نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
إثيوبيا تكذب - تواصل نيوز, اليوم السبت 10 أكتوبر 2026 07:28 مساءً
أديس أبابا تواصل مناوراتها المكشوفة للهروب من أزماتها الداخلية
القاهرة ترفض الابتزاز الإثيوبي وتتمسك بحقوقها المائية.. وتؤكد: النيل والامن المائى قضية أمن قومي
"النيل هو شريان الحياة لمصر، وأساس وجودها عبر آلاف السنين، وإن حصة مصر المائية، هى حق تاريخى وقانونى راسخ، لا يقبل الانتقاص منه أو المساس به، ومصر؛ كما كانت دائما، تمد يدها بالتعاون والتنمية المشتركة، مع أشقائها فى دول حوض النيل، ولن تسمح فى الوقت ذاته، بأى إجراء يمس أمنها المائى، وستواصل الدفاع عن هذه الحقوق، بكل الوسائل التى يكفلها القانون الدولى".. هذا هو الموقف المصرى الحاسم، الذى جدده الرئيس عبد الفتاح السيسى، الأسبوع الماضى، خلال ترأسه لأجتماع المجلس الأعلى للقوات المسلحة بمناسبة الأحتفال بالذكرى الـ53 لنصر أكتوبر.
ويعكس هذا الموقف قاعدة أساسية في السياسة المصرية تجاه قضية النيل، تقوم على أن القاهرة لا تسعى إلى احتكار التنمية المائية في حوض النيل، وإنما تدعم حق جميع دول الحوض في التنمية، شريطة أن تتم في إطار من التعاون والتنسيق والالتزام بقواعد القانون الدولي، وألا تتسبب المشروعات المقامة على الأنهار العابرة للحدود في إلحاق الضرر بأي من دولها.
ولذلك، لم يكن الخطاب المصري تجاه دول حوض النيل قائمًا على الرفض أو المواجهة، وإنما ارتبط على مدار سنوات طويلة بتنفيذ مشروعات تنموية حقيقية داخل الدول الشقيقة، شملت إنشاء السدود ومحطات وآبار المياه الجوفية، وتنفيذ مشروعات للحماية من الفيضانات ومقاومة الحشائش المائية، وإنشاء المراسي النهرية والخزانات الأرضية، إلى جانب مراكز التنبؤ بالأمطار ومعامل تحليل نوعية المياه، فضلًا عن برامج التدريب وبناء القدرات.
ويأتي مشروع سد "جوليوس نيريري" العملاق في تنزانيا، الذي نفذته شركات مصرية، في مقدمة النماذج التي تعكس الرؤية المصرية القائمة على تحويل التعاون مع دول حوض النيل إلى مشروعات ملموسة تحقق عائدًا تنمويًا مباشرًا للشعوب، وتدعم قدرة دول القارة على استغلال مواردها، بما يتسق مع أجندة أفريقيا 2063 ورؤية أفريقيا للمياه، ويعزز مفهوم التعاون في إدارة الموارد المائية المشتركة.
ومن هنا، فإن جوهر الموقف المصري لا يتمثل في الاعتراض على التنمية، وإنما في رفض الإجراءات الأحادية التي تتجاهل مصالح دول المصب أو يمكن أن تلحق ضررًا بها، حيث تتمسك القاهرة في هذا السياق بمبادئ مستقرة في القانون الدولي، في مقدمتها التعاون والتشاور والإخطار المسبق وعدم التسبب في ضرر عند إقامة مشروعات على المجاري المائية الدولية العابرة للحدود.
وبينما تواصل مصر طرح هذه الرؤية القائمة على التعاون والقانون، تحاول إثيوبيا، نقل النقاش إلى مساحات أخرى، واستخدام قضية النيل والتوترات الإقليمية ذريعة للتغطية على أزماتها الداخلية المتلاحقة، من خلال تكرار أكاذيب بشأن تدخلات مصرية وسودانية وإريترية في شؤونها الداخلية، رغم التأكيدات المتكررة من الدول الثلاث رفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول واحترام سيادتها.
وتأتي هذه الاتهامات في وقت تواجه فيه حكومة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد تحديات وأزمات داخلية متزايدة، وهو ما يجعل تصدير الأزمات إلى الخارج وسيلة للهروب من الاستحقاقات الداخلية، وإعادة توجيه الأنظار بعيدًا عن المشكلات التي تواجهها الحكومة في الداخل.
