كم تساوي بيروت؟ - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
كم تساوي بيروت؟ - تواصل نيوز, اليوم الأربعاء 7 أكتوبر 2026 01:16 مساءً

فرح ابراهيم عيسى

 

 

 

حين أسأل كم تساوي بيروت؟ قد يتبادر إلى ذهن القارئ أنني أبحث في أسعار عقاراتها أو إلى سعر متر مربع أو إلى سعر شقة مطلة على البحر. لكن عاصمتنا لا تختصرها أي بورصة. أسعار بيروت ترتفع فيصعب على الموظف وصوله حتى إلى عمله، وتضيق قدرة صاحب متجر على الاستمرار، وتنكسر امرأة تعود من مدرسة ولدها إلى بيتها وفي يدها ما تبقى لها مما استلفته لتغطية قسط مدرسي، ويلهو الأطفال بين زجاج سيارة من هنا وعلب المحارم من هناك وباقات ورود وصلت النهار بالليل مبقية على لونها الأحمر حتى مال إلى الأسود الداكن، إنّ قيمة العاصمة لا تُقاس بأمتار بل بما تتيحه للناس، وبقدرتها على تحويل مواردها إلى خدمة وفرصة وكرامة لشعبها. ومن هنا، يجب أن تبدأ مسؤولية من يتصدّى لشأنها.
ازداد الحديث في العقود الأخيرة عن البحر، والأملاك العامة، والشوارع، والمباني التراثية، والمساحات المشتركة، وكلها أصول ملموسة، حتى اسم المدينة، وذاكرتها، وجامعاتها، ومؤسساتها الثقافية، وخبرات أهلها، وعلاقاتهم بالعالم، فهي رصيد تتجاوز قيمته حدود الأرض والحجر إلا أنه لا ينتج ازدهاراً تلقائياً بل يحتاج إلى إدارة تعرف ماذا تملك، وكيف تحميه، وأين تستثمر فيه، ولمن يعود مردوده. من خبرتي في إدارة الأعمال، أعرف أنّ امتلاك موارد ثمينة لا يكفي لنجاح مؤسسة وإن امتلكت هذه الأخيرة موقعاً ممتازاً، وفريقاً كفوءاً، واسماً موثوقاً، ثم تخسر لأنّ قراراتها مشتتة، وأولوياتها غامضة، ولا أحد يقيس النتائج. وفي إدارة المدينة، تصبح كلفة هذا الخلل أوسع: يدفعها الموظف من وقته، وصاحب المتجر من دخله، والشاب من فرصته، والعائلة من قدرتها على الاستقرار.
أما الغلاء الفاحش فيطرح على بيروت سؤالاً أخلاقياً وإدارياً: لمن هذه المدينة؟ هل تبقى مدينة لأهلها، بمختلف مداخيلهم ومهنهم وأعمارهم، أم يصبح العيش فيها مشروطاً بقدرة مالية تستبعد كثيرين إذ لا يمكن الاحتفاء بمطعم جديد أو مشروع فاخر من دون النظر إلى العائلة التي تضيق خياراتها في الشارع نفسه، فازدهار المدينة يجب أن يظهر أيضاً في قدرة سكانها على تأمين أساسياتهم والعيش بكرامة. حين يذهب معظم الدخل إلى السكن والطعام والفواتير والتنقّل، يصبح الغلاء أكثر من مشكلة شرائية وتضيق حرية الإنسان، ويغيّر علاقته بمدينته. العمل الذي كان يفتح باباً للتقدّم يصبح وسيلة للحاق بالمصاريف، والبيت يتحوّل من مساحة أمان إلى مصدر قلق، والقرار بإنجاب طفل أو متابعة دراسة أو تأسيس مشروع يتأجّل. هكذا تخسر المدينة شيئاً من مستقبلها مع كلّ فرصة يعجز أهلها عن تحمّل كلفتها. وأخطر ما يمكن