نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
حين تستنفر السلطة جيشها خوفاً من شعبها - تواصل نيوز, اليوم الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 02:16 مساءً
نظام مير محمدي - كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني
ليس من السهل على أي نظام سياسي أن يعترف بأنه يخشى الشارع. لكن الخوف لا يحتاج دائماً إلى اعتراف رسمي؛ أحياناً تكشفه حركة القوات، وإلغاء الإجازات، وتكثيف الدوريات، والاستعداد لمواجهة احتجاج لم يبدأ بعد. وهذا تحديداً ما تبدو عليه الصورة في إيران اليوم.
فبحسب تقرير للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، وضعت السلطات قوات الجيش والحرس الثوري وميليشيات الباسيج وقوى الأمن الداخلي في حالة تأهب بنسبة 100 بالمئة حتى منتصف ليل 27 أيلول/سبتمبر، مع احتمال تمديد حالة الاستنفار تتبعاً للتطورات. كما تحدث التقرير عن حشد واسع للقوات في طهران، وتعزيز وحدات مكافحة الشغب، وزيادة الاعتماد على العناصر المسلحة بالزي المدني (المعروفين بـ "اللباس الشخصي" الموكل إليهم بطش القمع المباشر)، إلى جانب إجراءات أمنية مشددة لمواجهة احتمال اندلاع انتفاضة جديدة. وتبقى هذه التفاصيل، بما فيها الأرقام الواردة، منسوبة إلى التقرير المذكور ولم أجد لها تأكيداً مستقلاً كاملاً.
لكن بعيداً عن الأرقام، ثمة حقيقة سياسية أكثر أهمية: النظام يتصرف كما لو أن الخطر الأكثر إلحاحاً عليه لا يأتي من الخارج، وإنما من أحشاء الداخل الإيراني.
وهذه ليست مسألة تفصيلية؛ فإيران ليست دولة تفتقر إلى المؤسسات الأمنية. الحرس موجود، والباسيج العقائدي موجود، وأجهزة الاستخبارات متعددة الشرايين موجودة، وكلها تمتلك خبرة طويلة في التعامل مع الاحتجاجات. ومع ذلك، عندما تصل السلطة إلى مرحلة استنفار هذه المنظومة بأكملها، فإن ذلك يعكس مستوى مرتفعاً من الذعر الشديد تجاه أي تحرك شعبي محتمل.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الاحتجاج في إيران لم يعد ظاهرة هامشية أو موجة عابرة؛ فمن احتجاجات اقتصادية ومعيشية بدأت في مناطق مختلفة، إلى موجات أوسع حملت مطالب سياسية حاسمة بإسقاط النظام، ظل الشارع الإيراني قادراً على العودة إلى الواجهة كلما تراكمت الأزمات. وفي أيلول/سبتمبر، رافقت أزمة الوقود انتشاراً أمنياً مكثفاً في عدد من المدن، مع حضور مكثف للشرطة والوحدات الخاصة في الشوارع ومحطات الوقود. ويكتسب ذلك دلالة خاصة في بلد شهد سابقاً تحول احتجاجات الوقود إلى موجات عارمة تهدد أركان السلطة.
وفي الجهة الأخرى، يحاول النظام تقديم صورة مغايرة تماماً تروج للسيطرة والقوة عبر الاستعراضات والتعبئة. وفي هذا السياق، شهدت طهران في 18 أيلول/سبتمبر تعبئة واسعة ومسرحية استعراضية لما يُسمى استعراض تشكيلات "جانفدايان" (أو كتائب الفداء). وهي تشكيلات استعراضية شُكلت بهندسة ودعم مباشر من مجتبی خامنئي، نجل المرشد، في محاولة لاستعراض النفوذ وإيجاد حالة من الرعب النفسي في صفوف المجتمع لمنع تشكل أي انتفاضة شعبية، ولتوجيه رسائل للداخل قبل الخارج بأن مراكز القوة أعدت العدة لقمع أي تحرك.
لكن المفارقة هنا صارخة؛ فكلما احتاج النظام إلى إظهار المزيد من مظاهر القوة والترهيب، ازدادت أهمية السؤال عن سبب حاجته الهستيرية إليها.
فالمشكلة ليست في قدرة السلطة على نشر القوات في الأزقة والشوارع؛ فهي قادرة على ذلك. والمشكلة ليست في قدرتها على اعتقال المحتجين أو تفريق التجمعات؛ فقد فعلت ذلك مراراً.
المشكلة تكمن في مكان آخر: هل تستطيع هذه الإجراءات الأمنية أن تعالج الأسباب الجذرية التي تدفع الناس إلى الاحتجاج؟
هنا لا تكفي البنادق؛ فالاقتصاد المتداعي لا يستجيب للدوريات الأمنية، والأسعار الملتهبة لا تنخفض بأوامر الحرس الثوري، والأزمات الاجتماعية المستفحلة لا تختفي بسبب انتشار عناصر الباسيج في التقاطعات. إن السلطة تستطيع أن تفرض الصمت بالحديد والنار، لكنها لا تستطيع أبداً أن تجعل هذا الصمت قبولا أو استقراراً.
ولهذا فإن حالة التأهب الحالية تستحق القراءة من زاوية مختلفة. إنها ليست فقط استعداداً لمواجهة احتجاج محتمل؛ إنها رسالة تكشف حجم القلق العميق الذي توليه السلطة لاحتمال أن يتحول السخط المتراكم إلى حركة جماعية عارمة يصعب احتواؤها. فالخوف الحقيقي ليس من تجمع محدد في شارع ما، بل الخوف من أن يكتشف الشارع أنه ليس وحده، ومن أن تنتقل الشرارة من مدينة إلى أخرى، ومن مطلب معيشي إلى مطلب سياسي يطالب بالتغيير الشامل.
وعندها يصبح السؤال مختلفاً تماماً: لن يكون السؤال كم جندياً يستطيع النظام أن ينشر في طهران؟ بل: كم جندياً يحتاج النظام لكي يبقى قادراً على الوقوف في وجه شعبه بكامله؟
وهنا تكمن المفارقة التي يصعب على الاستعراضات العسكرية والمناورات الأمنية إخفاؤها: عندما تتحول المدن إلى ثكنات مراقبة، وتتحول الإجازات إلى أوامر استنفار، ويصبح احتمال الاحتجاج سبباً لحشد كل هذه القوة، فإن السلطة لا تكون قد أثبتت قدرتها على القمع فحسب؛ إنها تكون قد كشفت أيضاً عن عمق القلق والارتباك اللذين يعيشان في قلب مركز القرار.
إن النظام يستطيع أن يؤجل لحظة المواجهة الفاصلة، لكنه لا يستطيع، بالقوة وحدها، أن يلغي السؤال المصيري الذي يتردد في المجتمع إيراني: إلى متى يمكن أن يبقى نظام الحكم قائماً على الخوف وحده؟












0 تعليق