نرجسيّة الفوارق الهويّاتيّة الصغيرة - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
نرجسيّة الفوارق الهويّاتيّة الصغيرة - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 9 أكتوبر 2026 04:16 مساءً

الأب صلاح أبوجوده اليسوعي
"هي نظرتُنا التي تحبس الآخرين غالباً في أضيق حدود انتماءاتهم، وهي نظرتنا أيضًا التي يمكنها أن تحرّرهم" (أمين معلوف، الهويّات القاتلة).

 

بحسب سيغموند فرويد، تشير "نرجسيّة الفوارق الصغيرة" إلى الآليّة التي تُولي بموجبها جماعاتٌ متشابهة في أمور كثيرة أهميّةً استثنائيّة للفوارق التي تميّز بعضها عن بعض، وقد تبالغ في تضخيمها لتأكيد هويّتها الخاصّة. ويمكن أن تتحوّل هذه المبالغة إلى مصدر تنافس، بل إلى تغذية مشاعر العداء بين جماعات لا تفصل بينها، في الأصل، سوى فوارق محدودة.

 

ويمكن ملاحظة هذه الآليّة في لبنان داخل المؤسّسات التربويّة ذات الطابع الدينيّ. ففي إطار الطائفة الواحدة، مسيحيّةً كانت أو إسلاميّة، تميل مؤسّسات تربويّة تنطلق من عقيدة دينيّة واحدة وفلسفات تربويّة متقاربة إلى التشديد على خصوصيّاتها وإبراز ما يميّزها بعضها عن بعض. وهذه النزعة لا تكتفي بتعميق الفوارق بين تلك المؤسّسات، بل قد تُسهم أيضًا في ترسيخ روح التنافس القائمة أصلًا بينها.

 

ومن دون التقليل من إسهامات هذه المؤسّسات في تكوين التلامذة والطلاّب في لبنان، فإنّ الغاية من هذا المقال تتجاوز الإشارة إلى هذا التنافس، لتطرح سؤالًا أعمق عن أثر المبالغة في تأكيد الهويّات الخاصّة. أفلا يُخشى، من جهة، أن يؤدّي ذلك إلى تهميش القيم الروحيّة والأخلاقيّة التي تسعى هذه المؤسّسات إلى نقلها إلى التلامذة والطلاّب؟ ومن جهة ثانية، ألا يمكن أن يؤثّر سلبًا في رسالتها الوطنيّة التي يُفترض بها أن تتجاوز الانتماءات الطائفيّة التي تميّزها؟

 

في ما يتّصل بالسؤال الأوّل، يبرز هذا الخطر عندما تولي مؤسّسةٌ ما أهميّةً مفرطة للخصائص التي تميّزها عن مؤسّسات أخرى تشاركها القيم نفسها. فقد يقود هذا النهج إلى تقديم الانتماء إلى المؤسّسة على الالتزام بالقيم التي يُفترض بها أن تنقلها. وهكذا، يتحوّل ما كان ينبغي أن يُسهم في استبطان قيم تساعد الشخص على النموّ والازدهار إلى أداة لتأكيد هويّة المؤسّسة، فيتلقّى التلامذة والطلاّب، بل أفراد الهيئة التربويّة والإداريّة أيضًا، هذه القيم من خلال منظور الهويّة المؤسّسيّة أكثر ممّا يتلقّونها في بعدها الروحيّ والأخلاقيّ والإنسانيّ الشامل.

 

ويتفاقم هذا الخطر حين يدفع التنافس بين مؤسّسات الطائفة الواحدة إلى تحويل الخصوصيّات إلى علامات تمايز. ففي سعيها إلى إبراز اختلافها، قد تصرف المؤسّسة الانتباه عن القيم المشتركة التي تقع عليها مسؤوليّة نقلها، فيتشوّش معناها ويضعف بُعدها التربويّ. والأدهى من ذلك أنّ هذه الديناميّة قد تعزّز مفهومًا للانتماء يقوم بدرجة أقلّ على الالتزام بتراث مشترك من القيم، وبدرجة أكبر على التمايز عن المؤسّسات الأخرى التي تتشارك معها هذا التراث.

 

أمّا في ما يتّصل بالسؤال الثاني، ففي بلد يقوم بناؤه على النظام الطائفيّ، تشكّل المدرسة والجامعة فضاءين مميّزين يمكن أن ينتقل فيهما الفرد من منطق الانتماء الطائفيّ إلى مفهوم للمواطنة يقوم على الاعتراف بالآخر بوصفه مواطنًا شريكًا، بمعزل عن انتمائه الدينيّ. ففي هذه الأوساط تحديدًا، يستطيع التلامذة والطلاّب أن يتعلّموا أن يروا في الآخر، قبل كلّ شيء، شخصًا فريدًا ومواطنًا، بصرف النظر عن طائفته، وأن يتمرّسوا على التفكير في الخير العامّ.

 

لكنّ المؤسّسات التربويّة، حين تولي هويّتها الخاصّة أهميّة مفرطة، يمكن أن تجعل من هذه الهويّة أكثر من مجرّد إطار يتيح نقل تراث روحيّ وأخلاقيّ وتربويّ، فتتحوّل هي نفسها إلى علامة انتماء تعزّز انقسامات المجتمع. وعندما يرتبط ما يميّز مؤسّسةً عن غيرها بالطائفة التي تنتمي إليها ارتباطًا وثيقًا، قد يختلط التعلّق بالمؤسّسة تدريجيًّا بالتعلّق بطائفتها. وهكذا تصبح المؤسّسة، عن وعي أو عن غير قصد، فضاءً يُعاش فيه الانتماء الطائفيّ ويترسّخ ويُنقل، من خلال مرجعيّاتها وممارساتها وتصوراتها ورموزها الخاصّة.

 

وقد تُغذّي هذه الديناميّةُ الانتماءَ الطائفيّ بصورة مباشرة عندما تُسهم المؤسّسة صراحةً في تكريسه، كما قد تغذّيه بصورة غير مباشرة عندما يؤدّي التمايز المؤسّسيّ إلى ربط التلامذة والطلاّب وأفراد الهيئة التربويّة والإداريّة جماعتَهم التربويّة بانتماء دينيّ معيّن. ومن البيّن أنّ هذا التطوّر يتعارض مع تكوين المواطن؛ فالمؤسّسة التي يُفترض بها أن تخرّج أشخاصًا قادرين على تجاوز الانتماءات الخاصّة والاعتراف بالآخر مواطنًا كامل الحقوق، قد تؤدّي، من خلال تأكيد هويّتها بصورة مفرطة، إلى تعزيز الحدود الطائفيّة التي يُفترض برسالتها الوطنيّة أن تسهم في تجاوزها.

 

غير أنّ أثر هذه الديناميّة لا يقف عند حدود الانتماء الجماعي؛ فقد يبلغ مستوى أعمق، هو الطريقة التي يتعرّف بها الشخص إلى نفسه وإلى الآخرين. فقد تسهم المؤسّسات التربويّة التي تولي خصوصيّتها مكانة مفرطة في اختزال الشخص في انتماء واحد، إلى حدّ يصبح فيه تعريفه بديهيًّا تبعًا لانتمائه الدينيّ، أي بكونه مسيحيًّا أو مسلمًا. ولا شكّ في أنّ هذا الاختزال يضعف أسس المواطنة.

 

وفي هذا السياق، يبيّن أمين معلوف، في كتابه "الهويّات القاتلة"، إلى أيّ مدى يمكن الهويّة المختزلة في انتماء واحد أن تتحوّل إلى شكل من أشكال الأسْر والانغلاق؛ إذ عندما يتوقّف الانتماء عن كونه مجرّد بُعد من أبعاد الشخص، ويصبح منطلقًا لتعريفه، فإنّه يميل إلى إقامة حدود بين "نحن" و"الآخرين".

 

وفي بلد مثل لبنان أنهكته انقساماته، تشكّل الرسالة الوطنيّة التي يُفترض أن تحملها المدرسة والجامعة مسؤوليّةً تجاه الأجيال المقبلة. وبالطبع، ليس المقصود أن تتخلّى المؤسّسات عن هويّاتها الخاصّة أو عن تقاليدها، بل أن تتحاشى المبالغة في إبراز هذه الهويّة، بحيث لا تنقلب من إطار يخدم الرسالة التربويّة إلى غاية في ذاتها، ولا تحرف المؤسّسة عن علّة وجودها، ألا وهي الخدمة التربويّة في أبعادها الشخصيّة والروحيّة والأخلاقيّة والوطنيّة.

 

ولذلك، ينبغي لكلّ مؤسّسة أن تنظر بشجاعة وشفافيّة كاملتين في خصوصيّاتها، وأن تتساءل عمّا إذا كانت تبالغ في إعلانها. وثمّة سؤالان يمكن أن يساعدا في التحقّق من ذلك: الأوّل، هل تُضخَّم خصوصيّةٌ معيّنة بما يتجاوز مداها الحقيقيّ، إلى حدّ تقديم الانتماء إلى المؤسّسة على الالتزام بالقيم الروحيّة والأخلاقيّة التي يُفترض بها أن تنقلها؟ والثاني، هل تُرفع هذه الخصوصيّة إلى مستوى علامة تميّز تجعل الانتماء الطائفيّ، ولو بصورة غير مباشرة، المعيار الأوّل الذي نتعرّف من خلاله إلى أنفسنا وإلى الآخرين، على حساب الاعتراف بالآخر مواطناً شريكاً؟

 

وخلاصة القول، إنّ السؤال الأعمق الذي ينبغي أن تطرحه كلّ مؤسّسة تربويّة على نفسها ليس: "ما الذي يميّزنا عن غيرنا؟"، بل: "أيّ إنسان نريد أن نساعد على تكوينه؟ وأيّ مجتمع نريد أن نُسهم في بنائه؟" فإذا كانت التربية تسهم في تكوين الإنسان، فهي تسهم، في الوقت نفسه، في تكوين المجتمع الذي سيعيش فيه. ومن هنا، لا تكون مهمّة المدرسة والجامعة أن تورّث الأجيال هويّاتها الخاصّة، بل أن تساعدها على أن تتجاوز انتماءاتها الضيّقة. فيجب ألاّ تكون التربية وسيلة لإعادة إنتاج الحدود التي تفصل بين الأفراد والجماعات، بل دورها هو في تحرير الإنسان من كلّ اختزال، وتنشئته على التكامل مع الآخرين لما فيه خيرهم المشترك.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق