نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
من يحكي قصتنا؟.. تجربة فريدة - تواصل نيوز, اليوم الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 01:26 مساءً
أيهما يصنع الآخر: المجتمع المتقدم أم الصحافة الحرة؟! هذا السؤال الحائر الذي يبدو مثل لغز الدجاجة والبيضة، قفز إلى ذهني قبل أيام، وأنا أتابع النقاش الواسع في بريطانيا بمناسبة بث الحلقة الأخيرة من أطول سلسلة وثائقية في تاريخ التلفزيون، ملحمة 7 UP.
بكل المقاييس، هي تجربة إعلامية فريدة وعميقة وغير مسبوقة، تستحق بالفعل اختيارها كأكثر البرامج التلفزيونية تأثيرًا في الخمسين عامًا الماضية. انطلقت في بريطانيا قبل 62 عامًا، بفيلم وثائقي عنوانه 7 Up.
الأبطال 14 طفلًا من مختلف الطبقات في عمر السابعة، بينهم 4 فتيات. بعضهم أبناء أثرياء يدرسون في مدارس خاصة، وبعضهم الآخر فقراء من أبناء الطبقة العاملة. وفي كل 7 سنوات يحاورهم صناع البرنامج من جديد لاستكشاف كيف تتطور حياتهم وشخصياتهم، بحسب أصولهم الاجتماعية وطبيعة التغيرات في المجتمع من حولهم. أي أن السلسلة واصلت توثيق حيواتهم من عمر السابعة حتى بلغوا السبعين.
يقول المخرج مايكل أبتيد صانع السلسلة: ”لم نكن نبحث عن خصائص استثنائية في هؤلاء الأطفال. كنا مهتمين فقط بخلفياتهم اﻟﻌﺎدﯾﺔ ﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﻣﺎ إذا ﻛﺎﻧﺖ ﺣﯿﻮاﺗﮭﻢ ﺳﺘﺨﺒﺮﻧﺎ ﺑﺸﻲء ﻋﻦ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ... وﺑﺎﻟﻔﻌﻞ أﺧﺒﺮﺗﻨﺎ ﺑﻜﻞ ﺷﻲء.
نحن إذن، أمام تاريخ حقيقي متجسد، لم يصنعه فقط القادة الكبار ولم يكتبه وحدهم المؤرخون، ولم يتشكل في ساحات المعارك وقاعات المؤتمرات الدولية والقصور الرئاسية، بل صنعه وكتبه وحكاه أطفال صغار، بتفاصيل حياتهم اليومية العادية جدًا عبر أكثر من ستين عامًا من السعي في دروب الحياة، بكل مباهجها واحباطاتها وتقلباتها وتحولاتها.
من خلالهم، تابع البريطانيون كيف تحدد الفوارق الطبقية والخلفيات الاجتماعية مسيرة الأطفال الصغار في الحياة، وكيف أن طريق أبناء الأثرياء قد يبقى دائمًا مفروشًا بالورود والعكس صحيح أحيانًا، وكيف تغيرت ﻧﻈﺮة اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻟﻠﺰواج والطلاق والمرأة وعملها والصراع بين الأجيال؟!
أشياء كثيرة ظهرت واضحة في أحاديث الأطفال الصغار وهم يحكون في الحلقة الأخيرة، وقد بلغوا الـ٧٠ عامًا، عن مآلات حياتهم، عن تفاصيل أيامهم ومشاهداتهم، عن الخسائر والهزائم والانكسارات واﻟﻤﺮض واﻟﺸﯿﺨﻮﺧﺔ، والأبناء، ومعاركهم مع الحياة.
شخصيات عادية منحها الإعلام بذكاء ومهارة الفرصة لتقدم التاريخ الحقيقي للناس. إنه التاريخ الشعبي من وجهة نظر معلم الرياضيات وموظف الجامعة وسائق التاكسي والمحامي والمتشرد وخريج دار الرعاية الاجتماعية وأمينة المكتبة.
عبر هؤلاء ”العاديين جدا“ تابع البريطانيون أحوال مجتمعهم، على مدار السنين، بعيدًا عن السرديات الرسمية والكتب المدرسية وحكايات المؤرخين وشهادات أصحاب المصالح والهوى والمواقف المسبقة.
أبطال الحياة اليومية هؤلاء، بحكاياتهم الصغيرة والبسيطة، لا مكان لهم تقريبًا في إعلامنا. لأنه مشغول دائما بقضايا كونية أكبر ونجوم أكثر شهرة وتفاصيل أخرى أشد أهمية. وتاريخنا مازال في إعلامنا مجرد مواسم للجدل والصراع والمشاحنات بين روايات متضاربة ومتناقضة أحيانًا، لا مكان فيها لعامة الناس مع أنهم الطرف الأساسي الأكثر تأثيرًا وتأثرًا.
الفارق هنا ربما يكمن في النظرة إلى الفرد.. بين مجتمع يراه جديرًا بالاحترام والتقدير والاعتبار، وأن لديه قصة وحكاية تستحق أن تروى وأن يسمعه الآخرون.. وبين مجتمع يراه مجرد وجود هش وعابر ونتوء صغير بلا ملامح في جسد كبير.
لذلك كان السؤال في البدء عمن يصنع الآخر منطقيًا، لأن الصحافة هي أحيانًا نتاج مجتمعها بكل أفكاره وأحواله وقيمه وتصوراته عن نفسه والآخرين. فالمجتمع المتقدم سيفرز بالتأكيد إعلامًا أكثر تطورًا وإبداعًا والعكس صحيح، بصرف النظر عن الظروف السياسية وشروطها.
ولنتخيل، سلسلة مثل UP 7 لو كانت قد ظهرت لدينا في 1964، مثلًا. كيف كان الأطفال سيحكون عن مصر الستينات ونكسة 1967 ونصر1973 والانفتاح والتطبيع مع إسرائيل ومقتل السادات وسنوات مبارك وما تلاها؟! تحولات هائلة أثرت في حياة ملايين البشر، لم يشارك واحد منهم في حكاية تفاصيلها. بالتأكيد كنا سنعرف أكثر بموضوعية أكبر.
لكن ما زالت الفرصة قائمة؛ إذ تستطيع مؤسسة إعلامية جادة ومستقلة أن تتبنى تجربة مماثلة، لعلنا نستطيع أن نعرف تاريخنا الحاضر في المستقبل، بعيدًا عن الروايات الرسمية والوصفات الجاهزة، عبر شخصيات عادية تمنح الأجيال المقبلة تاريخًا أكثر إنسانية وصدقًا؛ لا ينظر للإنسان من فوق بل باعتباره كائنًا حرًا وفاعلًا وفريدًا تتبدى إنجازاته ﻓﻲ ﺗﻔﺎﺻﯿﻞ حياته اﻟﯿﻮﻣﯿﺔ، كما يقول دكتور عبدالوهاب المسيري.
[email protected]

















0 تعليق