هل يصلح الحاضر أخطاء الماضي؟ - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
هل يصلح الحاضر أخطاء الماضي؟ - تواصل نيوز, اليوم السبت 3 أكتوبر 2026 06:17 صباحاً

في عام 1917 خرج من مكتب وزير خارجية بريطاني إعلان قصير أسهم في تغيير تاريخ فلسطين والمنطقة. وبعد أكثر من قرن، يقف وزير خارجية بريطاني آخر ليعلن أن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير قانوني، وأن العلاقات الاقتصادية لبلاده يجب أن تعكس هذا الموقف. لا يمكن وضع وعد بلفور وقرار حظر تجارة المستوطنات في كفة واحدة، لكن الرابط بينهما لا يمكن تجاهله: بريطانيا تحاول اليوم التعامل مع بعض نتائج تاريخ كانت أحد أبرز صانعيه.

لهذا تجاوز الغضب الإسرائيلي مضمون الحظر نفسه؛ فالسلع المنتجة في مستوطنات الضفة الغربية لا تمثل إلا نسبة ضئيلة من صادرات إسرائيل، ولن يؤدي منعها إلى إرباك اقتصادها. لكن الخطورة، من وجهة النظر الإسرائيلية، تكمن في الدلالة القانونية والسياسية: دولة حليفة لم تعد تكتفي باعتبار المستوطنات غير شرعية، بل بدأت تترجم هذا الموقف إلى التزامات اقتصادية وعقوبات عملية.

يُختصر تاريخ العلاقة البريطانية-الإسرائيلية أحياناً بوعد بلفور، لكنه أكثر تعقيداً. فقد دعمت بريطانيا إقامة «وطن قومي للشعب اليهودي»، ثم أدرج الانتداب هذا الالتزام في بنيته القانونية والسياسية، من دون منح السكان العرب الفلسطينيين اعترافاً موازياً بحقوقهم القومية.

وبعد قيام إسرائيل، شهدت العلاقة صدامات وتفاهمات، من تمرد المنظمات الصهيونية ضد الانتداب، إلى اعتراف لندن بإسرائيل عام 1950، ثم تحالفهما مع فرنسا في حرب السويس عام 1956، وصولاً إلى التعاون التجاري والأمني والاستخباراتي، مقروناً بخلافات متكررة حول الضفة ولبنان والاستيطان.

المختلف الآن أن بريطانيا قررت كسر معادلة ظلت قائمة لعقود، إدانة الاستيطان سياسياً مع تجنب تحميله كلفة حقيقية. فقد تبنت الحكومة البريطانية نتيجة الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية عام 2024، معتبرة أن الاحتلال، بصورته الراهنة ومساره نحو الضم، غير قانوني. وأعلنت أن هذا الموقف ينبغي أن ينعكس على علاقاتها الاقتصادية بالأراضي المحتلة.

ولا تقتصر الإجراءات على حظر سلع المستوطنات، فهي تستهدف أيضاً الشركات والأفراد الذين يقدمون خدمات البناء أو التمويل أو البنية التحتية أو العقارات الداعمة للتوسع الاستيطاني، وتحظر الإعلان داخل بريطانيا عن بيع ممتلكات في المستوطنات. كذلك، ستُرفض تراخيص الأسلحة والصادرات التي تسهم مادياً في استمرار الاحتلال. وسيحتاج النظام التشريعي الجديد إلى ما بين ستة وتسعة أشهر، بينما بدأت إجراءات فورية ضد عدد من المستوطنين المتطرفين.

ومن المهم توضيح أن الدول الاثنتي عشرة لم تتخذ كلها إجراءات متطابقة، لكنها أعلنت موقفاً منسقاً يؤيد فرض قيود وطنية أو أوروبية على تجارة المستوطنات، مع التزام بريطانيا وفرنسا وكندا بالمضي في حظر وطني. وتكمن أهمية التحرك الجماعي في أنه قد يمثل بداية انتقال عزلة المستوطنات من المجال الأخلاقي إلى نظام قانوني واقتصادي تتسع دائرته تدريجياً.

أما حدة الرد الإسرائيلي فترجع إلى أكثر من سبب. القرار يرسم خطاً عملياً بين إسرائيل داخل حدود ما قبل عام 1967 وبين المشروع الاستيطاني خارجها، وهو تمييز ترفضه قطاعات واسعة من اليمين الإسرائيلي. كما تخشى إسرائيل أثر هذه السابقة، فإذا عُزلت منتجات المستوطنات اليوم، فقد تمتد الإجراءات غداً إلى البنوك وشركات التأمين وصناديق الاستثمار والمؤسسات المتعاملة معها، وعندها ترتفع الكلفة الفعلية للاستيطان.

وزادت لغة وزير الخارجية إيد ميليباند من حدة الأزمة. فقد وصف عنف المستوطنين بأنه أدى إلى تطهير عرقي في مناطق من الضفة، واتهم الحكومة الإسرائيلية بغض الطرف عنه. وجاء ذلك من سياسي يعرّف نفسه بأنه يهودي بريطاني فخور، ويؤكد دعمه لوجود إسرائيل وأمنها. وردت إسرائيل بإغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، وإخراج البريطانيين من مركز التنسيق الدولي الخاص بغزة، ومنع شخصيات بريطانية من دخولها.

لكن إغلاق القنصلية يحمل مفارقة مهمة؛ فهي ليست قناة لندن إلى الحكومة الإسرائيلية، بل أداتها الرئيسية للتعامل مع الفلسطينيين والسلطة الفلسطينية. ثم يعاقب الإجراء الفلسطينيين بقدر ما يضغط على بريطانيا، وقد يفتح نزاعاً جديداً حول الوضع القانوني للقدس الشرقية.

ورغم التصعيد لا تبدو بريطانيا راغبة في إنهاء علاقتها بإسرائيل، بل في إعادة تعريفها. فقد أكد ميليباند استمرار التجارة مع إسرائيل داخل الخط الأخضر، ورفض المقاطعة الشاملة، وشدد على التعاون معها في مواجهة إيران. السياسة الجديدة تقوم على مسارين هما دعم وجود إسرائيل وأمنها، ومواجهة متدرجة مع الاحتلال والاستيطان. وكان الاعتراف البريطاني بدولة فلسطين عام 2025 بداية هذا التحول، بينما يمنح حظر تجارة المستوطنات ذلك الاعتراف مضموناً عملياً.

لا يستطيع قرار بريطاني أن يصلح قرنًا من الصراع أو يمحو مسؤولية تاريخية معقدة. كما أن تصحيح الماضي لا يعني التراجع عن حق إسرائيل في الوجود، بل تصحيح التناقض بين تأييد الدولة الفلسطينية نظرياً والتعامل اقتصادياً مع السياسات التي تجعل قيامها مستحيلاً.

والأرجح أن تمر العلاقات بمرحلة «خصومة منضبطة» تتمثل في خطابات وإجراءات ديبلوماسية متبادلة مع استمرار المصالح الأمنية والتجارية. لكن الأزمة قد تتسع إذا مضت إسرائيل في ضم أجزاء من الضفة أو توسعت العقوبات الأوروبية. فأهمية اللحظة ليست في حجم التجارة المحظورة، بل في انتقال بريطانيا من الاعتراض اللفظي إلى تحميل الاحتلال كلفة. والحاضر لا يصلح أخطاء الماضي بمجرد الاعتراف بها، وإنما عندما يمنع استمرارها بصورة جديدة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق