اليمن، خصوصًا مع انتقال الاستهداف إلى العمق السعودي، بالتزامن مع التطورات العسكرية في البحر الأحمر وباب المندب.
وهنا تكمن خطورة المشهد، فحين تصبح الرياض والمنشآت الحيوية السعودية ضمن دائرة الاستهداف، فإن الحرب تكون قد خرجت من نطاقها اليمني إلى مساحة إقليمية أكثر اتساعًا، وأصبح أمن الجزيرة العربية والممرات البحرية الدولية جزءًا من المعادلة.
باب المندب مفتاح الصراع
لفهم التطورات الحالية، لا بد من النظر إلى الخريطة قبل النظر إلى الصاروخ.
يحتل اليمن موقعًا استثنائيًا على البحر الأحمر، ويطل على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، وهو باب المندب الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي.
ولهذا، فإن السيطرة على الساحل الغربي اليمني أو امتلاك القدرة على تهديد الملاحة فيه لا يمثل قضية يمنية داخلية فقط، بل يمنح صاحبه ورقة ضغط تتجاوز حدود الدولة.
ومن هنا يمكن فهم أهمية التحركات الحوثية في المناطق الساحلية والمواقع القريبة من باب المندب.
فالمعركة ليست على الأرض وحدها، وإنما على خطوط الملاحة والطاقة والتجارة الدولية.
من حرب الاستنزاف إلى ضرب العمق
خلال السنوات الماضية، قامت المعادلة العسكرية على تفوق السعودية في القوة الجوية والتسليح، مقابل اعتماد الحوثيين على الصواريخ والطائرات المسيرة والحرب غير التقليدية، والاستفادة من الطبيعة الجغرافية الصعبة لليمن.
لكن هذه المعادلة تطورت تدريجيًا.
فالتهديد الحوثي لم يعد مرتبطًا بالحدود الجنوبية للمملكة فقط، وإنما أصبح قادرًا على الوصول إلى مسافات أبعد واستهداف منشآت ومواقع ذات أهمية استراتيجية.
وهذا التحول يحمل رسالة عسكرية وسياسية في الوقت نفسه.
فاستهداف العمق السعودي يعني محاولة نقل تكلفة الحرب إلى الداخل، وإجبار الرياض على التعامل مع التهديد باعتباره خطرًا مستمرًا، وليس أزمة عسكرية محصورة داخل الأراضي اليمنية.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي هو مدى قدرة الطرفين على الحفاظ على حدود معينة للصراع، قبل أن تتحول الضربات المتبادلة إلى حرب مفتوحة.
إيران في خلفية المشهد
لا يمكن قراءة القوة العسكرية للحوثيين بعيدًا عن علاقتهم بإيران، وما وفرته طهران من دعم وخبرة وتقنيات عسكرية خلال السنوات الماضية.
لكن اختزال الحركة الحوثية في كونها مجرد أداة إيرانية يظل قراءة غير مكتملة.
فالقيادة الحوثية لديها حساباتها الخاصة داخل اليمن، وتتحرك وفقًا لمصالحها السياسية والعسكرية، بينما تستفيد إيران من وجود قوة حليفة لها في موقع جغرافي بالغ الحساسية.
وهنا تظهر قيمة اليمن في الحسابات الإقليمية.
فإذا تعرضت إيران لضغوط في الخليج أو حول مضيق هرمز، فإن وجود قوة مسلحة قادرة على تهديد باب المندب والحدود السعودية يمنحها مجالًا إضافيًا للمناورة.
وبذلك تصبح الجغرافيا اليمنية جزءًا من معادلة أوسع تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر.
السعودية أمام اختبار مختلف
المشكلة بالنسبة للسعودية لا تتعلق بالصواريخ وحدها.
فالتحدي الأكبر يتمثل في حماية منشآت الطاقة والموانئ والمطارات والبنية التحتية، ومنع تحول اليمن إلى منصة دائمة لتهديد الأمن السعودي.
كما أن استمرار الهجمات يضع الرياض أمام معادلة شديدة الحساسية، فالرد العسكري الواسع قد يؤدي إلى تصعيد أكبر، بينما قد يمنح ضبط النفس الطرف الآخر فرصة لتوسيع نطاق الهجمات.
ولهذا، فإن السعودية تحتاج إلى التعامل مع الملف من أكثر من زاوية في وقت واحد:
الردع العسكري.
حماية المنشآت الحيوية.
تأمين الحدود.
التحرك الدبلوماسي.
منع اتساع نطاق الصراع إلى البحر الأحمر والممرات الدولية.
أين تقف الولايات المتحدة؟
يظل الدور الأمريكي عاملًا مهمًا في هذه المعادلة، لكن المشهد الإقليمي تغير بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة.
فواشنطن تبدو أكثر حذرًا تجاه الانخراط المباشر في حروب طويلة ومفتوحة في الشرق الأوسط، في الوقت الذي تتجه فيه دول إقليمية إلى بناء ترتيبات أمنية وعسكرية أكثر استقلالًا.
وهنا تبرز أهمية العلاقات السعودية مع تركيا وباكستان ودول الخليج، إلى جانب الدور المصري المرتبط بأمن البحر الأحمر وقناة السويس.
فأي اضطراب طويل في باب المندب لا يتوقف تأثيره عند السعودية أو اليمن، وإنما يمتد إلى حركة السفن والطاقة والتجارة العالمية.
مصر أمام معادلة البحر الأحمر
من الصعب فصل ما يحدث في باب المندب عن الأمن القومي المصري.
فالبحر الأحمر يمثل العمق الجنوبي لقناة السويس، وأي تهديد مستمر للملاحة في باب المندب ينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على حركة التجارة عبر القناة.
وهنا تلتقي الجغرافيا المصرية مع الجغرافيا السعودية واليمنية.
أمن البحر الأحمر ليس ملفًا منفصلًا لكل دولة، وإنما منظومة واحدة تتداخل فيها المصالح العربية والدولية.
ومن ثم، فإن استمرار التصعيد الحوثي السعودي سيضع أمن البحر الأحمر أمام اختبارات جديدة، خصوصًا إذا تزامن مع اضطرابات في مناطق أخرى من الإقليم.
من هرمز إلى باب المندب
يدخل الشرق الأوسط مرحلة مختلفة من الصراع.
ويمثل مضيق هرمز نقطة الاختناق الرئيسية في الخليج، بينما يمثل باب المندب البوابة الجنوبية للبحر الأحمر.
وبينهما تتقاطع مصالح الطاقة والتجارة والأمن الدولي.
ولهذا، فإن أي تصعيد في أحد الممرين يمكن أن تكون له انعكاسات على الممر الآخر، خصوصًا إذا اتسعت دائرة المواجهة الإقليمية.
وهنا تظهر أهمية الجغرافيا السياسية، التي لا تنظر إلى الأحداث باعتبارها وقائع منفصلة، وإنما تربط بينها من خلال الموقع والممرات والموارد وموازين القوة.
هل تبقى الحرب داخل اليمن؟
السؤال الأهم الآن ليس فقط كيف سترد السعودية، وإنما هل يستطيع الطرفان منع انتقال الحرب إلى مرحلة أكثر اتساعًا؟
فإذا استمرت الهجمات على العمق السعودي، بالتوازي مع استمرار التوتر في البحر الأحمر وباب المندب، فإن قواعد الاشتباك التي حكمت الصراع خلال السنوات الماضية ستكون أمام اختبار حقيقي.
وقد تصبح المنطقة أمام حرب متعددة المستويات:
صراع داخل اليمن.
تهديد للحدود السعودية.
ضغط على منشآت الطاقة.
توتر في البحر الأحمر.
تهديد للملاحة الدولية.
وهنا يصبح الحل العسكري وحده غير كافٍ، لأن جذور الأزمة ترتبط بتوازنات يمنية وإقليمية ودولية متشابكة.
إن أخطر ما في الحرب الحالية أنها لم تعد حربًا يمنية خالصة، ولم تعد المواجهة السعودية الحوثية مجرد صراع على الحدود.
إنها صراع على الجغرافيا والممرات البحرية وموازين القوة في جنوب الجزيرة العربية.
وفي الجغرافيا السياسية، لا يكون الخطر دائمًا في حجم الصاروخ الذي ينطلق، وإنما في الموقع الذي ينطلق منه، والهدف الذي يصل إليه، والخريطة التي يمكن أن تتغير إذا استمر التصعيد.
وهذا هو جوهر الخطر في الحرب الحوثية على السعودية: أن تبدأ من اليمن، لكنها قد تعيد تشكيل معادلات الأمن في الجزيرة العربية والبحر الأحمر بأكمله.
محمد سعد عبد اللطيف
كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية

















0 تعليق