وفي هذا السياق، جاءت الأزمة الدبلوماسية الأخيرة بين القاهرة وأديس أبابا، بعدما أعلنت إثيوبيا أحد أعضاء السفارة المصرية في أديس أبابا شخصًا غير مرغوب فيه، لترد مصر بالمثل، وتعلن اعتبار مستشار السفارة الإثيوبية بالقاهرة شخصًا غير مرغوب فيه، ومنحه مهلة لمغادرة البلاد، وأكد مصدر مصري، أن الخطوة الإثيوبية مؤسفة وغير مبررة، مشددًا على أن مصر طالما أكدت رفضها التام للتدخل في الشؤون الداخلية للدول، وعدم التعليق على الأحداث الداخلية في دول أخرى، ومن بينها إثيوبيا، احترامًا لقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
وأوضح المصدر أن الجانب الإثيوبي دأب على تعليق فشله في إدارة ملفاته وأزماته الداخلية المتلاحقة على شماعة ما يدعيه من وجود أدوار لأطراف خارجية، في محاولة للتغطية على أزماته المتتالية.
وفي مواجهة هذه المحاولات، جاء الموقف المصري واضحًا على لسان الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، الذي أكد أن مصر لن تنجر وراء التصريحات الإثيوبية التي تستهدف تشتيت الانتباه عن الأزمات الداخلية، مشددًا على ثبات الموقف المصري من قضية نهر النيل، ورفض أي إجراءات أحادية من شأنها الإضرار بدولتي المصب.
وشدد عبد العاطي على أن الحديث عن إقامة سدود جديدة على النيل بصورة أحادية، ودون التشاور مع دول المصب، يمثل مخالفة واضحة لقواعد القانون الدولي المنظمة للمجاري المائية الدولية العابرة للحدود، موضحًا أن القانون الدولي يفرض التعاون والتشاور بين دول المنبع ودول المصب، إلى جانب الإخطار المسبق وعدم التسبب في إحداث ضرر.
وتؤكد القاهرة أن هذه المبادئ ليست مواقف مصرية مستحدثة أو مرتبطة بظرف سياسي بعينه، وإنما تمثل قواعد مستقرة في القانون الدولي، ولذلك فإن تمسك مصر بها لا يستهدف حرمان دول حوض النيل من حقها في التنمية، وإنما يهدف إلى ضمان تحقيق التنمية بصورة عادلة ومستدامة، تحفظ مصالح جميع الدول والشعوب المتشاطئة على النهر.
ولا تقف القضية عند حدود الموقف المصري، إذ تحظى مسألة الأمن المائي بدعم عربي أوسع، باعتبارها جزءًا أصيلًا من الأمن القومي العربى، وهو ما أكد عليه نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، بأن الحقوق المائية للدول العربية تمثل قضية سيادة وأمن، مجددًا موقف الجامعة الداعم للحقوق المشروعة للدول العربية المتشاطئة على الأنهار الدولية، ورفض الإجراءات الأحادية، والدعوة إلى اتفاقات عادلة وملزمة تحقق المصالح المشتركة.
وشدد فهمي، خلال إطلاق التقرير العربي الرابع عشر للتنمية الثقافية، الصادر عن مؤسسة الفكر العربي تحت عنوان "الأمن الغذائي والمائي العربي: أزمات متراكمة ومبادرات واعدة"، على أن اعتماد دول عربية على موارد مائية تأتي من خارج حدودها يجعل التضامن والتنسيق العربي مصلحة مشتركة، مؤكدًا ضرورة التعامل مع الأمن المائي والغذائي باعتباره جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، كما أكد أنه لا يجوز استخدام المياه والغذاء أداة للحرب أو الضغط السياسي، مشددًا على أن حماية الموارد والمنشآت المائية والغذائية أثناء النزاعات التزام يفرضه القانون الدولي الإنساني، ويستدعي موقفًا عربيًا واضحًا ومستمرًا.
وبينما تكشف هذه المواقف عن اتساق الرؤية المصرية والعربية في التعامل مع قضية المياه، تبدو محاولات إثيوبيا لإعادة صياغة الخلاف باعتباره صراعًا سياسيًا أو مؤامرة خارجية محاولة للابتعاد عن جوهر القضية، فالمسألة بالنسبة إلى مصر ليست صراعًا على التنمية، ولا رفضًا لحق الشعوب في استغلال مواردها، وإنما دفاع عن حق أصيل في مورد مائي عابر للحدود، وعن قواعد قانونية دولية تضمن عدم الإضرار بدول المصب.
وفي النهاية، تظل الرسالة المصرية واضحة: مصر مع التنمية والتعاون، لكنها ترفض فرض الأمر الواقع، وتتمسك بالقانون الدولي، ولن تقبل أن يتحول نهر النيل إلى أداة للضغط السياسي أو الإضرار بأمنها المائي. وفي الوقت الذي تمد فيه القاهرة يدها للتعاون مع دول حوض النيل، فإن أمنها المائي يظل خطًا أحمر، والدفاع عنه التزامًا ثابتًا تجاه الدولة والشعب والأجيال المقبلة.














0 تعليق