الفدراليَّة: هل هي أَسمى الأنظمة الدِّيموقراطيَّة؟ (3 من 3) - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الفدراليَّة: هل هي أَسمى الأنظمة الدِّيموقراطيَّة؟ (3 من 3) - تواصل نيوز, اليوم الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 02:06 مساءً

 إيلي بو حرب*

 

 

أولاً: المجتمعات المتعدِّدة - لبنان نموذجاً

 

لا يكتمل بحثنا في الفدرالية والمجتمعات المتعدِّدة من دون الوقوف عند الحالة اللُّبنانيَّة، فلبنان مختبَرٌ حيّ لكلّ الأسئلة النَّظريَّة الّتي طُرحتْ أعلاه. فنظام الحكم فيه ليس فدرالياً بالمعنى الصَّارم - حيث ليس ثمَّة أقاليم ذات صلاحيَّات تشريعيَّة مستقلَّة - ولكنّه نظام ديموقراطيَّةٍ توافقيَّة (Consociational Democracy)، بحسب التَّعريف الذي وضعه آرند ليبهارت (1936) Arend Lijphart في كتابه «الديموقراطيَّة في المجتمعات التَّعدُّديَّة: استكشاف مقارن». يوضح ليبهارت كيف يمكن لهذه المجتمعات أن تتجنَّب تأبيدَ الصِّراع فيما بينها على السُّلطة وتنأى عن حكْم الأكثريَّة من خلال إرساء منظومة تَعاون بين نُخب المكونِّات المختلفة وقياداتها. وقد وضع معاييرَ أربعة لتحديد مفهوم «الديموقراطيَّة التوافقيَّة» بطريقة عمليَّة. أُوْلاها وأَهمُّها: «ائتلافٌ واسع» يضمن مشاركة ممثلي كافَّة المجموعات الأساسيَّة في السُّلطة التنفيذيَّة؛ ثانيها: «حقّ النَّقْض المتبادَل» (الڤيتو)، ما يعطي الأقلِّيَّات حقّ الاعتراض لحماية مصالحها الحيويَّة ضدَّ تغوُّل الأغلبيَّة؛ ثالثها: «التَّمثيل النِّسبيّ» ما يؤمِّن توزيعاً أعدلَ في المقاعد والمناصب والموارد؛ ورابعها: «الاستقلاليَّة القِطاعيَّة والفدراليَّة» (Segmental Autonomy & Federalism) الأمر الذي يمنح كل مجموعة حقّ وفرصة إدارة شؤونها الماليَّة والثقافيَّة والتعليميَّة والإجتماعيَّة والإنمائيَّة الخاصَّة.

 

يلاحَظ أنَّ النَّظام السِّياسيّ في لبنان يطبِّق بعضاً من هذه المبادئ والمعايير، كالاعتراف الدُّستوريّ بالتَّعَدُّديَّة (بوبر/ ليڤيناس)، وحقّ النَّقْض للأقلِّيَّات (رولز). لكنَّه يفشل في تطبيق مبدأين جوهريِّيَن آخرَيْن: الأول هو التوزيع العموديّ الفعليّ للسُّلطة (مونتسكيو)، إذ إنَّ النّظام شديد المركزيَّة وتديره "نُخب" طائفيَّة واقتصاديَّة/ماليَّة مترابطة ومتداخلة المصالح، مع غياب الاستقلاليَّة القِطاعيَّة وعدم وجود أقاليم ذات سيادة تشريعيَّة وماليَّة وقانونيَّة. أما الثاني فانعدام المساءلة الدُّستوريَّة (كانط)، إذ إنَّ الزَّعامات والقيادات تستمدّ شرعيَّتها من ادِّعاء حصريَّة تمثيلها لطوائفها، لا من قوَّة سيادة الدُّستور وحكْم القانون.

 

رأي

إيلي بو حرب

الفدراليَّة: هل هي أَسمى الأنظمة الدِّيموقراطيَّة؟ (1 من 3)

كيف تعزِّز الفدراليَّة حقوق الإنسان والعدالة في المجتمعات التعدُّديَّة؟ بحثٌ على ضوء آراء بعض الفلاسفة، يتضمَّن مقارنة مع الأنظمة الشُّموليَّة.

