نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
قانون الإعلام الجديد في لبنان... هل الهيئة الوطنية تتمتع باستقلالية؟ - تواصل نيوز, اليوم السبت 10 أكتوبر 2026 05:36 مساءً
"قانون الإعلام الجديد في لبنان جيّد ولكنه يحتاج إلى تعديل فوري"... هذه الجملة أجمع عليها صحافيون وناشطون وبرلمانيون ومتابعون لقطاع الإعلام، فبعد سنوات طويلة من النقاش والتعديلات أُقر القانون، وفُتحت مرحلة مختلفة في تنظيم القطاع الصحافي، فوضع ضمانات لحماية الصحافيين وحرية التعبير، لكنه طرح في المقابل أسئلة عن حدود صلاحيات الهيئة الوطنية الناظمة للإعلام، ومدى استقلاليتها عن السلطة السياسية، وقدرتها على تنظيم القطاع من دون التحول إلى جهة رقابية تهدد حريته.
النائب بلال عبدالله أوضح لـ"النهار" أن القانون يشكل خطوة ضرورية لحماية حرية التعبير من التدخل السياسي، وأكد الصحافي والباحث في مؤسسة "مهارات" بلال ياسين لـ"النهار" أن القانون الجديد يتضمن إصلاحات متقدمة على المستوى اللبناني والإقليمي، لكن مدير تحرير جريدة "النهار" غسان حجار حذّر من أن تتحول الهيئة الناظمة للقانون الجديد إلى ما يشبه المحكمة التي تحاسب المؤسسات الإعلامية وتعاقبها. وعلى الرغم من اختلاف مقارباتهم، يلتقي الثلاثة عند أهمية القانون، فيما تتباين آراؤهم بشأن الثغرات التي لا تزال تحتاج إلى معالجة والضمانات المطلوبة لتطبيقه.
كيف اختير أعضاء الهيئة الوطنية للإعلام؟
كانت آلية تشكيل الهيئة من أكثر النقاط إثارة للنقاش خلال دراسة القانون. ووفق الصيغة التي أُقرت، تتألف الهيئة من عشرة أعضاء، ينتخب سبعة منهم مباشرة من الجهات المحددة في القانون، فيما يعيّن مجلس الوزراء ثلاثة أعضاء من بين أسماء مرشحة.
والنائب عبدالله، عضو لجنة الإدارة والعدل ومقررها، كان من النواب الذين شاركوا في مناقشة اقتراح قانون الإعلام والمواد المرتبطة بإنشاء الهيئة الوطنية للإعلام وتحديد صلاحياتها وآلية تشكيلها.
وخلال النقاشات النيابية، برزت مسألة استقلالية الهيئة كإحدى القضايا الأساسية، ولا سيما لجهة كيفية اختيار أعضائها وضمان عدم تدخل السلطة السياسية في عملها. وأظهرت محاضر لجنة الإدارة والعدل تعدد الآراء حول آلية الانتخاب والتعيين، قبل اعتماد صيغة تقضي بانتخاب سبعة أعضاء ورفع أسماء مرشحين إلى مجلس الوزراء لاختيار ثلاثة منهم.
هذا المسار أثار بدوره نقاشاً حول مدى قدرة آلية الانتخاب والتعيين على إنتاج هيئة مستقلة فعلاً، ولا سيما في ظل مشاركة السلطة التنفيذية في تعيين ثلاثة أعضاء.
الاستقلالية المالية والإدارية: الاختبار الأصعب
لا تقتصر استقلالية الهيئة الوطنية الإعلام على طريقة اختيار أعضائها. فالسؤال الأهم هو: هل تملك الهيئة استقلالية مالية وإدارية فعلية تمكنها من ممارسة صلاحياتها بعيداً عن السلطة السياسية؟
وتزداد أهمية هذا السؤال لأن القانون يمنح الهيئة دوراً تنظيمياً واسعاً في القطاع، من متابعة ملكية المؤسسات الإعلامية ومصادر تمويلها إلى وضع القواعد التنظيمية ومراقبة الالتزام بأحكام القانون.
