نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
مملكة إسرائيل المزعومة والضفة الغربية - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 2 أكتوبر 2026 07:04 مساءً
تخوض منطقة الشرق الأوسط منذ تسعينيات القرن الماضي إعادة تشكيل جيو-سياسية متسارعة، انطلقت رسميًا بعد مؤتمر مدريد فاتحةً الباب أمام تنظير سياسي صريح يقوده الغرب وواشنطن تحت شعار الشرق الأوسط الجديد.
كان هذا المصطلح، الذي روّج له شيمون بيريز ودعمت أركانه الإدارات الأمريكية المتلاحقة، يمثّل الواجهة السياسية والدبلوماسية المعاصرة لفكريّة قديمة تُعرف بالحلم الصهيوني لـ «إسرائيل الكبرى» الممتدة وفق الموروث التاريخي من النيل إلى الفرات، إن تحويل المنطقة إلى كيانات هشة ترتبط بشبكة مصالح اقتصادية وأمنية مع الكيان الصهيوني لم يكن سوى التمهيد الجيوسياسي لتهيئة أرض الواقع لبعث المشروع القديم.
تُمثل الضفة الغربية، أو «يهودا والسامرة» وفق التسمية التلمودية، النواة الصلبة والقلب العقائدي الذي لا يمكن بدونها التفكير في قيام إسرائيل الكبرى، تتداخل في قيمتها أبعاد استراتيجية وجغرافية وسياسية وروحية حاسمة، جغرافيًا تُشكل الضفة العمود الفقري الجبلي المرتفع الذي يُشرف مباشرة على السهل الساحلي الضيق حيث يتركز أغلب السكان والبنية التحتية الاقتصادية، وسياسيًا تمنح السيطرة عليها عمقًا استراتيجيًا وحزامًا أمنيًا على طول نهر الأردن، مما يلغي تمامًا إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا وذات سيادة.
أما على مستوى المكونات والمدن التاريخية، فإن الضفة الغربية تُعد في الفكر العبري القديم مسرح التاريخ العهد-قديمي برمته، حيث احتضنت مدنا ومواقع ذات ثقل ديني وسياسي مفصلي شكلّت وجدان العقيدة اليهودية عبر القرون، وفي مقدمة هذه المدن تقف القدس باعتبارها عاصمة المملكة الموحدة المزعومة والموقع الذي يضم جبل المريا، المركز الروحي والسياسي الأعلى الذي تُعقد عليه كل تطلعات الملكية والكهنوت، وتليها الخليل التي تضم مغارة المكفيلة، حيث يُعتقد أنها مدفن الآباء إبراهيم وإسحاق ويعقوب وزوجاتهم، وكانت العاصمة الأولى التي مُسح فيها داوود ملكًا قبل إخضاع القدس.
وكذلك نابلس التي تمثل الموقع التاريخي الذي قطع فيه إبراهيم أول مذبح وفق الرواية التلمودية، وتضم جبل جرزيم وجبل عيبال حيث تليت البركات واللعنات أثناء دخول أرض كنعان، فضلاً عن قبر يوسف الذي يمثل رمزاً للسيادة على السامرة، ويتبع ذلك بيت لحم مسقط رأس الملك داوود ومكان مدفن راحيل، والممر الجنوبي المباشر للقدس، وبيت إيل شمال القدس، المكان الذي رأى فيه يعقوب السلم النازل من السماء وأقام فيه عمودا ومذبحا ليشكل المزار الروحي الأول للأنبياء، بالإضافة إلى شيلوه التي استقرت فيها خيمة الاجتماع وتابوت العهد لأكثر من ثلاثة قرون قبل نقل مركز العبادة إلى القدس، مما يجعل أرض الضفة بكاملها أصل الجغرافيا المقدسة العبرية.
يرتبط هذا الحلم التاريخي بمملكة سليمان، وهي التجربة الوحيدة المزعومة كدولة موحدة ومستقرة لسنوات في التاريخ القديم. يعود الاستقرار الذي نعم به الملك سليمان، بحسب التحليلات التاريخية للعهود القديمة، إلى المصاهرة السياسية الشهيرة مع فرعون مصر، حيث وفرت هذه المصاهرة والتحالف مع الإمبراطورية المصرية حماية استراتيجية حدودية أتاحت لمملكته الثبات والبناء، وهي المعادلة التي تحاول الصهيونية إعادة إنتاجها استراتيجيا بالسيطرة التامة على محيطها الإقليمي.
تحفل أسفار العهد القديم بنصوص تُستند إليها جغرافيا وسياسيا لتثبيت هذا الحق المزعوم، كما ورد في سفر التكوين "لِنَسْلِك أُعْطِي هَذِهِ الأَرْضَ، مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ، نَهْرِ الْفُرَاتِ"، وما جاء في سفر التثنية "كُلُّ مَكَانٍ تَطَأُهُ أَقْدَامُكُم يَكُونُ لَكُمْ: مِنَ الْبَرِّيَّةِ وَلُبْنَانَ، مِنْ النَّهْرِ - نَهْرِ الْفُرَاتِ - إِلَى الْبَحْرِ الْغَرْبِيِّ تَكُونُ تُخُومُكُمْ"، بالإضافة إلى تفصيل توزيع أراضي الضفة الغربية على الأسباط في سفر يشوع لإسقاط طابع لاهوتي غير قابل للتنازل عليها.
وفق الفكر الصهيوني الديني، لن تتحقق المملكة بشكل مكتمل إلا بتقديم أول ذبيحة في هيكل سليمان بعد إعادة بنائه، وعلى الرغم من أن العقيدة المسيحية تؤمن بأن الذبائح الحيوانية أُبطلت تماما وبصورة أبدية بصلب المسيح وموته وقيامته كذبيحة أخيرة وكاملة، إلا أن الفكر اليهودي يستمر في السعي لاستعادة طقوس الهيكل، لتطبيق هذه الطقوس، يُشترط وجود الكهنوت اليهودي المتمثل في سلالة هارون والمذبح والبقرة الحمراء للتطهير، ورغم اختفاء السجلات الدقيقة بعد تدمير الهيكل الثاني، قامت مؤسسات صهيونية دينية، كـ «معهد الهيكل»، بإعداد قائمة بالكهنة المفترضين عبر فحوصات الحمض النووي والنسب العائلي وتدريبهم على الطقوس والملابس الكاهنية.
تاريخيًا، بُني الهيكل الأول في القرن العاشر قبل الميلاد ودُمّر بالكامل على يد النبوخذ نصر البابلي عام 586 ق.م أثناء السبي البابلي، ثم أُعيد بناء الهيكل الثاني بعد العودة من السبي وتوسع في عهد هيرودس، حتى دُمّر تماماً على يد القائد الروماني تيتوس عام 70 م، ليتحقق كلام المسيح «لاَ يُتْرَكُ هُنَا حَجَرٌ عَلَى حَجَرٍ لاَ يُنْقَضُ».
تؤكد الشواهد والأبحاث الأثرية المستقلة والتاريخية عدم وجود أي دليل مادي أو أثري تحت الحرم القدسي الشريف يثبت وجود هيكل سليمان في هذا الموقع المحدد، ومع ذلك، تُباشر سلطات الاحتلال منذ عام 1967 حفريات واسعة النطاق أسفل الأقصى تشمل نفق الحشمونئيم والأنفاق الممتدة أسفل البلدة القديمة وسلوان، كما يعمل معهد الهيكل ومؤسسات صهيونية مدعومة حكوميا على تجهيز المخططات الهندسية لبناء الهيكل وتصنيع أدوات الطقوس، وقد أشار عالم الآثار الإسرائيلي إسرائيل فينكلشتاين في أبحاثه إلى غياب الأدلة الأثرية الملموسة لتلك الحقبة في القدس، مما تؤكد معه جميع الحقائق الأثرية أن استخدام الموقع هو قرار عقائدي وسياسي وليس نتيجة كشف أثري.
إن وجود الهيكل ليس مجرد رمز ديني، بل هو شرط وهدف أول وأخير في المشروع الصهيوني كونه يمثل مركز الحكم الشامل، الديني والسياسي والتشريعي، لإدارة الإمبراطورية المزعومة، فالإيمان اليهودي الأرثوذكسي ينتظر مجيء المسيح الملك الأرضي ليقيم مملكة داوود الكبرى ويجلس على عرشه، وهو ما يتطلب وجود المذبح وكرسي الحكم داخل هيكل سليمان المراد بناؤه.
يلتقي هذا الفكر اليهودي مع الصهيونية المسيحية المتفرعة من بعض التيارات البروتستانتية التدبيرية في الغرب، ولا سيما في الولايات المتحدة، والتي تعتقد بضرورة التعجيل ببناء الهيكل وتجميع اليهود في فلسطين كشرط مسبق للنزول الثاني للمسيح ليحكم العالم لمدة ألف عام أو ما يُعرف بالحكم الألفي.
يتم في هذا السياق تحريف النصوص اللاهوتية واستقطاعها من سياقها التاريخي والإنجيلي لخدمة أجندة سياسية تُوفر غطاءً مطلقا للتوسع الإسرائيلي ودعم سياسات الاستيطان، حيث يُنظر إلى هذا الدعم كواجب لاهوتي يُسرّع بنهاية العالم.
تُكشف الأحداث الجارية بعد التدمير الممنهج لقطاع غزة عن خطة استراتيجية أعمق تستهدف الضفة الغربية بالدرجة الأولى، فإذا كانت الخطة الأساسية تهدف إلى تهجير أهل غزة نحو سيناء، فإن الخطة البديلة والموازية تستهدف تهجير أهل الضفة الغربية إما نحو الأردن أو الدفع بهم مرحليا ونحوها باتجاه غزة المنكوبة لتفريغ الضفة تماماً للتوسع الاستيطاني والضم النهائي.
إن المخطط قائم ولم ولن يتوقف، لأنه ينطلق من عقيدة صهيونية مشتركة لا يمكن التنازل عنها أو تعديلها بالحلول الدبلوماسية التقليدية.
أمام هذا الخطر العقائدي والتوسعي، يتضح أن التعويل على التحالفات الخارجية أو القوى الدولية هي نظرية قاصرة وضعيفة، إذ إن تلك القوى تسعى فقط للاستنزاف المالي والسمسرة السياسية على حساب دول المنطقة.
إن السبيل الوحيد لوقف هذا المخطط ومنع تمدده يكمن في تفعيل الاتحاد العربي والقوة العسكرية المشتركة، وهو الطرح الذي نادى به الرئيس عبد الفتاح السيسي منذ سنوات لتشكيل جيش عربي موحد، لقد كان هذا الطرح قراءة استراتيجية مسبقة ومبكرة لتطورات السيناريو التوسعي، ولا خيار أمام الأمة لحماية أمنها القومي وسيادتها إلا بالعودة إلى هذا الخيار الذاتي الموحد.















0 تعليق