نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
سكة حديد العقبة - معان: استثمار أردني – إماراتي يرفد استراتيجية "صفر هرمز" الخليجية - تواصل نيوز, اليوم الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 11:47 صباحاً
يحمل مشروع سكة حديد العقبة – الشيدية – معان وعداً اقتصادياً مزدوجاً: زيادة تنافسية الإنتاج الأردني، وتوسيع حضور الإمارات في البنية التحتية للتجارة الإقليمية. ومع وضع حجر أساسه، الاثنين 5 تشرين الأول/أكتوبر 2026، بحضور الملك عبدالله الثاني وولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد، تقدم المشروع البالغة قيمته نحو 2.5 مليار دولار، وبطول 403 كيلومترات، نحو التنفيذ. وتمنحه اضطرابات الملاحة الخليجية بُعداً إضافياً يتعلق بقيمة امتلاك مسارات تجارية خارج مضيق هرمز.
تبدأ الجدوى من حركة بضائع محددة. فبحسب الديوان الملكي الأردني، تستهدف المرحلة الأولى نقل قرابة 13 مليون طن من الفوسفات سنوياً من الشيدية إلى العقبة، والتكامل مع ميناء معان البري لنقل بضائع أخرى. أما الرقم المعلن للشبكة الأوسع فيقارب 16 مليون طن من الفوسفات والبوتاس سنوياً. ومن الضروري التمييز بين النطاقين عند تقدير الإيرادات والمنافع؛ فالطاقة الاستيعابية المستهدفة للنقل تختلف عن حجم الصادرات الإضافية التي قد يولدها المشروع.
تقوم الشركة المنفذة على ملكية مناصفة بين الجانبين، وتمثل الإمارات «لِعماد القابضة»، بينما يضم الجانب الأردني شركة مناجم الفوسفات، وشركة البوتاس العربية، وشركة إدارة الاستثمارات الحكومية، وصندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي.
تجد أسيل العرنكي، محللة الأسواق المالية والخبيرة الاقصادية الأردنية، لهذه البنية دلالات اقتصادية عدة، تعددها لـ"النهار": "أولاً، تلاقي المصلحة التجارية بالتمويل، فشركتا الفوسفات والبوتاس هما أول المستفيدين من الخدمة لأنهما صاحبتا الحمولة، وهما بالتالي مستثمران وعميلان في آن واحد، وهذا يضمن حداً أدنى من الإيرادات للمشروع، ويخفف مخاطر الطلب التي تعطل عادة مشاريع السكك. ثانياً، تنويع مصادر رأس المال، إذ يجمع الجانب الأردني مؤسسات عامة وصندوقاً للضمان الاجتماعي، فيكون التمويل وطنياً ومؤسسياً طويل الأجل. أما الإمارات فتقدم رأس مال سيادياً وخبرة تشغيلية، إذ ستنفذ الشركة المشتركة المشروع عبر ذراعها التنفيذية ’قطارات الاتحاد‘، المطور والمشغل لشبكة السكك الحديدية الوطنية في الإمارات. ثالثاً، توزيع المخاطر والحوكمة، فالمناصفة تعني أن لا طرف يهيمن على القرار. ورابعاً، قفل الشراكة الاستراتيجية، فالمشروع جزء من حزمة استثمارية بقيمة 5.5 مليارات دولار وقعها البلدان سابقاً، وهذا المشروع نقطة انطلاق لمشاريع إماراتية أخرى في الأردن".
مكاسب أردنية
بالنسبة إلى الأردن، يستند المشروع إلى قطاع قائم وقابل للتوسع، فقد بلغ استخراج الفوسفات الخام لدى شركة مناجم الفوسفات 12.14 مليون طن في 2025، ووصلت مبيعات الشركة إلى 1.741 مليار دينار. وأنتجت البوتاس العربية نحو 2.9 مليون طن في العام نفسه. وهذه أرقام على مستوى الشركتين، توضح وزن النشاط الذي ستخدمه البنية الجديدة، وليست تقديراً للحمولات التي ستُنقل كلها على خط واحد. وأي تحسن في التنافسية يتحول إلى صادرات إضافية يدعم تدفق العملات الأجنبية وإيرادات الخزينة من الضرائب وعوائد التعدين، مع بقاء المكاسب مرتبطة بالطلب العالمي.
ربط شبكات السكك الحديدية الخليجية مستقبلاً بشبكة العقبة ينشئ ’رئة بحرية‘ جديدة على البحر الأحمر، تبتعد كلياً عن المياه الإقليمية الإيرانية
يقدّر الوفر في تكاليف نقل الفوسفات والبوتاس بنحو 40 مليون دولار سنوياً. حسابياً، يعادل ذلك نحو 2.5 دولار للطن إذا وُزّع على كامل الحجم المستهدف البالغ 16 مليون طن؛ وهو متوسط تقريبي للوفر، لا تعرفة نقل معلنة. وفي السلع السائبة، يمكن تحسين صغير في كلفة الطن أن يتراكم إلى مكسب كبير، سواء عبر دعم هامش المنتج أو منحه مساحة أوسع للمنافسة السعرية.
تضيف العرنكي مكاسب أخرى: " خفض كلفة النقل، خصوصاً بين ميناء العقبة ومناطق الإنتاج في الشيدية وغور الصافي، وهذا ينعكس هامش ربح أكبر، ويحسّن تنافسية الفوسفات والبوتاس عالمياً؛ وقدرة تصديرية أعلى، إذ سيتيح الخط زيادة معتبرة في القدرات اللوجستية والتصديرية الأردنية؛ واستثمار أجنبي مباشر ووظائف، فالمشروع من أكبر المشاريع الاستثمارية في الأردن خلال 20 عاماً الماضية، وسيخلق فرص عمل في الإنشاء والتشغيل والصيانة؛ ونقل المعرفة والتشغيل، فالشراكة مع مشغّل خبير تعني اكتساب كفاءات فنية في قطاع لا يملك الأردن فيه شبكة حديثة؛ إضافة إلى نواة لشبكة وطنية وإقليمية، إذ يصف المسؤولون المشروع بأنه الخطوة الأولى في بناء شبكة السكك الوطنية التي تهدف إلى ربط العقبة بالدول العربية المجاورة وبموانئ سوريا والمتوسط".
فرص صناعية
الفرصة الأعمق هي زيادة التصنيع المحلي للثروة المعدنية: أعلنت شركة الفوسفات خططاً تشمل مجمعاً في الشيدية بقيمة 600 مليون دولار لإنتاج حامض الفوسفوريك والأسمدة المتخصصة بالشراكة مع البوتاس العربية. ومن شأن ربط المناجم والمصانع بالميناء أن يدعم هذا الاتجاه، ويرفع القيمة المضافة المحتفظ بها داخل الأردن. كما يفتح مجالاً للشراكات الخليجية في الأسمدة ومدخلات الزراعة؛ فأمن الغذاء يبدأ أيضاً باستقرار إمدادات المواد اللازمة لإنتاجه.
يُنتظر أن يولد المشروع نحو 5000 فرصة عمل في جنوب الأردن، ويمكن تعظيم الأثر المحلي بتدريب الفنيين وإشراك المقاولين والموردين الأردنيين. وتحويل جزء من الشحن إلى القطارات يتيح تخفيف ضغط الشاحنات على الطرق، مع فوائد محتملة للصيانة والسلامة واستهلاك الوقود. ويقتضي التحول كذلك تمكين قطاع النقل البري من التكيف، خصوصاً في خدمات التوصيل بين المحطات والمصانع والمخازن.
أما المكسب الإماراتي فيبدأ من الاستثمار في أصل إنتاجي يولد إيرادات من خدمة متكررة، ويوسع محفظة الأنشطة غير النفطية. وتتيح المشاركة في التطوير والتشغيل تصدير الخبرة المتراكمة لدى الاتحاد للقطارات وفتح أعمال في الإدارة والصيانة والتقنيات والخدمات اللوجستية. ومن زاوية استثمارية، يمنح الارتباط بمنتجين كبار أساساً لتعاقدات طويلة الأجل، وإن كانت استدامة العائد ستتوقف على أحجام الشحن وشروط العقود وكلفة التمويل والصيانة.
وتتكامل السكة مع الإطار التجاري الأوسع بين البلدين. فقد دخلت اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة حيز التنفيذ في 15 أيار/مايو 2025، بعدما بلغت التجارة الثنائية غير النفطية نحو 5.62 مليارات دولار في 2024، مع استهداف تجاوز ثمانية مليارات بحلول 2032.

قيمة خليجية
وبالنسبة إلى باقي دول الخليج، تتوقف القيمة الإضافية على امتداد الشبكة واتصالها الفعلي بالحدود والمراكز الصناعية. فالخط المعلن يقع داخل الأردن، بينما طرحت اتفاقيات نيسان/أبريل تصوراً للتوسع نحو الماضونة وشمالاً إلى سوريا والمتوسط وتركيا، وتعزيز الربط بالسعودية والخليج.
السعودية هي حلقة الاتصال الجغرافية الأساسية لأي مسار بري بين الأردن ومعظم دول الخليج. ويمكن ربط فعال أن يخدم حركة الحاويات والمدخلات الصناعية والسلع المتبادلة مع بلاد الشام، وأن يمنح المصدرين والمستوردين خيارات إضافية بين الموانئ. لكن المملكة تمتلك بالفعل منافذ على البحر الأحمر؛ لذا ستتحدد جاذبية المرور عبر العقبة بحسب الوجهة والتعرفة ومدة الرحلة وسهولة الحدود، مقارنة باستخدام تلك المنافذ مباشرة. القيمة الاقتصادية للشبكة تنشأ من التكامل بين المسارات وقدرة العملاء على الاختيار.
وبالنسبة إلى الكويت وقطر والبحرين، يمكن تصور منفعة مستقبلية في تنويع دخول السلع وخروج البضائع المصنعة براً عبر السعودية، متى اكتملت الوصلات والخدمات المناسبة. وتتصل المنفعة المحتملة للإمارات وعُمان أيضاً بتكامل الموانئ الواقعة خارج هرمز مع النقل البري الإقليمي. إلا أن خطاً للفوسفات والحاويات لا يقدم بذاته حلاً لصادرات النفط أو الغاز الطبيعي المسال؛ فهذه تحتاج بنية مختلفة، ولا سيما خطوط الأنابيب ومحطات التصدير المتخصصة.
الخليج واستراتيجية "صفر هرمز"
تتجلى القيمة الحقيقية للمشروع عند وضعه في إطار استراتيجية "صفر هرمز". وفي هذا السياق، تؤكد العرنكي أن الأردن يبرز عمقاً استراتيجياً وممراً برياً آمناً، "فربط شبكات السكك الحديدية الخليجية مستقبلاً بشبكة العقبة ينشئ ’رئة بحرية‘ جديدة على البحر الأحمر، تبتعد كلياً عن المياه الإقليمية الإيرانية، فميناء العقبة يقع خارج الخليج، ويصبح بوابة بديلة لبضائع يمكن أن تصل براً من الخليج أو تنطلق إليه، بعيداً عن هرمز".
وتختم: "موقع الأردن بين الخليج وبلاد الشام وحوض المتوسط يجعله جسراً طبيعياً. وقد أُعلن أن الشبكة الوطنية تستهدف ربط ميناء العقبة بموانئ سوريا والمتوسط، كما تطرح تركيا إحياء خط الحجاز لتوفير ممر تجاري بديل عن مضيق هرمز، وهذا يرفع قيمة الأردن كعقدة التقاء لوجيستية".
ومع وضع حجر الأساس، تكون أبوظبي وعمّان قد أرسلتا رسالة واضحة إلى طهران والأسواق العالمية مفادها أن حقبة الاعتماد على ممر مائي واحد قد ولّت، وأن الأمن الاقتصادي للمنطقة يُبنى اليوم على قضبان حديدية تتجاوز عنق الزجاجة الإيراني إلى آفاق أرحب.








0 تعليق