وهنا تظهر مفارقة أساسية: كلما اتسعت صلاحيات الهيئة، ازدادت الحاجة إلى ضمان استقلاليتها وآليات مساءلتها في الوقت نفسه.
ماذا تقول تجارب الهيئات المستقلة في لبنان؟
لا تأتي هذه المخاوف من فراغ. فالتجربة اللبنانية مع الهيئات المستقلة تطرح دائماً سؤال الفارق بين الاستقلالية القانونية والاستقلالية الفعلية.
تُطرح تجربة الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان مثالاً على الإشكالية نفسها: قد تكون الهيئة مستقلة وفق النص القانوني، لكن استقلاليتها العملية تبقى مرتبطة بطريقة تعيين أعضائها وقدرتها على العمل بعيداً عن تأثير المؤسسات السياسية والإدارية.
الأمر نفسه يبرز في تجربة الهيئة الوطنية للمفقودين والمختفين قسراً، التي تتمتع باستقلالية قانونية، لكنها تحتاج عملياً إلى تعاون مؤسسات الدولة وأجهزتها للقيام بجزء أساسي من مهامها.
الهيئة الوطنية للإعلام: استقلالية في النص أم في الممارسة؟
وهنا يصبح السؤال أوسع من قانون الإعلام نفسه: هل تكفي الاستقلالية التي ينص عليها القانون، أم أن الاستقلالية الحقيقية تحتاج إلى ضمانات مالية وإدارية ومؤسساتية تحول دون التبعية لأي سلطة أخرى؟
إن استقلالية الهيئة الوطنية للإعلام تبقى محوراً أساسياً في تقييم القانون. فالنص، وفق ياسين، يمنح الهيئة الشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري، وينص على انتخاب سبعة من أعضائها العشرة من الهيئات المهنية المعنية، لولاية مدتها ست سنوات غير قابلة للتجديد، كما لا يجيز لمجلس الوزراء حلها أو تعليق عملها.
لكن ياسين يميز بين الاستقلالية التي ينص عليها القانون وتلك التي يمكن أن تتحقق عملياً، معتبراً أن الاختبار الحقيقي يكمن في تشكيل الهيئة ومباشرتها مهامها وقدرتها على ممارسة صلاحياتها باستقلالية فعلية.
من جهته، أكد عبدالله أن الهيئة ستكون مستقلة في قراراتها، وأن دور الدولة ينبغي أن يقوم على الشراكة والمسؤولية الإعلامية، لا على التدخل في حرية الرأي والتعبير. وأشار أيضاً إلى أن القانون يتناول مدونة السلوك الإعلامي والجانب المالي، بهدف منع استخدام الأموال الداخلية أو الخارجية للسيطرة على وسائل الإعلام وتحقيق غايات معينة.
غير أن حجار يتعامل مع هذه المسألة من زاوية أكثر تحفظاً، إذ أكد لـ"النهار" أن تركيبة الهيئة كان ينبغي أن تمنح الإعلاميين تمثيلاً أوسع، بما يتيح مشاركة أشخاص يعرفون القطاع من الداخل، ويدركون مشكلاته المهنية والاقتصادية والتحديات التي تواجه مؤسساته. وبرأيه، فإن الهيئة التي لا تضم عدداً كافياً من أصحاب الخبرة الإعلامية قد تبتعد عن دورها التنظيمي وتتحول إلى جهة رقابية.
وحذر مدير تحرير "النهار" من أن منح الهيئة صلاحيات عقابية واسعة قد تصل إلى إقفال المؤسسات الإعلامية يثير مخاوف من تحولها إلى ما يشبه المحكمة ضد الإعلام، بدلاً من أن تكون جهة تنظّم القطاع وتفهم خصوصيته. وشدد على أن الإعلام اللبناني يعاني ضعف الإمكانات والقدرات، ما يستدعي هيئة تساعد على تنظيمه وتفهم ظروفه، لا أن تتعامل معه حصراً من منظور قضائي وعقابي.
