أمريكا تدير الحروب بالريموت كنترول - تواصل نيوز

اخبار جوجل 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
أمريكا تدير الحروب بالريموت كنترول - تواصل نيوز, اليوم السبت 10 أكتوبر 2026 11:35 صباحاً

ما يحدث في الشرق الأوسط وما وراءه يطرح سؤالًا بالغ الأهمية: هل نحن أمام أزمات منفصلة، أم أمام شبكة من الصراعات التي تتلاقى فيها مصالح القوى الكبرى، وتتحمل دول المنطقة تكلفتها البشرية والاقتصادية والأمنية؟ فحين تنشغل الدول بمعارك البقاء، هناك من يراقب المشهد ويعيد ترتيب موازين القوة، وينتظر أن يجني ثمار استنزاف الآخرين.

ما يحدث الآن في منطقتنا والعالم لم يعد مجرد سلسلة من الأزمات المنفصلة التي يمكن قراءتها، كلٌّ على حدة، فالحروب تتشابك، والصراعات تتسع، والتحالفات تتغير، والدول تُستنزف اقتصاديًا وعسكريًا وسياسيًا، بينما تتحرك القوى الكبرى وفق حسابات المصالح والنفوذ وإعادة تشكيل موازين القوة.

إنما الفكرة التي تستحق التوقف عندها هي أن استنزاف الدول قد يحقق أهدافًا استراتيجية من دون أن تضطر القوى الكبرى إلى خوض حروب مباشرة واسعة النطاق. فحين تتعدد جبهات التوتر، تتوزع الموارد العسكرية والاقتصادية، وتتراجع فرص التنمية، وتصبح الدول منشغلة بإطفاء الحرائق بدلًا من بناء المستقبل.

وهنا يفرض السؤال نفسه: هل نحن أمام صراعات متفرقة، أم أمام مشهد دولي تستفيد فيه بعض القوى من انشغال خصومها بمعارك متزامنة حتى تحقق أهدافها بأقل تكلفة ممكنة؟

من اليمن إلى إيران، ومن إثيوبيا إلى أوكرانيا، دعونا ننظر إلى خريطة الصراعات من زاوية المصالح الاستراتيجية. في اليمن، تتشابك المواجهة مع الحوثيين مع أمن الملاحة وأمن السعودية وحسابات إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.

وفي الملف الإيراني، تتقاطع مصالح إقليمية ودولية معقدة، بينما تظل مصر معنية بأمن البحر الأحمر واستقرار المنطقة. أما إثيوبيا، فيرتبط ملفها بالنسبة إلى القاهرة بأمن مياه النيل وحقوق مصر المائية. وفي أوروبا وشرق آسيا، تفتح الحرب الروسية الأوكرانية والتوتر حول تايوان أبوابًا أخرى للصراع بين القوى الكبرى.

والسؤال هنا: هل يمكن أن يتحول استمرار التهديد إلى وسيلة لاستنزاف قدرات دول المنطقة بدلًا من الوصول إلى تسوية تضع حدًا للصراع؟ فكيف تحمي الدول العربية أمنها، وتتجنب الحرب الشاملة، ولا تسمح في الوقت نفسه بأن تتحول أراضيها ومقدراتها إلى وقود لصراعات الآخرين؟

ومن هنا تظهر فرضية تستحق النقاش: فهل يمكن أن تتحول بعض هذه الأزمات إلى أدوات لاستنزاف الخصوم، أو لدفع دول بعينها إلى الانشغال بصراعات تفرض عليها أولويات جديدة؟

أما مصر، فتواجه تحديًا استراتيجيًا يرتبط بأمن مياه النيل في ظل الخلاف مع إثيوبيا حول سد النهضة وقواعد ملء السد وتشغيله، وهو ملف لا يتعلق بالمياه وحدها، بل بالأمن القومي والتنمية وحقوق الأجيال القادمة.

وفي أوروبا، تستهلك الحرب الروسية الأوكرانية موارد هائلة، وتعيد تشكيل العلاقات الأمنية والاقتصادية. أما تايوان، فتبقى إحدى أبرز بؤر التوتر المحتملة بين الولايات المتحدة والصين.

وقد تختلف جذور هذه الملفات وأطرافها، لكن القاسم المشترك بينها هو أن استمرار الصراعات يستهلك الموارد، ويضغط على الاقتصادات العالمية، ويجبر الدول على إعادة توجيه قدراتها نحو الأمن والدفاع، على حساب أولويات أخرى.

لكن التحليل الجاد يقتضي التمييز بين وجود مصالح استراتيجية تستفيد من الأزمات، وبين الجزم بأن جميع الأزمات صُنعت ضمن مخطط واحد.فلكل ساحة جذورها المحلية وحساباتها الخاصة، ولا تكفي المصالح المتقاطعة وحدها لإثبات وجود شبكة موحدة تدير كل هذه الأحداث.

فهل نحن أمام استراتيجية استنزاف؟

إن الفكرة الأخطر التي تستحق الدراسة هي أن بعض القوى قد تحقق مكاسب استراتيجية دون أن تدخل بنفسها في حرب مباشرة، بل يكفيها أحيانًا أن تستمر خصومات الآخرين، وأن تتوزع قدراتهم على جبهات متعددة، وأن تتراجع قدرتهم على التركيز في ملفاتهم الداخلية والتنموية.

لكن الإنصاف يقتضي القول إن تشابه النتائج لا يثبت بالضرورة وجود غرفة عمليات واحدة تدير كل هذه الأزمات، وإن وجود طرف مستفيد لا يعني وحده أنه صنع الأزمة أو يتحكم في جميع أطرافها.

