نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
في ذكرى انتصارات أكتوبر، هل ورد فضل خاص للجندي المصري في السنة النبوية؟ - تواصل نيوز, اليوم الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 12:06 مساءً
بالتزمن مع احتفالات ذكرى حرب أكتوبر المجيدة، يستاءل البعض حول فضل الجيش المصري وهل وردت أحاديث نبوية صحيحة في هذا الشان.
وفي هذا السياق ورد سؤال إلى دار الإفتاء يقول فيه صاحبه: "ما مدى صحة ما يُتداول بين الناس مِن أحاديث نبويَّةٍ عن فضل الجند الغربي؟ وهل المقصود والمخصوص بهذا الفضل هم جنود الجيش المصري؟"، وجاء رد دار الإفتاء عبر موقعها الرسمي كالتالي:
بيان فضل الله على مصر وأهلها
أنعَمَ اللهُ جَلَّ وَعَلَا على أرض مصر وأهلها بنعمة الأمن والمكرُمَة، فجعلها أرض أنبيائه، وملاذ أوليائه، وتتجلى فيها مظاهر نعمائه، فقال جلَّ وعلا على لسان نبيه سيدنا يوسف عليه السلام: ﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: 99].
ومما قاله سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه لأهل مصر في خطبته الشهيرة: "اعلموا أنكم في رباطٍ إلى يوم القيامة، لكثرةِ الأعداءِ حولكم وتشوِّق قلوبهم إليكم وإلى داركم، معدن الزَّرع والمال والخير الواسع والبركة النامية" أخرجه الإمامُ الحافظ ابن عبد الحكم في "فتوح مصر والمغرب" (ص: 166-167، ط. مكتبة الثقافة الدينية).
بيان أن المقصود بالجند الغربي جند الجيش المصري وبيان فضله
اشتملت السنَّة النبوية المشرَّفة على ثلَّةٍ من الأحاديث التي خصَّت الجندَ الغربي بالفضل والمكرمة والسلامة من الفتن، والتزام جانب الحقِّ إلى قيام الساعة.
فعن سعد بن أبي وقاصٍ رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَا يَزَالُ أَهلُ الغَربِ ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» أخرجه الإمام مسلم.
كما خصَّت طائفةٌ مِن الأحاديث النبويَّة الشريفة جند أهل مصر البواسل بأنهم خير أجناد الأرض، فهم خواصُّ مِن خواصَّ، وهم صفوةُ جندِ الأرض في زمانهم؛ لأنهم في رباطٍ وثباتٍ إلى يوم القيامة، ولأنَّ عنصرهم ومَدَدَهم مِن أهل مصر الطيِّبةِ، ممَّن أوصى بهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنَّ لهم ذمَّةً ورحمًا وصهرًا؛ فقد بوَّب الإمام مسلم في "صحيحه" بابًا أسماه: "باب وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأهل مصر"، وأخرج فيه عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّكُم سَتَفتَحُونَ أَرضًا يُذكَرُ فِيهَا القِيرَاطُ، فَاستَوصُوا بِأَهلِهَا خَيرًا، فَإِنَّ لَهُم ذِمَّةً وَرَحِمًا»، أو قال: «ذِمَّةً وَصِهرًا».
وخصوصية الجيش المصري وجنده بمعاني الفضل والخير مما ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ وتتابع على ذكره وإثباته أئمة المسلمين ومحدثوهم ومؤرخوهم عبر القرون سلفًا وخلفًا، فمن ذلك حديث عَمرِو بنِ الحَمِقِ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «سَتَكُونُ فِتنَةٌ، أَسلَمُ النَّاسِ فِيهَا -أَو قَالَ: لَخَيرُ النَّاسِ فِيهَا- الجُندُ الغَربِيُّ». قال ابنُ الحَمِقِ -راوي الحديث-: "فَلِذَلِكَ قَدِمتُ مِصرَ". أخرجه الأئمة: البزار في "المسند"، والطبراني في "المعجم الأوسط"، والحاكم في "المستدرك" وصحَّحه.
جند أهل مصر
ويظهر من فعل راوي الحديث حين قدم مصر أنَّ المراد بالجند الغربي هم جند أهل مصر، بل قد روي زيادة التصريح بقوله لأهل مصر: "وأنتم الجند الغربي"؛ فقد أخرج الحديثَ "مُحَمَّدُ بن الرَّبيع الجيزي فِي "مُسند الصَّحَابَة الَّذين دخلُوا مصر"، وَزَاد فِيهِ: "وَأَنتُم الجند الغربي"، فَهَذِهِ منقبةٌ لمصر فِي صدر الملَّة واستمرَّت قَليلَة الفِتَن معافاة طول الملَّة، لم يعترها مَا اعترى غَيرهَا مِن الأقطار وَمَا زَالَت مَعدن العلم وَالدِّين، ثمَّ صارت في آخر الأمر دَارَ الخلافَةِ ومحطَّ الرِّحَالِ، وَلَا بَلَدَ الآن فِي سَائِر الأقطار بعد مَكَّة وَالمَدينَة يظهر فِيهَا من شَعَائِر الدّين مَا هُوَ ظَاهرٌ فِي مصر"، كما قال الإمام السيوطي في "الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج" (4/ 514، ط. دار ابن عفان).