وهنا يبرز التباين الأساسي بين المواقف الثلاثة: عبدالله يثق بالضمانات التي يوفرها القانون لاستقلالية الهيئة، وياسين يربط الحكم على هذه الاستقلالية بالتطبيق الفعلي، فيما يحذر حجار من أن تؤدي تركيبة الهيئة وصلاحياتها إلى تقويض الدور الذي أُنشئت من أجله.
ما هي صلاحيات الهيئة الوطنية للإعلام وحدود التدخل في العمل الصحافي؟
لا يقتصر النقاش على كيفية اختيار أعضاء الهيئة، بل يمتد إلى طبيعة الصلاحيات الممنوحة لها، والحدود الفاصلة بين تنظيم الإعلام وممارسة الرقابة عليه. فوجود هيئة ناظمة يستدعي، من جهة، قواعد واضحة لتنظيم القطاع وتعزيز الشفافية والمساءلة، لكنه يتطلب، من جهة أخرى، ضمانات تحول دون استخدام صلاحياتها للضغط على المؤسسات أو الحد من حرية التعبير.
وفي هذا الإطار، لفت عبدالله إلى أن بعض التعديلات التي طُرحت خلال النقاشات النيابية أثارت مخاوف من إمكان استخدامها للنيل من الرأي الآخر، موضحاً أن التوافق اتجه إلى إلغاء إحدى المواد التي رأى أنها قد تتيح هذا الاحتمال. وأكد أن موقف "اللقاء الديمقراطي" و"الحزب التقدمي الاشتراكي" يقوم على منع استغلال القانون لتقييد حرية التعبير.
أما حجار، فرأى أن المشكلة لا تكمن في مبدأ إنشاء هيئة ناظمة، بل في طبيعة دورها وحدود تدخلها. فبدلاً من أن تتحول إلى مرجع عقابي يملك صلاحية محاسبة المؤسسات وإقفالها، ينبغي أن تكون هيئة تمتلك الخبرة اللازمة لتنظيم القطاع ومواكبة تطوراته، مع مراعاة طبيعة العمل الصحافي وخصوصية المؤسسات الإعلامية.
ويلتقي ياسين مع هذا التشديد على أهمية التطبيق، وإن كان يركز على استكمال الإصلاحات القانونية وتشكيل الهيئة ومراقبة أدائها. فالقانون، برأيه، لا يحقق أهدافه بمجرد إقراره، بل بقدرته على الانتقال من النص إلى الممارسة، وضمان ألا تتحول الثغرات المتبقية إلى مدخل للمساس بحرية الإعلام.
رأي
لارا الهاشم - أنطوني طنوس
حماية حقوق الطفل في لبنان بين الممارسة وقانون الإعلام الجديد (فيديو)
كيف يمكن نقل قضايا الأطفال من دون المساس بخصوصيتهم، وضمان إنصافهم عند انتهاكها؟
هل يحتاج قانون الإعلام إلى تعديلات جديدة؟
على الرغم من اختلاف تقديراتهم، لا يعتبر أي من المواقف الثلاثة أن إقرار القانون ينهي النقاش بشأنه، فعبدالله دافع عن الصيغة الحالية، لكنه شدد على ضرورة منع استغلال مواده لتقييد الرأي الآخر. وياسين دعا بوضوح إلى إلغاء الحبس في المادة 104 وتحديد العبارات الفضفاضة، فيما رأى حجار أن القانون يحتاج إلى تعديلات تضمن تمثيلاً أوسع للإعلاميين في الهيئة وتحد من خطر تحولها إلى سلطة رقابية.
وأكد حجار أن تحديث التشريع الإعلامي كان ضرورة، لأن القطاع لا يمكن أن يبقى خاضعاً لقانون يعود إلى ستينيات القرن الماضي، لكنه اعتبر أن معالجة الثغرات تبقى شرطاً أساسياً لاستكمال الإصلاح. أما ياسين، فشدد على أن مؤسسة "مهارات" ستواصل العمل على تحسين القانون ومراقبة حسن تطبيقه، بما يضمن الحفاظ على روحه الإصلاحية.
