نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
عبد الإله بلقزيز في"الثّقافة والنّقد الثّقافي"... إشكال الحداثة الذي لا يزال راهناً - تواصل نيوز, اليوم الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 08:49 مساءً
انطلاقاً من رؤيةٍ أيديولوجية تؤكد التلازم بين الحداثة والعقلانية والفلسفة والنقد الثقافي، يطرح عبد الإله بلقزيز في"الحداثة والنقد الثقافي، قراءة في التقليد والعلاقة بالغرب" دار الساقي 2026، قراءةً نقدية لمفاهيم الخطاب الثقافي في الفكر الأيديولوجي العربي منذ ثمانينيات القرن الماضي إلى الآن. فأرسى التقاليد المعرفية التي أعادت إليها الحداثة محياها، في رأيه، هي النقد، حتى أن اندفاعة بداياتها فكرياً تظهّرت في ميلاد فلسفاتٍ نقدية مع كانط ثم هيغل وبعدهما مع ماركس ونيتشه.
ولم تفعل الحداثة سوى عين ما فعلته الفلسفة، فلقد حرّرت المعرفة من قيود منظومات المعرفة التقليدية، وأرست أساسات لمعرفةٍ جديدة قائمة على قيم العقلانية والنسبية في التفكير، وعلى الروح العلمية التجريبية.
وأخضعت حتى نفسها ومنظومتها الفكرية والاجتماعية كنقد طاول كل شيء من دون أن تنزلق إلى نظرة ثقافوية تغلو الغلو الشديد في إيلاء العوامل الثقافية أدواراً تجاوز نطاقات إمكانها.
عبدالاله بلقزيز (انستغرام)
يحدد المؤلف الحداثة في مقابل نقيضها التقليد، إذ من دون نقد التقليد لا قيامة لها البتة. وإذا كان بعض الأقلام المعادية للحداثة في العالم العربي قد درج على اعتبار الحداثة منتجاً برّانياً غربي المنشأ، وأن لا مشروعية لتوطينها في نسيجنا الداخلي أو في إطار تقاليدنا الحضارية، فإنه على الضدّ من ذلك يرى أن الحداثة منتج إنساني تولّد من تاريخ مديد من التراكم الفكري في المدنية الأوروبية الحديثة، تلقّتها أمم ومجتمعات أخرى غير غربية سرعان ما اغتنت بخبرات جديدة، وتوطّنت بقيمٍ أخرى ولم يعد بالإمكان النظر إليها باعتبارها منتجاً غربياً حصراً.
لكن الحداثة، وهنا أصل الإشكال، وصلتنا ونحن في حال من التقليد، من طريق الغزو العسكري والاحتلال الاستيطاني، ما طرح نظريتين متقابلتين متناقضتين إلى الآخر الأوروبي. أوروبا الغزو والاستعمار وأوروبا التقدم والحداثة.
الحداثة في رأي المؤلف، رؤية جديدة إلى العالم والمجتمع والعلاقات الإنسانية والمعارف والأنظمة والمؤسسات انبثقت مع فجر الأزمنة الحديثة، وهي بذلك منظومة جديدة من التفكير والإدراك لمعنى الوجود والقيم الحضارية، على علاقة بالفتوحات الكبرى التي شهدت عليها أوروبا منذ القرن السادس عشر، من قبيل النهضة، الإصلاح الديني، الثورة العلمية، الثورة الصناعية، الوحدات القومية، الدولة الوطنية.
وقد أعلت من سلطان العقل والتفكير العقلاني في الدين والسياسة والاقتصاد والدولة الوطنية والعلاقات بين الأمم والدول، وذهبت في منحاها النقدي إلى حد مراجعة يقينياتها باستمرار، حتى اعتقد كثيرون نقد كانط للعقل أو نقد هيغل للأنوار أو نقد ماركس للرأسمال ونيتشه للأخلاق، أن الحداثة استنفدت دورها التاريخي وانتهت، وأننا في حقبة جديدة، حقبة ما بعد الحداثة، من دون أن يدرك هؤلاء أن الحداثة ثورة دائمة متجددة ومشروع مفتوح، وأن ما بعد الحداثة ليس سوى مرحلة من مراحل الحداثة. كما أن الغربيين، على الضد من نقاد الحداثة عندنا، يمارسون نقدهم للحداثة في بيئة مؤاتية تشبّعت بعقلها وإنجازاتها، وأنهم يفعلون ذلك من منطلق الشعور بأنهم جزء من مسيرة الحراك الحداثي بينما يتحدّث تلامذتهم العرب من فراغ، إلا من زاد ما بعد الحداثيين في الغرب.
كتاب عبدالاله بلقزيز في الحداثة والنقد الثقافي، قراءة في التقليد والعلاقة بالغرب (انستغرام)
فلنتقدم أولاً في اكتساب قيم الحداثة، ومبادئها وتوطينها في ثقافتنا ومجتمعاتنا العربية، لنكرّس العقل والعقلانية والروح النقدي، والنظرة التاريخية إلى العالم والأشياء، والنظرة العلمية إلى الظواهر، ولنبن الدولة الوطنية الحديثة، والاقتصاد العقلاني المنتج، ولننتج العلم والمعارف والتقانة، ولتصبح هذه المكتسبات ثقافة عامة عندنا، حينها أهلاً وسهلاً بما بعد الحداثة ونقدها.
تحيل إشكالية الحداثة عند المؤلف إلى إشكالية التقليد واختلاطها بإشكالية الماضي والترابط الإشكالي بينهما وبين الحداثة والنقد الحداثي. يشير التقليد في رأيه إلى أثرٍ مادي أو لا مادي تحقق في الماضي، ولكن كل قديم لا يكون تقليداً إلا متى أعيد إحياؤه ونسج على صورته وبات نموذجاً يحتذى. وإذا كان شائعاً استخدامهما مترادفين لاشتراكهما معاً في سمةٍ جامعة هي الركود، إلا أن علاقة التقليد بالحاضر علاقة مكينة، وهو منتج من منتجاته.
لكن نقد التقليد والماضوية، وكيل المدائح للغرب والموقف العدائي حيال الأنا الحضارية العربية الإسلامية، من المسائل المرفوضة في رأي بلقزيز، كذلك تقديس التراث والنأي به عن كل مساءلة علمية. فالتراث ميراث ثمين، إلا أنه يحتاج منا إعادة قراءته من جديد في ضوء ما تنتجه الموارد المعرفية الجديدة.
نخرج من كتاب عبد الإله بلقزيز برؤيةٍ نقدية شاملة، مع انحيازها إلى الحداثة، ترى في الوقت نفسه ما في التراث من أصالة وغنى، وتعترف للغرب بإنجازاته غير المسبوقة في العلوم والسياسة والاقتصاد والفن، من دون أن تغفل صورته القاتمة لدى الأصوليين بوصفه موطن الغزوات البربرية لعالم العروبة والإسلام. فالغرب في رأي المؤلف هو الشيء ونقيضه في آن واحد، وهو ليس هوية واحدة مغلقة، كما يقدمه الخطابان الحداثوي والأصولي، بل هو منطوٍ على تناقضات في تكوينه واشتغاله وتطوره، وفي علاقته بتاريخه الخاص.
إذ ننوّه ختاماً بإيلاء المؤلف ما للثقافي من دور في الحراك السياسي والاجتماعي، من دون أن ينزلق إلى النظرة الثقافوية التي تغالي في دور العامل الثقافي في حركة التاريخ وسيرورته، إلا أننا مع تقديرنا لما انطوى عليه الكتاب من مساهمة في تجذير فكر الحداثة في الثقافة العربية، لا نتفق مع المؤلف في قوله "لم يقوَ الفكر العربي على تبين وجه التعدّد والازدواج في الغرب إلا لماماً"، فالفكر العربي أدرك هذين الأمرين التعدّد والازدواج منذ بداياته النهضوية مع رفاعة الطهطاوي وبطرس البستاني وفارس الشدياق وفرنسيس المرّاش وفرح أنطون وأمين الريحاني.
فقد أبدى هؤلاء وسواهم إعجابهم بالتمدّن الغربي والحضارة الغربية، ودانوا في الوقت نفسه انحرافات الغرب عن القيم والمبادئ التي بشّر بها والجرائم التي ألحقها استعماره بأمم العالم وشعوبه، والمظالم التي عانتها طبقاته الدنيا وفقراؤه حتى في أغنى بلدانه وأكثرها تقدماً وثراءً.










0 تعليق