نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
من 7 تشرين الأول 2023 إلى اليوم: شرقٌ أوسطٌ يُعاد تشكيله - تواصل نيوز, اليوم الأربعاء 7 أكتوبر 2026 01:56 مساءً
الدكتور عبّاس حيدر
من 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى اليوم، لم تعد المنطقة تعيش حرباً واحدة، ولا صراعاً يمكن اختزاله في جبهة أو حدود. ما جرى خلال السنوات الثلاث الماضية يشبه مساراً متدرّجاً لإعادة تشكيل الشرق الأوسط: حروبٌ تتبدّل عناوينها، اتفاقاتٌ تتقدّم وتتراجع، خرائط أمنية جديدة، وموازين قوى لم تستقرّ بعد.
كان 7 تشرين الأول 2023 نقطة الانفجار الكبرى التي فتحت الباب أمام حرب غزّة، ثم اتسعت دوائر الاشتباك لتشمل لبنان واليمن والعراق وسوريا، قبل أن تنتقل المواجهة بصورة مباشرة إلى العلاقة بين إسرائيل وإيران في حرب حزيران/يونيو 2025، ثم إلى الحرب الإقليمية الأوسع التي اندلعت في شباط/آذار 2026. وهكذا لم يعد السؤال متعلّقاً بمصير غزّة وحدها، بل بمستقبل منظومة الأمن الإقليمي بأكملها.
وفي 8 تشرين الأول/أكتوبر 2025 دخلت حرب غزّة مرحلة جديدة مع إعلان وقف إطلاق النار وبدء مسار سياسي تشارك فيه ترتيبات دوليّة وإقليميّة، من بينها "مجلس السلام" الذي أُنيط به دور في الإشراف على المرحلة الانتقالية وإعادة الإعمار. لكنّ الانتقال من وقف النار إلى السلام لا يزال مرتبطاً بأسئلة جوهرية: من يحكم غزّة؟ ما مستقبل السّلاح؟ ماذا عن الدولة الفلسطينية؟ ومن يملك ضمانات تنفيذ أي تسوية؟
هنا تحديداً تكمن المفارقة: فالمنطقة تنتقل من إدارة الحرب إلى إدارة ما بعد الحرب، لكن من دون أن تكون قد حسمت أسباب الحرب نفسها.
إيران والولايات المتحدة: صراع القوة وحدود التسوية:
حرب حزيران/يونيو 2025 بين إسرائيل وإيران كسرت، ولو مؤقّتاً، قاعدة الاشتباك غير المباشر. أمّا حرب 2026 فقد نقلت المواجهة إلى مستوى أكثر اتّساعاً، وأدخلت الخليج والممرّات البحرية والطّاقة في قلب المعادلة، فمضيق هرمز لم يعد مجرّد ممرّ بحريّ؛ أصبح ورقة استراتيجية في الصراع، فيما تحوّلت طرق البحر الأحمر وباب المندب إلى ساحات تتقاطع فيها الاعتبارات العسكرية والاقتصادية والأمنية. وفي الوقت الرّاهن، ورغم تحسّن جزء من حركة النفط عبر هرمز، لا تزال كلفة النقل والتأمين واضطرابات الإمداد مرتفعة، بينما يشهد باب المندب تطورات عسكرية جديدة مع تقدم القوات المدعومة سعودياً في جنوب غرب اليمن. وفي المقابل، برزت محاولات للعودة إلى الدبلوماسية، ومنها المسار الذي ارتبط بمذكرة تفاهم إسلام آباد، في محاولة لفتح نافذة تفاوض بين واشنطن وطهران حول الحرب والعقوبات والبرنامج النووي وأمن الملاحة. لكنّ الفجوة بين التفاوض على إنهاء الحرب والتوصّل إلى تسوية استراتيجية لا تزال واسعة، فهل تعود المنطقة إلى قواعد ما قبل 2023؟ أم أنّ الحرب صنعت وقائع جديدة تجعل أي تسوية مقبلة مختلفة جذرياً عن السابق؟
من هرمز إلى مكة: هل تتشكل منظومة أمن إقليمية جديدة؟
من أبرز التحوّلات التي تستحق التوقّف عندها بروز اتّفاق مكّة للدّفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، ثم الانتقال إلى مرحلة بناء آليات سياسية وعسكرية لتفعيل هذا الاتفاق. وقد انعقدت بالفعل اجتماعات للجان السياسية والدفاعية الثلاثية، في إشارة إلى أنّ الأمن الإقليمي لم يعد يُنظر إليه حصراً من بوابة التحالفات التقليدية، والمهم هنا ليس الاتفاق بذاته، بل الدلالة الاستراتيجية التي يحملها:
هل تتّجه المنطقة إلى الاعتماد على ترتيبات أمنية إقليمية تشارك فيها قوى إسلامية كبرى، بدل أن يبقى أمنها مرتهناً بالكامل للمظلة الأميركية؟، لا يزال من المبكر إعطاء جواب نهائي، لكنّ المؤشّرات تقول إنّ دول المنطقة بدأت تبحث عن صيغ أكثر استقلالية في إدارة أمنها، خصوصاً في ظل اتساع نطاق المخاطر من الخليج إلى البحر الأحمر.
لبنان: من ساحة صراع إلى اختبار للدولة
وفي قلب هذه التحولات يقف لبنان. منذ 2 آذار/مارس 2026 دخل لبنان مرحلة عسكرية جديدة، أعادت فتح ملف الجنوب والاحتلال والنزوح والحدود والسيادة، وأنتجت أزمة إنسانية واسعة. وقد أدّت الأعمال العدائية إلى نزوح أكثر من مليون شخص في ذروة الأزمة، قبل أن تبدأ حركة عودة تدريجية بعد وقف إطلاق النار والإطار الثلاثي. ثم جاء الإطار الثلاثي في 26 حزيران/يونيو 2026 بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، ليضع مساراً يقوم على استعادة الدولة اللبنانية سلطتها على كامل أراضيها، ونزع سلاح الجماعات غير الحكومية وفق آلية متدرّجة، مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي اللبنانية.
وهنا تظهر المسألة اللبنانية الأكثر حساسية: هل يستطيع لبنان تحويل وقف الحرب إلى فرصة لبناء دولة قادرة على حماية حدودها ومواطنيها وسيادتها؟ فالانسحاب الإسرائيلي وحده لا يكفي، كما أنّ معالجة مسألة السلاح وحدها لا تكفي. المطلوب هو معادلة متكاملة: سيادة، أمن، حماية، إعمار، وعودة آمنة للناس إلى أرضهم، وهذا تحديداً ما يجعل الجنوب أكثر من مجرّد جغرافيا حدودية؛ إنّه الاختبار العملي لقدرة الدولة اللبنانية على استعادة دورها.
اليونيفيل… نهاية مهمة أم بداية مسؤولية؟
قرار مجلس الأمن 2790 جعل 31 كانون الأول/ديسمبر 2026 نهاية ولاية اليونيفيل بصيغتها الحالية، على أن يبدأ بعدها الانسحاب المنظّم خلال عام 2027. وفي الوقت نفسه، شدّد القرار على تنفيذ القرار 1701، وعلى انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، وعلى أن تصبح الحكومة اللبنانية الجهة الوحيدة المسؤولة عن الأمن في الجنوب، وهذه محطة شديدة الدلالة، فالمغادرة المنتظرة لليونيفيل لا ينبغي أن تُقرأ فقط باعتبارها نهاية مهمّة أممية استمرت عقوداً، بل باعتبارها اختباراً جديداً للدولة اللبنانية، من يحمي الحدود؟
من يراقب وقف الأعمال العدائية؟، من يمنع العودة إلى الحرب؟، ومن يضمن ألا يتحوّل الفراغ الأمني إلى فرصة لاستئناف الصراع؟ هذه الأسئلة ليست تقنية، بل سياسية وسيادية بامتياز.
27 تشرين الأول/أكتوبر و3 تشرين الثاني/نوفمبر: السياسة الداخلية في قلب الصراع الإقليمي
ولا يمكن فصل كل ذلك عن الانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول والانتخابات النصفيّة الأميركية في 3 تشرين الثاني/نوفمبر.
فالانتخابات الإسرائيلية تأتي في ظل سنوات من الحرب على غزّة، والمواجهة مع إيران، والصراع على مستقبل الأمن الإسرائيلي، فيما تدخل الولايات المتحدة انتخاباتها النصفية وسط تداعيات اقتصادية وأمنية مباشرة للحرب الإقليمية، ولا سيما أسعار الطاقة وحركة التجارة، لكنّ الحذر ضروري هنا: الانتخابات لا تعني بالضرورة أنّ مسار المنطقة سيتغيّر تلقائياً بتغيّر النتائج. فهناك مؤسسات عسكرية وأمنية، ووقائع ميدانية، وتحالفات دولية، ومصالح اقتصادية، واتفاقات أصبحت جزءاً من بنية المشهد. لذلك، فإنّ ما سيهم ليس فقط من يفوز، بل أيّ اتجاه سياسي سيصبح أكثر قدرة على التّأثير في القرار المتعلّق بالحرب والتّسوية.
لبنان أمام لحظة تاريخية:
وسط كل هذه التّحولات، يبدو لبنان أمام مفترق طرق. فالمنطقة تتّجه تدريجياً من مرحلة "الجبهات المفتوحة" إلى مرحلة "ترتيب الجبهات". وهذا التّحول قد يكون فرصة، وقد يكون خطراً. فالفرصة تكمن في أن تتحوّل الحرب إلى مسار سياسي يعيد تثبيت الحدود والسيادة ويتيح للنّازحين العودة وللجنوب أن يبدأ رحلة إعادة الإعمار، أمّا الخطر، فهو أن تتحوّل التّسويات الإقليمية إلى صفقات تُرسم خارج لبنان، بينما يجد اللبناني نفسه أمام نتائجها من دون أن يكون شريكاً فعلياً في صياغتها. من هنا، فإنّ المصلحة اللبنانية لا تختصر في اختيار محور على حساب محور، ولا في انتظار انتصار طرف على آخر، بل في تحويل اللحظة الإقليمية إلى لحظة لبنانيّة: دولةٌ قوية، جيشٌ قادر، سيادةٌ كاملة، حدودٌ مصانة، وقرارٌ وطني يحمي لبنان من أن يكون ساحةً دائمة لصراعات الآخرين.
فإذا كان الشرق الأوسط يعيد ترتيب أمنه، وإذا كانت القوى الكبرى تعيد حساباتها، وإذا كانت خرائط التّحالفات تتبدّل من هرمز إلى البحر الأحمر ومن طهران إلى تل أبيب وواشنطن، فإنّ على لبنان أن يطرح السؤال الخاص به: أي لبنان نريد أن يخرج من هذه الحرب؟ لبنان السّاحة؟ أم لبنان الدولة؟
فاللحظة الرّاهنة، بكل ما تحمله من مخاطر، قد تكون أيضاً لحظة انتقال من منطق إدارة الصراع إلى منطق بناء الدولة. وهنا تحديداً تُقاس قيمة أيّ اتّفاق، وأيّ هدنة، وأيّ انسحاب، وأيّ تسوية: بما تتركه للبنان من سيادة، وللجنوب من أمان، وللإنسان من حقّ في العودة والعيش الكريم.











0 تعليق