ودعا عبدالله إلى الاستفادة من التجارب والقوانين العالمية في تنظيم المجال الإعلامي، لاسيما في ظل توسع وسائل التواصل الاجتماعي وتحول أعداد كبيرة من المستخدمين إلى ناشرين للمحتوى، معتبراً أن هذا الواقع يجعل تطوير الأطر القانونية أمراً لا يمكن تجاهله.
هل قانون الإعلام يحمي الصحافيين ويضمن حرية التعبير فعلاً؟
ولكن، وبغض النظر عن الهيئة الوطنية واشكاليتها، هل قانون الإعلام يحمي الصحافيين ويضمن حرية التعبير فعلاً؟
يستند الدفاع عن القانون الجديد إلى ما يتضمنه من ضمانات للصحافيين، إذ أوضح ياسين أنه يمنع التوقيف الاحتياطي في قضايا النشر، ويحمي سرية المصادر، ولا يسمح بتفتيش الأجهزة الصحافية إلا بقرار قضائي معلّل، إضافة إلى منح الصحافي حق رفض توقيع مادة عُدّلت من دون علمه. كذلك، ينقل قضايا النشر من المسؤولية الجزائية إلى المسؤولية المدنية، ويحرر إنشاء المؤسسات الإعلامية من نظام الترخيص المسبق، وفقاً لما يورده ياسين عن أبرز إصلاحاته.
واعتبر الباحث في مؤسسة "مهارات" أن هذه التدابير تجعل القانون رائداً على المستوى الإقليمي، وتقرّبه من المعايير التي تضمن حرية الإعلام والتعددية والشفافية. لكنه لم ير أن هذه الإصلاحات كافية وحدها، إذ شدد على أن الإبقاء على عقوبة الحبس في المادة 104، مع استخدام تعابير فضفاضة مثل "الأخبار الكاذبة"، يترك ثغرة قد تسمح بتفسيرات تمس بحرية التعبير. ومن هنا، دعا إلى إلغاء الحبس الوارد في هذه المادة وتحديد المصطلحات التي قد تُستخدم لتقييد العمل الصحافي.
الهدف الأساسي من القانون هو حماية الحرية من أي سلطة سياسية
ويتقاطع هذا التحفظ مع موقف النائب بلال عبدالله، الذي أكد أن الهدف الأساسي من القانون هو حماية الحرية من أي سلطة سياسية، قائلاً : "إن السلطة السياسية تتبدل، وقد يتبدل معها المستهدف، لكن الوسيلة لا يجب أن تتبدل". وبالنسبة إليه، لا ينبغي أن يُستخدم القانون للنيل من الرأي الآخر أو الحد من حرية التعبير، على أن تُمارَس هذه الحرية ضمن المسؤولية والحفاظ على المسلمات الوطنية والأخلاقية.
وذكّر عبدالله بأن مناقشة القانون استمرت سنوات، بمشاركة اختصاصيين ونواب معنيين وممثلين عن مؤسسات دولية، إلى جانب النائب السابق غسان مخيبر، صاحب اقتراح القانون الأساسي، معتبراً أن الصيغة الحالية تتلاءم مع الوضع اللبناني، مع ضرورة منع استغلال أي مادة فيها لتقييد الآراء المخالفة.
هل تنجح التجربة الجديدة في تطبيق قانون الإعلام الجديد؟
باختصار، فإن القانون الذي يهدف إلى حماية حرية الإعلام يحتاج إلى هيئة مستقلة فعلياً، وتركيبة تفهم طبيعة العمل الصحافي، وصلاحيات واضحة لا تفتح المجال أمام التأويل التعسفي، فضلاً عن معالجة المواد التي قد تتيح فرض عقوبات سالبة للحرية في قضايا النشر.
وبين ثقة عبدالله بالصيغة القانونية، ودعوة ياسين إلى استكمال الإصلاحات، وتحذير حجار من تحوّل الهيئة إلى محكمة ضد الإعلام، يتقدم سؤال واحد على ما عداه: هل تنجح التجربة الجديدة في حماية حرية الصحافة، أم أن طريقة تطبيق القانون ستعيد إنتاج المخاوف نفسها التي جاء لمعالجتها؟













0 تعليق