نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
فتوى ستنقذ مرضى الاكتئاب - تواصل نيوز, اليوم السبت 10 أكتوبر 2026 06:16 صباحاً
أتصل بتلك الصديقة المختفية عن الأنظار للاطمئنان عليها. إنها صديقتي التي تحفظ القرآن كاملاً، وتقرؤه مجوّداً، وبصوت جميل. ذهبت إلى العمرة غير ذا مرة، حتى أننا اتفقنا على أن أرافقها في رحلتها المقبلة. كثيراً ما تريني صورها من المرحلة الابتدائية، فلا يلفتني سوى الحجاب الذي كان يلتف بحرص من حول رأسها الصغير، ولا يسمح باندلاق أي خصلة خارجه. أما اليوم، فالنقاب الأسود، والذي ترتديه بقناعة تامة، يغطي وجهها.
أسألها كيف حالها، فتصمت. ثم ترمي عليّ بكلمات وعبارات مفتتة تترك لي مهمة تركيبها لأستشف من خلالها مدى سوء هذه النوبة من الاكتئاب.
فقدان شهية.
انعدام الرغبة في أي شيء.
نوم.
تعب.
عزلة.
بكاء.
ثم تستجمع شجاعتها - مثل عاص يعترف أمام الكاهن في الكنيسة - لتخبرني بأنها لم تؤد أياً من صلواتها الخمس اليوم.
وأنا أعرف ما يدور في رأسها، فهي تستذكر فتاوى التكفير الصريح لتارك الصلاة، وتستذكر ضرب والدها لها كطفلة حينما كانت تهمل صلواتها لتلعب في الحارة، وتستذكر قصص معلمات التربية الإسلامية عن الثعبان الأقرع الذي يلتف من حول تارك الصلاة ويعصره في قبره. إنها حتى تستذكر الإعلان التوعوي المفجع الذي كان يبث في مطلع الألفية عبر إحدى أشهر القنوات العربية، فيُظهر شاباً يتقاعس عن النهوض للصلاة، ثم يموت في حادث سير، وتعود روحه لتبكي حسرة بجانبه.
تبلغني بخطيئتها، وكأنما تنتظر مني تأكيداً بأن ما فعلته كان مقبولاً، فلا أرد عليها سوى بما أعرفه يقيناً، وهو أن الله أعدل وأرحم وأحكم مما تتخيل عقولنا القاصرة. وهنا تصمت مجدداً لحفظ الود بيننا، فلا يسبق اسمي "سماحة العلامة" أو "فضيلة الشيخ" لأتكهن بأن الله سيعذرها لظروفها.
ولكن اللجنة الدائمة للفتوى برئاسة صالح الفوزان تدخلت في 2025 لتعفيني من هذا الحرج، إذ أصدرت فتوى بالغة الأهمية، وربما تكون الأهم في السنوات المنصرمة من وجهة نظري الشخصية، قررت خلالها بأن المريض بالاكتئاب الشديد، والذي تزول أو تضعف قدرته على الإدراك والاختيار، ليس ملزماً بقضاء ما فاته من صلوات خلال نوبة الاكتئاب.
وفي سابقة هي الأولى من نوعها، وقد تدفع بعضكم للشك في تعرّض حاسوبي إلى القرصنة، ها أنا أتوجه بالشكر والعرفان إلى مجموعة من رجال الدين، وأذكّر بمساهمتهم الإيجابية العظيمة بالتزامن مع حلول اليوم العالمي للصحة النفسية في الـ10 من أكتوبر.
ليست مجرد فتوى
قد يقول قائل بأن آخر ما يكترث له المُكتئب المنهك هو رأي ديني يجيز أو يحلل له أمراً ما. ولكن واقعياً، حينما يكون المكتئب ملتزماً ومحافظاً، وهو حال ملايين المُعذّبين في منطقتنا، فإن آخر ما يحتاج إليه أيضاً هو الشعور بالذنب تجاه فرائضه وواجباته الدينية، والخوف من العقابين الدنيوي والأخروي.
إنها مجرد فتوى لا وزن لها بالنسبة لبعضكم، ولكن للبعض الآخر، فهي حبل إنقاذ.







0 تعليق