 

الإخفاقات البنيويَّة

 

ما مِن مراقب أو باحث جادّ ورصين يمكنه إنكار ما تشوبُ النِّظام السِّياسيّ القائم في لبنان من أعطاب بنيويَّة وعلل جوهريَّة، والتي يمكن تلخيص بعضها كالتالي: انقساماتٌ سياسيَّة حادَّة - نظراً لتعدُّد السَّرديَّات الوطنيَّة لحدّ التَّضادّ والاختلاف - غالباً ما تتحوَّل إلى انقساماتٍ طائفيَّة أكثر حدَّة؛ جمود الصِّيغ التي لطالما أظهرتْ أنها عصيَّةٌ على كل محاولات التطوير كما وأثبتتْ عدمَ قدرتها في الاستجابة لتطوُّر المجتمعات اللبنانيَّة؛ جنوح المكوِّنات اللُّبنانيَّة، كلٌّ في فورة شعوره بفائض قوَّةٍ ما، لاختزال الآخرين وفرض رؤاه في "الخيارات الوطنيَّة" تحقيقاً لأهادفه الخاصَّة؛ "وجوب" التدخُّلات والوصايات الإقليميَّة والدوليَّة متى اشتدَّتْ العراكات الداخليَّة وأصاب الشلَّلُ المؤسَّسات الدستوريَّة (انتخابات رئاسة الجمهوريَّة، تسمية رؤساس الحكومات، تشكيل الحكومات، إلخ...) ؛ وأخيراً وليس آخراً ارتهان العديد من اللَّاعبين المحلِّيِّين لمحاورَ خارجيَّة، ما يؤدِّي إلى تأجيج الصِّراعات واستغلال الانقسام الطّائفيّ بشكلٍ شبه متواصل.

 

بذلك تبرهن الحالة اللُّبنانيَّة أنَّ الاعتراف بالتَّعدُّديَّة من دون توزيع عادل للسُّلطة، ومن دون بناء ثقافة مواطَنة (ما يُسمّيه بوبر «الأنا–أنتَ» بين المجتمعات) تقوم على احترام الخصوصيَّات الثَّقافيَّة لكافة المكوِّنات - على أن تبني عليها وتسمو بها-، يتسبَّبان بما يدعوه ليبهارت «جمود التَّوافُقيَّة» (consociational inertia). أما الحلّ فيستدعي، على ضوء كانط ولوك ومونتسكيو، نقلةً إلى نظامٍ سياسيّ يجمع ما بين الاعتراف التَّوافقيّ الحاليّ - لئلَّا تطغى أكثريةٌ ما، قد تكون/تصبح مُركَّبة بفعل تقاطُع المصالح بين عدَّة أقلِّيَّات - ولا مَركزيَّة ماليَّة وتشريعيَّة وسياسيَّة، بالإضافة إلى تلك الإداريَّة، موَسَّعة (تَطبيقاً لمبدأ مونتسكيو في التّوزيع العموديّ).

 

ثانياً: ردود نقديَّة على الطرح الفدراليّ في واقعه اللُّبنانيّ

 

يذهب البعض إلى اعتبار أنَّ الحديثَ الدَّائم عن التعدُّديَّة الثقافيَّة-الحضاريَّة، وما يستتبعه من كلام عن السرديَّات المختلفة للمكوِّنات في لبنان، إنما يسعى لإدامة الانقسامات وتحويل الخصوصيَّات إلى هُويَّاتٍ سياسيَّة مُغلَقة. وبهذا، بحسب هذا البعض، تتعرَّض "وَحْدة البلاد" السياسيَّة والدستوريَّة للتشرذم والوهن والتفتُّت، فيستحيل عندئذٍ بناء هويَّة وطنية جامعة عابِرة للهُّويَّات الذَّاتية. كما يذهب البعض الآخر إلى الجزم بأنَّ تَكريس الطّائفة كأساسٍ للحقوق السِّياسيَّة يحوِّل الطّائفيّة من معطىً اجتماعيّ إلى هُوِّيَّة مقفلة على ذاتها، أسيرة هواجسها وتوجُّساتها. وقد رَأَيْنا في الحالة اللّبنانيَّة كيف يَنتج عن ذلك «جمود التَّوافُقيَّة».

 

والرّدُّ هو أنَّه ضمن نظام مبادئ ليڤيناس-بوبر فأنَّ حِفظ الغيريّّة لا يعني البتَّة تجميد الهُّويَّات، بل الاعتراف بأنَّ كلّ هُوِّيَّة مفتوحة وقابلة للتفاعل الديناميكيّ والتثاقف الحضاريّ الحرّ والمتبادَل، متى تأمَّنت لها جميعها أسبابُ الأمان والإطمئنان إلى حاضرها ومستقبلها.

 

والأهمّ، كيف لأيِّ نظامٍ سياسيّ مغلَق يقوم على إلغاء المميِّزات الخاصَّة، وهي غنىً متى أُعطيتْ حقَّ التَّعبير السِّلميّ والخلَّاق عن الذَّات؛ ويلجأ لكافة أساليب صهر الهوِّيَّات وتذويبها قسراً – إن لتغليب أكثريةٍ ما على أقليَّة أو عدَّة أقليات، أو لتأكيد هيمنة أقليَّةٍ ما على الآخرين؛ وتكون عنده حقوق الإنسان وكرامته خاضعةً للتجاذبات المستمرَّة؛ والبعض من مكوِّناته، بفعل منطق الاستقواء، لا يقيمُ وزناً لسيادة الدستور ولا تعنيه القوانين إذ يعتبر نفسه فوق أحكامها، كيف لهكذا نظام أن يعيبَ على أيِّ من المكوِّنات أو بعضها توقهَا للحريَّة والكرامة ولتوكيد ذاتها الجماعيَّة، وينفي عليها حقّها المقدَّس في اعتماد أساليب العيش التي تتوافق مع ثقافاتها ومبادئها وقناعاتها وطموحاتها؟

 

الفدراليَّة: هل هي أَسمى الأنظمة الدِّيموقراطيَّة؟ (2 من 3)

تحليل فلسفي لأفكار بوبر وليڤيناس حول الفدرالية كأساس أخلاقي وحواري للحكم والتعددية السياسية والعدالة في مواجهة التوتاليتارية.

 

خاتمة: نحوَ أنطولوجيا سياسيَّة للكرامة الإنسانيَّة

 

يمكننا الاستنتاج أنَّ الفدراليَّة، حين تُفهم في عمقها الفلسفيّ الكامل، ليست مجرَّد نمطٍ من أنماط النُّظُم السِّياسيَّة، وإنَّما التَّعبير المُؤَسَّسيّ الأنضج لمبدأين متلازمَين أشدّ التلازم: الكرامة الإنسانيَّة غير القابلة للمساوَمة (كانط)، والحوار بوصفه الشّكل الأوَّليّ لعلاقة الإنسان بالإنسان (بوبر/ ليڤيناس).

 

على أنَّ هذا الاستنتاج يستدعي التوضيح بأنَّ الفدراليَّة ليست تعويذةً تؤتي الحلول السحريَّة الآنيَّة وتقيم المجتمع الفاضل. فهي تستوجبُ بادئ الأمر سقفاً دستورياً عالمياً لاحترام حقوق الإنسان وكرامته، مع ضمان حسن التطبيق في الواقع لا في النصوص فقط؛ وثانياً مُواطَنةً تأتلفُ مع الهُّويَّات الجوْهريَّة - فلا تنفي حقيقتها، ولا تنكر ترسُّخها في واقع المجتمعات، ولا تقمعها - وذلك بهدف الحفاظ على القواسم المشتركة والدفع لأجل بناء مستقبل جامع وآمن للجميع؛ وثالثاً آليّاتِ تنسيقٍ فاعلة تشجِّع على التَّعاون واستكشاف فرص الإنماء المتبادل.

 

إنَ كلّ ما عاينَّاه وما زلنا نعاني منه في لبنان ما هو سوى توكيدٌ جليٌّ على ما سبق: فالاعتراف بالتَّعدُّديَّة من دون احترام الشُّروط الثَّلاثة أعلاه وعدم التقيُّد بها لطالما أدَّيا إلى جمودٍ قاتل وتبديد فرص نموّ جمَّة على ما شهدنا مرَّاتٍ متكرِّرة، مع كل رافقها من تعطيلٍ لحسن سَير المرفأ العام، وارتباك disruption في انتظام الحياة السِّياسيَّة جرَّاء شتى ضروب "المفاوضات" الابتزازيَّة التي كان الهدف الأوحد منها تحقيق بعض المكاسب الفئويَّة، تحت ذريعة التوافقيَّة. وكلُّها عوامل تسبَّبت بإلحاق أفدح الأضرار بمصالح المواطنين، ولم تزلْ.

 

في المقابل، تقوم الأنظمة الشُّموليَّة على الرفض الممنهَج لكلا المبدأَيْن: فهي تنْكر الكرامة بجعْلها الفردَ وسيلة، وتكبح الحوار بفرْضها الصوت الواحد بقوَّة عامل الترهيب وكمّ الأفواه، أو تفرغ كلَّ حوارٍ من معناه بما تعتمده من أساليب التسويف وإضاعة الوقت، وتلغي التَّعدُّديَّة بسعيها إلى التَّوحيد والصَّهر القَسْرِييَّن، وكلاهما يلغي التنوُّع والحقّ بالتمايز في الحياة، طُرقَ عيشٍ، وأنماطَ تفكير، وخَيارات.

 

إنَّ ما يجمع كلَّ فلسفات "حقوق الإنسان والكرامة الإنسانيَّة ومبادئ العدالة" التي مررنا عليها، على تعدُّد مقارباتها ومنهجيَّاتها، يكمن جوهرُها في أنَّها تنبذُ كلَّ منطق استئثار واستقواء وهيمنة. كما تشينُ كلَّ محاولةِ فرضٍ أكان بالقوَّة الغاصبة، أم توسُّل الخديعة، أو الاقتناص والمواربة، أو النِّفاق، وكلَّ أطياف الأساليب الملتوية وألوانها الحالكة. وهي بالأخصّ ترفض كلَّ أشكال العنف الماديّ أو المعنويّ، والترغيب والترهيب، وقضم حقوق الآخرين وافتئاتها. وعليه، من حيث إعلائها الإنسان كمبدأٍ أساس وقيمةٍ جوهريَّة بحدّ ذاته، فهي (هذه الفلسفات) تَعتبر أنَّ أيَّة مقاربة أو كلّ سياسة أو مسعى بهدف فرض أساليبَ حياة أو خياراتٍ ونُظُم سياسيَّة واجتماعيَّة وقانونيَّة وحقوقيَّة واجتماعيَّة تناقِض قناعات مَن تُراد أن تُفرض عليهم، وتعاكس طموحاتهم وتطلُّعاتهم، إنما يشكِّل تهديداً وجودياً، لا تحدياً سياسياً أو اجتماعياً فقط. وهذا ما يتعارض مع أبسط الحقوق الإنسانيَّة لهؤلاء المستهدَفين.

 

اسنتاجاً، كون الفدراليَّة - بالمعنى الفلسفيّ الكامل - هي النَّقيضُ البنيويّ لكلّ ذلك، فإنَّ ذلك يجعل منها أَسمى تجسيدٍ ممكنٍ ومتاح لفكرة الدَّيموقراطيَّة في المجتمعات المتعدِّدةِ المكوِّنات التي تُعلي مبادئ حقوق الإنسان وتحترم كرامتَه وحرِّيَّاته الجوهريَّة وتصونها وتذود عنها. وتَبقى الرّسالة الخاصّة لبوبر وليفيناس خير قائمةً: فالفدراليَّة لن يُكتبَ لها النجاح إلّا متى تأَسَّستْ على ثقافة الاحترام والحوار وتقبُّل غيريَّة الآخر وحقه بالتَّمايز، ثقافة ترى في الآخر المختلف شرطاً للوجود، لا تهديداً له.

 

في كلا الحالتين، ثمَّة قرارٌ يتوجَّب علينا اتِّخاذه: أفنبقى سُكنى العتاقة التي فينا ونجترّ الماضي بمآسيه وأوجاعه وظلاماته؟ أطبيعيٌّ أن يتحيّن حيث كلّ واحد دوره متوهِّماً اقتناص الفرص ومستقوياً بخارجٍ ما، ليغيِّر به وله المعادلة الداخليَّة، مع ما يستتبع الأمر من أثمانِ التبعيَّة والارتهان الباهظة؟ أم تُرانا نعقل ونتعقَّل، فنتعظّ من القول المأثور «إذا كان صدري ضيِّقاً، فماذا ينفعني وسعُ العالم؟». فلنجرؤ ولنخترْ مستقبلاً مِلؤهُ العدل والحقّ، الكرامة والسعادة، التعاون والثِّقة المتبادلة، والنُّموّ والازدهار. هذا ما يليقُ بنا جميعاً. وهذا ما نحن مدعوون، جميعُنا، لإعلاء بنيانه، سوياً.

 

 

*خبير لبناني في التواصل الاستراتيجي، عضو في تجمُّع " اتحاديون"

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق