نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
سفينة مصر... متصدقش - تواصل نيوز, اليوم الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 12:36 مساءً
تعجز الكلمات عن أنْ تتراصّ بما يكفي لتعبر عمّا شكّله العبور الخالد صباح السادس من أكتوبر 1973؛ ذلك العبور الذي عبَرَت معه رايات مصر، وهي ترفرف يعلوها صوت "الله أكبر"، في لحظة من الفخر والكبرياء، سطرَّت فيها مصر ملحمة البطولة في أنصع صفحات التاريخ؛ لحظة لم تستقر في وجدان المصريين وحدهم، بل في وجدان كل عربي وكل إنسان حر.
ولعل نتائج أكتوبر لم تكن مجرد انتصار عسكري عابر، بل شكّلت مرتكزًا في هندسة الشرق الأوسط على مدى أكثر من خمسة عقود؛ هندسة تحاول قوى مناهضة لها تغيير قواعدها منذ 2011، وصولًا إلى محاولات إنهاك الدولة من أطرافها، والعبث بأمنها المائي، بما يحمله ذلك من تهديد وجودي.
جاءت كلمة "متصدقش" في عنواني، باللهجة المصرية الشعبية، لا باعتبارها اسم منصة فحسب، بل رمزًا لحملات لا تتوقف عن النهش في جسد الدولة.
فقد أعلنت وزارة الداخلية، في الأول من أكتوبر، ضبط ستة من القائمين على منصة تحمل هذا الاسم، وقالت، بحسب ما أعلنته، إنّ الصفحة تُدار من الخارج، وتبث أخبارًا مغلوطة وتُحرّف الحقائق، وإنها مرتبطة بلجان إعلامية لجماعة الإخوان.
لكن المسألة، في جوهرها، أكبر من منصة أو صفحة أو حملة؛ فثمة من اعتادوا بيع الجماهير نشوة الهدم، والاقتئات على خطاب الكراهية، وتشويه الدين بممارسات الأفراد والجماعات، حتى جعلوه أداة للتعبئة وشرعنة للسلطة، وكأن الطريق إلى النفوذ لا يمر إلا عبر إنهاك المجتمع، وإفقاده ثقته بنفسه ودولته.
يخطئ أولئك، وغيرهم، إذا ظنوا أنّ مصر يمكن أن تحني جبهتها أمام مثل هذه الحملات؛ فمصر، بكل نجاحاتها وإخفاقاتها، حقيقة تاريخية قبل أن تكون حقيقة جغرافية. فتاريخها عَبْرَ القرون ليس صفحات محفوظة، بل قدرة متراكمة على العبور من العواصف التي ظن كثيرون أنها ستقتلعها من مكانها.
لقد صنعت مصر من عبورها المجيد سفينة المجد؛ قاد دفتها شعبها وقادتها وجيشها، ومضت بها عبْرَ مراحل التاريخ، لا لأنها لم تعرف العواصف، بل لأنها عرفت كيف تعبرها. وفي البحر، لا تُقاس قوة السفينة بثباتها أمام الموج، بل بقدرتها على امتصاص الصدمة دون أن تفقد اتجاهها، وأن تعيد توازنها فور انحسار العاصفة، وأن تعرف أن النجاة من الموجة لا تعني أن البحر صار هادئًا.
لكن المعنى الأعمق يكمن في قدرة السفينة على أن تتعلم مِن العاصفة، لا على أن تنجو منها فحسب؛ فالسؤال الحقيقي ليس كيف عبَرَت الأزمة، بل ماذا فعلت بعد أن عبرتها.
فالدولة لا تُقاس بقدرتها على عبور الأزمة فحسب، بل بقدرتها على التعلم منها. هناك دولة تنجو من العاصفة ثم تعود إلى ما كانت عليه، وأخرى تُحوّل كل عاصفة إلى فرصة تُصلح بها ما كشفته الرياح؛ فالأولى تدير الأزمة، والثانية تبني قدرة مؤسسية على مواجهة ما بعدها.
فالاستقرار ليس دائمًا دليلًا على سلامة البناء، وتجاوز الأزمة لا يعني زوال أسبابها؛ فقد تنتهي أزمة سياسية من دون تغيير جوهري، وتُحتوى أزمة أمنية فتبدو الدولة مستقرة. لكن الاستقرار الحقيقي يبدأ حين تتحول خبرة الأزمات إلى مؤسسات قادرة على منع تكرارها.
وعليه، فإنّ الدولة الحديثة لا تقاس بعدد مؤسساتها فقط، وإنما بقدرتها على جعل هذه المؤسسات تعمل ضمن منظومة واحدة، تتكامل فيها الأدوار، وتتحدد فيها المسؤوليات، ويكون القرار فيها واضحًا عندما يحين وقت القرار.
ولا يعني ذلك أنّ الدولة القوية تخشى النقد أو تَضيق بالاختلاف؛ فالنقد حق، والمساءلة ضرورة، والاختلاف في السياسات والوسائل جزء من حيوية المجتمع. لكن النقد شيء، والتضليل المنظم وتحويل الكراهية إلى أداة لهدم الثقة العامة شيء آخر؛ وبينهما ينبغي أن يبقى الفاصل واضحًا.
وهنا نصل إلى الدفة؛ فمواجهة التضليل لا تكفي وحدها، بل تحتاج، قبل ذلك وبعده، إلى من يمسك بالدفة. فالسفينة لا تكفيها قوة المحرك إذا تعددت الأيدي على المقود، وقد لا ينقصها الوقود ولا الرجال، وإنما ينقصها الاتفاق على الاتجاه؛ والدولة لا تكفيها مؤسسات القوة إذا لم يكن واضحًا من يملك القرار النهائي، ومن يتحمل مسؤوليته، ومن يملك القدرة على إنفاذه.
ترتبط سيادة الدولة، في الفكر السياسي الحديث، بمفهوم احتكار الاستخدام المشروع للقوة، وهو المفهوم الذي ارتبط تقليديًا بأعمال ماكس فيبر. وإذا كانت السيادة تقتضي وضوح الجهة التي تملك هذا الاستخدام؛ فالسؤال الأعمق ليس عن السلاح، بل عن اليد التي تملك قرار استخدامه، ومن تتحمل المسؤولية عندما يُستخدم.
فحين تتعدد مراكز القوة، يمكن أن تتحول في لحظة الأزمة إلى تعدد في مراكز القرار. وهو التحدي الذي يفرض تنظيم هذه المراكز، لا تأجيل السؤال عنها؛ ومن هنا يمكن قراءة نموذج إنشاء الأوكتاجون كأحد أوجه الاستجابة لمقتضيات بناء الجمهورية الجديدة، ضمن مسار أوسع نحو فضاء الحداثة، لا خاتمة له.
فالدولة القادرة ليست التي لا تنحني أمام العاصفة، ولا التي تنكسر أمامها، بل التي تعرف متى تنحني، ومتى تعود إلى شكلها، ومتى تُصلح ما أصابها قبل أن تأتي الموجة التالية. وهكذا، فالمعيار ليس ما تبدو عليه الدولة في هدوئها، بل ما تفعله حين تعصف بها الأزمات؛ ففي البحر الهادئ تبدو السفن متشابهة، لكن العاصفة تكشف الحقيقة.
هذا المشهد الحيّ يعيدنا إلى مصر السفينة التي عبَرَت في أكتوبر، لم تخشَ عواصف البحر، ولن تخشى عواصف السياسة والاقتصاد والأمن والمياه والإعلام. غير أنّ قوة السفينة لا تأتي من دفتها وحدها، بل من إيمان ركابها بأنّ نقد الطريق لا يعني هدم المركب، كما أنّ الحفاظ على المركب لا يعني تجاهل ما يحتاج إلى إصلاح.
مصر اليوم أحوج ما تكون إلى أن يتعاضد شعبها مع نفسه، وأن يلتف حول دولته؛ لا التفاف الخائف حول حصنه، بل التفاف الشريك حول وطنه. والالتفاف حول الدولة لا يعني إعفاءها من النقد أو المساءلة، كما أنّ نقدها لا ينبغي أن يتحول إلى هدم للثقة العامة؛ فالدولة القوية تحتاج شعبًا متماسكًا، والشعب المتماسك يحتاج دولة تحمي وجوده وتصون مستقبله.
فليختلف المصريون كما يشاؤون، وليتجادلوا، ولينتقدوا، وليختلفوا في السياسات والوسائل؛ لكن عليهم أن يتفقوا على أنّ السفينة لهم جميعًا، وأنّ خرقها لا يُغرق خصمًا دون آخر، وأنّ إضعاف الدولة لا يصيب طرفًا ويترك آخر، فحينما يتهتك بنيان الجسد لا تنقذه الروح.
لكل ما سبق، لا تصدق كل "متصدقش" تُلقى في وجهك؛ لا تصدق من يريد أن يقنعك بأنّ مصر عاجزة، أو أنّ ما تحقق لا قيمة له لأنّ الطريق ما زال طويلًا. نعم، الطريق طويل، وربما أطول مما نرجو، لكن الأمم لا تُقاس بطول ما قطعته، بل بما تختزنه من صلابة تواصل بها المسير.
وإذا كانت "متصدقش" قد جاءت في وجهها الأول للتشكيك، فلها وجه آخر ينبغي أن يبقى حيًا فينا: متصدقش أنّ مصر لا تستطيع، متصدقش أنّ المصري فقد قدرته على العبور، متصدقش أنّ هذه السفينة فقدت بوصلتها.
قد تهب العاصفة، وقد يعلو الموج، لكن مصر ليست وليدة لحظة، ولا دولة صنعتها موجة عابرة؛ قد تنحني أمام الأمواج العاتية، لكنها لا تتخلى عن دفتها؛ وقد تتعثر، لكنها لا تفقد إرادة الوصول. وفعلًا.. ما تصدقش يا مصري إنك مش مصري.


















0 تعليق