أن نفعله هو اعتبار هذا الواقع طبيعياً، أو تقديمه دليلاً على جاذبية بيروت فارتفاع الأسعار لا يثبت أي نجاح اقتصادي. قد تكون المدينة غالية فيما سكانها أقلّ قدرة على الاستهلاك والادخار والاستثمار، وقد تبدو واجهاتها مزدهرة فيما تتراجع الحياة خلفها، وبالتالي فإنّ المعيار الذي أتمسّك به واضح: هل يستطيع من يعمل في بيروت أن يعيش فيها، ويستفيد من خدماتها، ويخطّط لغده؟.
أما عن الكلفة التي نضيفها إلى الناس بسبب سوء الإدارة: وقت ضائع في المعاملات، وتنقّل غير ضروري، ومرافق تحتاج إلى صيانة، وخدمات يضطرّ السكان إلى شراء بدائل عنها، والشح في استخدام التكنولوجيا في المعاملات البديهية وغيرها. ولا بد من تحسين هنا علّه يخفّف عبئاً عن الأسرة والمؤسسة. وأرى ضرورة لتعاون منظّم يسهّل وصول المستهلك إلى معلومات واضحة عن الأسعار، وإلى قنوات فعّالة للشكاوى والمتابعة لدى الجهات المعنية. إعلان السعر قبل الشراء، ووضوح الفاتورة، وإمكانية مقارنة الخيارات، أمور تحمي الثقة وتساعد السوق على العمل بصورة أفضل. الرقابة الجادّة تحتاج إلى معايير وأدلة وإجراءات، حتى تحمي المستهلك من التجاوزات، وتحمي التاجر الملتزم من منافسة تستفيد من الغموض وغياب المحاسبة. أما السكن، فيجب أن يحتلّ مكاناً أساسياً في أيّ رؤية لبيروت. لا أقبل أن يُناقَش تطوير الأحياء بمعزل عن قدرة سكانها على البقاء فيها. نحتاج إلى معرفة أدقّ بكلفة السكن وحاجاته، وإلى نقاش مسؤول مع الجهات المعنية والمالكين والمستأجرين حول الخيارات الممكنة. وأيّ استثمار يستفيد من موارد عامة يجب أن يُقيَّم أيضاً بما يضيفه إلى حياة الناس، وإلى فرصهم في الاستقرار.
هذا يتطلّب إدارة تسمع ما وراء عبارة "لم نعد نستطيع». تسمع الموظف، والمتقاعد، وصاحب المتجر، والشاب الذي يفكّر في الرحيل، والعائلة التي تتخلّى تدريجياً عن حاجاتها. ثم تحوّل هذا الإصغاء إلى أولويات ومواعيد ومسؤوليات ونتائج معلنة. أريد أن يُسأل عن أثر كلّ قرار: هل يخفّف كلفة؟ هل يحسّن خدمة؟ هل يحفظ فرصة عمل؟ وهل تصل منفعته إلى من يحتاجها فعلاً؟ فالمدينة التي تريد الاحتفاظ بكفاءاتها تحتاج إلى أن تمنحهم أسباباً للبقاء، تبدأ من التوازن بين ما يكسبونه وما يدفعونه كلّ شهر.
كم تساوي بيروت، إذن؟ لا أريدها مدينة يستطيع الزائر شراء لحظاتها الجميلة، فيما يعجز أهلها عن شراء يوم عادي فيها. أريدها عاصمة يثمر فيها العمل، ويحفظ السكن الاستقرار، وتمنح المساحات العامة الناس حقّ اللقاء. مواجهة الغلاء الفاحش تبدأ بإرادة تجعل حياة السكان معياراً للحكم على النجاح. بيروت لا تحتاج إلى أن تصبح مدينة أغلى. بيروت تحتاج إلى أن تصبح مدينة أغنى بأهلها، وبقدرتهم على البقاء فيها.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق