نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
إثيوبيا والوجه المحترق - تواصل نيوز, اليوم السبت 3 أكتوبر 2026 10:16 مساءً
تعني كلمه «إثيوبيا» في الأدبيات القديمة «الوجه المحترق» والذي ألقى بظله المشتعل على الصراعات الدائرة الآن.
لم تعد إثيوبيا اليوم مجرد طرف في خلاف مائي مع مصر حول سد النهضة، ولم يعد المشهد الإثيوبي شأنًا داخليًا يمكن النظر إليه بمعزل عن محيطه الإفريقي.
فالتطورات الأخيرة تكشف عن شبكة متداخلة من الأزمات، تمتد من النيل الأزرق إلى تيجراي، ومن إريتريا إلى البحر الأحمر، وتضع منطقة القرن الأفريقي أمام مرحلة شديدة الحساسية.
وإذا كان سد النهضة قد شكّل طوال السنوات الماضية عنوان الخلاف الأبرز بين القاهرة وأديس أبابا، فإن التطورات الحالية تشير إلى أن المشهد الإثيوبي يتأثر بعدة ملفات متزامنة، داخلية وإقليمية ودولية، وهو ما يجعل قراءته من زاوية واحدة أمرًا غير كافي.
ففي ملف سد النهضة، يتمثل الخلاف المصري الإثيوبي في عدد من القضايا، من بينها قواعد الملء والتشغيل، وآليات إدارة المياه خلال فترات الجفاف، ومسألة وجود اتفاق قانوني ملزم يحكم هذه القواعد.
ولا تزال المفاوضات تواجه عقبات، بينما تعلن القاهرة أن الأمن المائي يمثل مسألة مرتبطة مباشرة بأمنها القومي. وهذه مواقف معلنة من جانب الأطراف، ولا تعني بذاتها حسم المسؤولية عن تعثر المفاوضات أو إثبات نية عدائية لدى أي طرف، لكن الجديد أن الأزمة انتقلت إلى مساحة أكثر اتساعًا.
من النيل إلى تيغراي
مع تجدد القتال في إقليم تيجراي خلال سبتمبر 2026، عادت إثيوبيا إلى مواجهة تحديات أمنية داخلية خطيرة، وفق المعطيات المتداولة بشأن التطورات الميدانية.
وتزامن ذلك مع اتهامات إثيوبية لأطراف إقليمية، من بينها مصر وإريتريا والسودان، بالارتباط بدعم تحالفات معارضة، وهي اتهامات نفتها القاهرة، ولا يتوافر في هذا السياق ما يكفي لعرضها باعتبارها وقائع مثبتة.
وفي 3 أكتوبر، أكدت مصر رسميًا أن الأزمة الإثيوبية داخلية ولا علاقة للقاهرة بها، وهنا تظهر نقطة تحليلية مهمة:
عندما تتزامن الأزمة الداخلية مع صراع إقليمي، قد يصبح الفصل بين العوامل الداخلية والخارجية أكثر صعوبة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة وجود ترابط سببي مباشر أو تدخل مثبت من أطراف خارجية.
فالجغرافيا الإثيوبية تجعل أي اضطراب في الشمال ذا صلة محتملة بإريتريا والسودان والبحر الأحمر، كما أن موقع إثيوبيا في قلب القرن الأفريقي يمنح أزماتها الداخلية أبعادًا إقليمية محتملة تتجاوز حدودها.
إريتريا.. الحلقة التي لا يمكن تجاهلها
التطور الأبرز في المشهد الحالي هو تدهور العلاقة بين إثيوبيا وإريتريا، بحسب ما أُعلن عن الإجراءات الدبلوماسية المتبادلة.
فقد أغلقت إثيوبيا سفارتها في أسمرة وطردت عشرة دبلوماسيين إريتريين، بينما أعلنت إريتريا قطع العلاقات الدبلوماسية مع إثيوبيا. وجاء ذلك في وقت تتصاعد فيه المخاوف من تجدد الصراع في شمال إثيوبيا.
وتظل دلالات هذه الإجراءات وتداعياتها المستقبلية موضوعًا للتحليل، لا نتيجة محسومة سلفًا، وهنا لا يمكن تجاهل البحر الأحمر.
إثيوبيا دولة حبيسة منذ انفصال إريتريا، ولذلك ظل الوصول إلى البحر الأحمر أحد الملفات الاستراتيجية في التفكير الإثيوبي، وفق ما يظهر في الخطاب والسياسات المرتبطة بالموانئ والنفوذ الإقليمي. ومع تزايد التوتر مع أسمرة، قد تصبح قضية الوصول إلى البحر جزءًا من معادلة أوسع تتعلق بالأمن والنفوذ في القرن الأفريقي، من دون أن يعني ذلك تلقائيًا وجود خطة إثيوبية محددة أو وشيكة للسيطرة على منفذ بحري.
ومن ثم، فإن قراءة أزمة مصر وإثيوبيا باعتبارها خلافًا حول المياه فقط قد تغفل عوامل إقليمية أخرى، مع ضرورة التمييز بين الوقائع المعلنة والاستنتاجات المتعلقة بتأثيرها المحتمل.
مصر.. في قلب المعادلة دون أن تكون طرفًا في الأزمة الداخلية
الموقف المصري الرسمي الحالي واضح في نقطة أساسية: القاهرة تنفي تدخلها في الصراع الداخلي الإثيوبي. وهذا نفي رسمي لا يحسم، بمفرده، كل ما يثار من اتهامات، لكنه يحدد الموقف المعلن للحكومة المصرية.
وفي الوقت نفسه، فإن لمصر مصالح استراتيجية مباشرة في المنطقة، وفي مقدمتها أمن النيل، أمن البحر الأحمر، واستقرار السودان والقرن الأفريقي.
ولهذا فإن القاهرة تتابع ما يحدث في إثيوبيا باعتباره تطورًا إقليميًا يمكن أن تكون له انعكاسات مباشرة أو غير مباشرة على الأمن المصري. وهذه قراءة تحليلية للمصالح والمخاطر المحتملة، وليست دليلًا على مشاركة مصر في الأزمة الداخلية.
وقد دفع اتساع دائرة التوتر الاتحاد الأفريقي إلى الدعوة إلى ضبط النفس بين إثيوبيا وإريتريا ومصر، والحفاظ على الحوار واللجوء إلى القنوات الدبلوماسية. ولا تعني هذه الدعوة بالضرورة أن الاتحاد الأفريقي أثبت مسؤولية مشتركة للأطراف الثلاثة، بل تعكس قلقًا من احتمال اتساع نطاق التوتر الآن إثيوبيا تبدو في اللحظة الراهنة أمام عدة دوائر ضغط في الوقت نفسه:
دائرة داخلية: صراع سياسي وأمني وتجدد القتال في تيغراي، وفق ما تورد التقارير المتاحة.
دائرة مائية: خلاف مستمر مع مصر والسودان حول قواعد إدارة سد النهضة، مع اختلاف الأطراف بشأن مضمون الترتيبات المطلوبة ومدى إلزاميتها.
دائرة إقليمية: توتر متصاعد مع إريتريا، وتشابكات مع السودان والصومال، وهي عوامل قد تؤثر في البيئة الأمنية المحيطة بإثيوبيا.
دائرة بحرية: حسابات الوصول إلى البحر الأحمر وموانئه، وهي قضية استراتيجية محتملة لا تكفي وحدها لإثبات توجهات محددة.
دائرة دولية: تنافس القوى الدولية على النفوذ في القرن الأفريقي وممرات التجارة والطاقة، وهو استنتاج يستند إلى طبيعة الموقع الاستراتيجي للمنطقة وتعدد الأطراف المنخرطة فيها.
وهذه الدوائر قد تتفاعل فيما بينها، لكن درجة تأثير كل منها في الأخرى تظل موضوعًا للتحليل، ولا ينبغي افتراض وجود علاقة مباشرة بين جميع التطورات.
هل نحن أمام مواجهة مصرية إثيوبية؟
من الخطأ القفز من التوتر الدبلوماسي إلى استنتاج حتمي بوجود مواجهة عسكرية.
حتى الآن، ما نراه هو تصعيد سياسي ودبلوماسي وتداخل في الملفات الأمنية والإقليمية، وليس إعلانًا عن مواجهة عسكرية مباشرة بين مصر وإثيوبيا. ولا يثبت التوتر القائم، بمفرده، أن مثل هذه المواجهة باتت وشيكة.
لكن الخطر المحتمل لا يكمن بالضرورة في مواجهة مباشرة، وإنما في تعدد نقاط الاحتكاك.
فكلما اجتمعت أزمة النيل مع أزمة تيجراي، وتوتر إثيوبيا مع إريتريا، واضطرابات السودان، وحسابات البحر الأحمر، زادت احتمالات انتقال آثار أي تطور محدود إلى ملفات أخرى. وهذا تقدير تحليلي لا يعني أن هذا الانتقال سيحدث حتمًا.
مصر أمام معادلة مختلفة
بالنسبة لمصر، لا يمكن التعامل مع إثيوبيا باعتبارها ملف سد فقط.
المعادلة المصرية أصبحت أكثر اتساعًا:«النيل + السودان + البحر الأحمر + القرن الأفريقي = منظومة واحدة للأمن القومي».
وهذا يتطلب سياسة تقوم على قراءة دقيقة للتحولات، وعدم الانجرار وراء كل رواية أو اتهام، مع الحفاظ على أدوات الحوار والدبلوماسية، وفي الوقت نفسه حماية المصالح المصرية المرتبطة بالمياه والأمن الإقليمي.
كما يتطلب التمييز بين ما هو مؤكد، وما هو منسوب إلى طرف، وما يمثل تقديرًا لاحتمالات مستقبلية.
إن إثيوبيا لا تواجه أزمة واحدة، بل تتحرك داخل شبكة معقدة من المصالح والصراعات، بحسب ما تشير إليه التطورات المعلنة والتحليلات المرتبطة بها
ماذا تريد إثيوبيا من مصر؟ بل.. إلى أين تتجه إثيوبيا داخل خريطة إقليمية تتغير بسرعة، وكيف ستتعامل مصر مع هذه الخريطة دون أن تسمح بأن تتحول أزمات الجوار إلى تهديد لمصالحها الحيوية؟
وهنا تحديدًا تكمن أهمية قراءة إثيوبيا ليس من خلال السد وحده، وإنما من خلال الوجه الكامل للمشهد الإثيوبي والإقليمي، مع الفصل بين الوقائع المؤكدة، والاتهامات المنسوبة إلى أصحابها، والاستنتاجات التي تظل قابلة للمراجعة في ضوء تطور الأحداث.
«باحثة في الشؤون الإفريقية والعلاقات الإنسانية»
اقرأ أيضاً
عبيدة الدندراوي يقدم أوراق اعتماده سفيرا لمصر لدى إثيوبياشريف عامر: إثيوبيا تتعامل بطريقة شراء الوقت والمناورة بملف سد النهضة

















0 تعليق