ومنها ما رواه عمرو بن العاص رضي الله عنه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنَّه سمع رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، يقول: «إِذَا فَتَحَ عَلَيكُم مِصرَ؛ فَاتَّخِذُوا فِيهَا جُندًا كَثِيفًا؛ فَذَلِكَ الجُندُ خَيرُ أَجنَادِ الأَرضِ»، فقال أبو بكر الصِّدِّيقُ رضي الله عنه: ولِمَ يا رسول الله؟ قال: «لِأَنَّهُم وَأَزوَاجَهُم وَأَبنَاءَهُم فِي رِبَاطٍ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ»، وغير ذلك مِن الروايات التي تدور في فلك معاني الثناء والوصية بأهل مصر وجندها وأنهم خير أجناد الأرض.
الرد على من يقدح في صَّحة ما يُتداول بين الناس مِن أحاديث نبويَّةٍ في فضل الجند المصري
لا يقدح في صحة تلك الأحاديث وثبوتها ضعفُ بعض أسانيدها؛ فإنَّ في أحاديثها الصحيح والحسن والضعيف المُنجَبِر الذي احتجَّ به العلماء، وقد اتفق المؤرخون على إيراد هذه الأحاديث والاحتجاج بها في فضائل مصر من غير نكير.
وجلُّ هذه المعاني مذكورة ومرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خطبة عمرو بن العاص رضي الله عنه الشهيرة التي خطب بها أهلَ مصر المحروسة على أعوادِ منبر مسجِدِه العتيق بفسطاط مصر القديمة، وكان ذلك في أواخر فصل الشتاء، بعد أيام قليلةٍ مِن (حميم النصارى) وهو "خميس العهد" عند المسيحيين؛ حيث كان يحضُّ النَّاس في أواخر شهر مارس أو أوائل شهر إبريل على الخروج للربيع، وكان يخطب بذلك في كلِّ سنة.
وقد سمعها منه المصريون وحفظوها، وتداولوها جيلًا بعد جيلٍ، ودوَّنوها في كتبهم ومصنفاتهم، وصدَّروا بها فضائل بلدهم، وذكروا رواتَها في تواريخِ المصريين ورجالِهم كابرًا عن كابرٍ، وأطبقوا على قبولها والاحتجاج بها في فضائل أهل مصر وجندها عبر القرون؛ لا ينكر ذلك منهم مُنكِرٌ، ولا يتسلط على القدح فيها أحدٌ يُنسَبُ إلى علمٍ بحديثٍ أو فقهٍ؛ بل عدُّوها من مآثر خُطَب عمرو ونفيس حديثه، ولم يطعن فيها طاعن في قديم الدَّهر أو حديثه.
وقد أسند عمرو بن العاص رضي الله عنه في هذه الخطبة الحديثَ المرفوع في وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأهل مصر خيرًا، عن عُمَر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، يقول: «إِنَّ اللهَ سَيَفتَحُ عَلَيكُم بَعدِي مِصرَ، فَاستَوصُوا بِقِبطِهَا خَيرًا، فَإِنَّ لَكُم مِنهُم صِهرًا وَذِمَّةً».
وأسند أيضًا الحديثَ المرفوع في فضل جند مصر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يقول: «إِذَا فَتَحَ عَلَيكُم مِصرَ فَاتَّخِذُوا فِيهَا جُندًا كَثِيفًا؛ فَذَلِكَ الجُندُ خَيرُ أَجنَادِ الأَرضِ»، فقال أبو بكر الصِّدِّيقُ رضي الله عنه: ولِمَ يا رسول الله؟ قال: «لِأَنَّهُم وَأَزوَاجَهُم وَأَبنَاءَهُم فِي رِبَاطٍ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ».
وقد روى هذه الخطبةَ قاضي مصر الإمامُ الحافظ عبد الله بن لهيعة، ورواها عنه الإمامان الحافظان: أبو نُعيم إسحاق بن الفرات التُّجِيبيُّ، وأبو زكريا يحيى بن عبد الله بن بُكَير المخزومي.
شواهد حديث الجند الغربي من السنة النبوية والواقع
إنَّ الحديث المذكور يشهد له من الكلام النبوي الشريف وسائر الأحاديث ما يرجح صحته وقوَّته:
- فمن ذلك ما رواه أبو يعلى في "مسنده" (3/ 51، رقم 1473، ط. دار المأمون للتراث)، وعنه ابن حبان في "صحيحه" (15/69، رقم 6677، ط. مؤسسة الرسالة)، وابن عبد الحكم في "فتوح مصر" (ص: 22، ط. مكتبة الثقافة الدينية) من طُرقٍ عن أَبي هانئٍ حميد بن هانئٍ الخَولاني، أنه سمع أبا عبد الرحمن الحُبُلِيَّ، وهو عبدُ الله بن يزيد، وعمرَو بن حُرَيث، وغيرَهما يقولون: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّكُم سَتَقدَمُونَ عَلَى قَومٍ جُعدٌ رُؤُوسُهُم، فَاستَوصُوا بِهِم خَيرًا، فَإِنَّهُم قُوَّةٌ لَكُم، وَبَلاغٌ إِلَى عَدُوِّكُم بِإِذنِ اللهِ» يعني: قبط مصر، وسنده صحيح على شرط مسلم. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (10/ 64، ط. مكتبة القدسي): [رجاله رجال الصحيح] اهـ.
- ومن الشواهد أيضًا ما أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" عن أم المؤمنين أم سلَمة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوصى عند وفاته، فقال: «اللهَ اللهَ فِي قِبطِ مِصرَ، فَإِنَّكُم سَتَظهَرُونَ عَلَيهِم، وَيَكُونُونَ لَكُم عُدَّةً وَأَعوَانًا فِي سَبِيلِ اللهِ» قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (10/ 63): [رجاله رجال الصحيح] اهـ. وأخرجه ابن عبد الحكم في "فتوح مصر والمغرب" (ص: 21-22) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن مرفوعًا.
- وأخرج ابن عبد الحكم في "فتوح مصر والمغرب" (ص: 21) عن مسلم بن يسار، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «استَوصُوا بِالقِبطِ خَيرًا، فَإِنَّكُم سَتَجِدُونَهُم نِعمَ الأَعوَانُ عَلَى قِتَالِ عَدُوِّكُم». وإسناده حسن؛ مع وجود عبد الرحمن ابن زياد في إسناده، فقد أخرج ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (5/ 235، ط. دار إحياء التراث العربي) قولَ عمرو بن علي الفلاس عن عبد الرحمن: [مليح الحديث، ليس مثل غيره في الضعف] اهـ، وقال الترمذي في "سننه" (1/ 273، ط. دار الغرب الإسلامي): [رأيت محمد بن إسماعيل يقوي أمره، ويقول: هو مقارب الحديث] اهـ، كما حسَّن الحافظ ابن حجر حديثَه في "المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية" (11/ 287، ط. دار العاصمة).

ولقد تضافرت الوقائع التاريخية منذ قديم الزَّمان وعلى مرِّ العصور وكرِّ الدهور على إثبات الخيرية والأفضلية لجيش مصر مِن الناحية الواقعية العملية، وشهد بذلك المؤرخون؛ ومنهم العلامة شهاب الدين بن فضل الله العمري الذي قال في "مسالك الأبصار وممالك الأمصار" (3/ 180، ط. المجمع الثقافي): [ونهض الجيش المصري بما عجزت عنه ملوك أقطار الأرض، مع اجتهاد السلطان جلال الدين محمد بن خوارزمشاه رحمه الله، حتى قتل، ولم يكن الجيش المصري بالنسبة إلى الجيوش الجلالية إلا كالنقطة في الدائرة، والنغبة مِن البحر، والله يؤيد بنصره من يشاء، وكم مِن فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين، وهذا من المعجزات النبوية وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِن أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى مَن عَادَاهُم إِلَى يَومِ القِيَامَةِ، لَا يَضُرُّهُم مَن خَذَلَهُم، حَتَّى يَأتِيَ أَمرُ اللهِ وَهُم عَلَى ذَلِكَ، أَلَا وَهُمُ الجُندُ الغَربِيُّ»، وقوله: «أَلَا وَهُمُ الجُندُ الغَربِيُّ» زيادة في الروايات، وهذه الرواية إن لم تصح روايتها صحَّت بالمعنى؛ لأن هذه الطائفة وهي كانت الطائفة الظاهرة التي أرادها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله وعناهم بها، لأنه لم يظهر على التَّتار سواهم، وبهذه النصرة دامت النصرة على التَّتار، وكانت بهم لا بغيرهم، مع كثرة من كان من ملوك الإسلام، واجتهادهم في الجهاد، فتماسك بهذه المرة رمق الإسلام، وبقيت بقية الدِّين، ولولاهم لانصدع شعب الأمة، ووهَى عمود الملة، ووصلت خيل عبدة الشمس إلى أقصى المغارب، ودكت جميع رعان الأرض] اهـ.

بناءً على ذلك: فإن ما يُتداول من الأحاديث النبوية عن فضل الجند الغربي، وأنَّ الجيش المصري وجنده هم المعنيون بهذا الشرف والفضل -أحاديث صحيحة المعاني عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا سبيل للطعن في صحتها أو مضمونها بوجهٍ مِن الوجوه، وقد وردت في خطبة عمرو بن العاص إلى أهل مصر، وهي خطبة ثابتة مقبولة صحيحة بشواهدها، رواها أهل مصر وقبلوها، ولم يتسلط عليها بالإنكار أو التضعيف أحد يُنسَب إلى العلم في قديم الدَّهر أو حديثه، ولا عبرة بمن يردُّها بمحض الجهل والهوى.













0 تعليق