إنما الخطأ الأكبر هو أن تتعامل الدول مع كل أزمة باعتبارها جزيرة معزولة، من دون قراءة انعكاساتها على بقية الملفات، أو إدراك أن استنزاف دولة في ساحة ما قد يغير حساباتها في ساحة أخرى.

وهنا تكمن أهمية التفكير الاستراتيجي، ليس في افتراض المؤامرات وراء كل حدث، وإنما في كشف المصالح، وفهم التحالفات، وقراءة النتائج، والاستعداد لأسوأ السيناريوهات دون الوقوع في فخ التقديرات غير المدعومة بالأدلة.

أما الدرس الأهم لمصر والسعودية وتركيا وباكستان، فهو أن حماية الأمن القومي لا تتحقق بالاندفاع إلى كل مواجهة، ولا بترك الأزمات تتفاقم حتى تصل إلى الحدود، وإنما ببناء تنسيق إقليمي يحول دون نقل الصراعات من ساحة إلى أخرى، ويحمي الاقتصاد ومقدرات الشعوب.

فالدول الكبرى في المنطقة ليست متطابقة في مصالحها أو حساباتها، لكنها جميعًا معنية، بدرجات مختلفة، بمنع اتساع الحروب وحماية اقتصاداتها وصيانة أمنها القومي. ولذلك، فإن التنسيق بين مصر والسعودية وتركيا وباكستان، مع احترام اختلاف أولويات كل دولة، يمكن أن يسهم في بناء توازن إقليمي يمنع تفجر الأزمات وتحويلها إلى حروب ممتدة.

فمصر تحتاج إلى حماية أمنها المائي والبحري، والسعودية معنية بأمنها واستقرار محيطها، وتركيا تحتاج إلى توازن بين مصالح إقليمية ودولية متعددة، وباكستان تواجه بدورها حسابات أمنية وجيوسياسية معقدة.

والتحدي الحقيقي أمام هذه الدول هو ألا تنجر إلى مواجهات لا تخدم مصالحها، وألا تسمح في الوقت نفسه بفرض وقائع جديدة تمس أمنها أو حقوق شعوبها.

فليس المطلوب أن تدخل المنطقة في حرب جديدة باسم مواجهة المخططات، بل أن تمتلك من الوعي والقوة والتنسيق ما يمنع الآخرين من استغلال خلافاتها.

بالنسبة إلى قضية مياه النيل، لا ينبغي لمصر أن تفصل التطورات الإثيوبية الداخلية والإقليمية عن حسابات الأمن المائي، لكنها تحتاج أيضًا إلى تقييم كل تطور بناءً على معلومات موثوقة، لا على افتراضات بشأن نيات الأطراف.

لأن حماية الحقوق المائية تتطلب استمرار التحرك الدبلوماسي، والاستناد إلى القانون الدولي، وتطوير أدوات التعاون الإقليمي، وتعزيز إدارة الموارد المائية داخليًا، والاستعداد لمختلف السيناريوهات.

فالأمن القومي لا يُصان بالشعارات وحدها، بل بمزيج من القوة والوعي والتخطيط والقدرة على التحرك في الوقت المناسب، لأن أخطر ما في الحروب ليس فقط ما تدمره، بل ما تستنزفه من قدرات الدول وفرص شعوبها.

فالوعي الحقيقي هو أن نقرأ المصالح خلف الأحداث، ونختبر الادعاءات بالأدلة، وألا نسمح لأي طرف بأن يحول خلافات المنطقة إلى صراعات مفتوحة يدفع ثمنها الجميع.

فقد تستفيد قوى دولية من استنزاف خصومها، وقد تتحول بعض النزاعات إلى أوراق ضغط متبادلة، لكن مواجهة ذلك لا تكون بتبني تفسير واحد لكل ما يجري، بل بفهم الوقائع، وكشف المصالح، والتمييز بين المعلومات المؤكدة والتحليلات والادعاءات.

فالعالم لا تحكمه النوايا المعلنة وحدها، بل تحكمه المصالح وموازين القوة والقدرة على الصمود.ومن لا يقرأ هذه المعادلات جيدًا، قد يجد نفسه يدفع ثمن صراع لم يختره، أو يستنزف موارده في معركة لا تخدم مستقبله.

فالرسالة إلى دول المنطقة واضحة: وحّدوا المصالح حيث يمكن، وأديروا الخلافات بحكمة، واحموا أمنكم القومي، ولا تمنحوا أي قوة فرصة لاستثمار انقسامكم.

فنحن في عالم تتشابك فيه الأزمات، فليست القوة أن نخوض كل الحروب، وإنما أن نعرف أي معركة يجب منعها، وأي حق لا يجوز التفريط فيه، وكيف نحمي أوطاننا دون أن نتحول إلى أداة في حسابات الآخرين.

فالسياسة ليست دائمًا حربًا يعلنها الخصم، بل قد تكون صراعًا على الوقت والموارد والقدرة على الصمود.ومن يفهم قواعد اللعبة يستطيع أن يحمي مصالحه دون أن يتحول إلى لاعب في معركة اختار الآخرون توقيتها وميدانها.

لأن هذه المعركة معركة الوعي الحقيقية: لنرى ما وراء الأحداث دون أن نخلط بين التحليل والحقيقة، وأن نمتلك قرارنا قبل أن يفرض الآخرون علينا قراراتهم.

اقرأ أيضاً
الرئيس السيسي يكشف موعد انعقاد اللجنة المصرية - الماليزية المشتركة

الرئيس السيسي: لا تسوية عادلة للقضية الفلسطينية دون دولة مستقلة على حدود 1967

حسين الهنداوي: احتلال العراق عام 2003 لم يكن مشروعا لبناء دولة ديمقراطية

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق