أكتوبر بين مساءلة القرار ومسؤولية المستقبل (1-2) - تواصل نيوز

اخبار جوجل 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
أكتوبر بين مساءلة القرار ومسؤولية المستقبل (1-2) - تواصل نيوز, اليوم الأحد 11 أكتوبر 2026 11:55 صباحاً

بعد ألف يوم ويزيد..

بعد مرور ثلاث سنوات على السابع من أكتوبر، وما خلّفه من إرث ترك أثرًا كبيرًا على صناعة السياسة، فتحوّلت حرب غزة إلى حرب إقليمية وأزمة دولية، أفضت إلى حالة من الاختناق العالمي، ولا تزال تداعياتها مستمرة، وانطلاقًا من قراءة موضوعية لدوافعها ومآلاتها، ومن حق الشعب في المعرفة والاطمئنان إلى المستقبل، نتناول في هذا المقال شقين متكاملين: الأول، قرار الحرب بين المسؤولية والمساءلة؛ والثاني، المسار السياسي ومسؤولية البديل.

 

الشق الأول: 

قرار الحرب بين المسؤولية والمساءلة

في الذكرى الثالثة لحرب غزة، تعيد رسالة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الصادرة في السادس من أكتوبر 2026، طرح سؤال لا يمكن اختزاله في إدانة هذا الطرف أو ذاك؛ فقد أدان غوتيريش هجوم السابع من أكتوبر، وما رافقه من قتل للمدنيين واحتجاز للرهائن، كما أشار إلى المعاناة الفلسطينية الهائلة التي أعقبت الهجوم، ودعا إلى جعل وقف إطلاق النار دائمًا، وتوسيع نطاق المساعدات الإنسانية، واحترام القانون الدولي.


وبين هذه المواقف، تظل المسألة الأهم قائمة: من اتخذ قرار الحرب؟ ومن كان يملك حق اتخاذه؟ وعلى أي تقديرات بُني هذا القرار، ومن يتحمل مسؤوليته السياسية؟

لا يتعلق الأمر هنا بإعادة محاكمة الماضي، ولا بمحاولة تحميل طرف مسؤولية أفعال طرف آخر. فمسؤولية الفاعل عن فعله لا تسقطها مسؤولية غيره عن أفعاله. وإدانة ما جرى في السابع من أكتوبر لا تمنح إسرائيل تفويضًا مفتوحًا لما فعلته بعده، كما أنّ إدانة الحرب الإسرائيلية وما رافقها من قتل ودمار وتهجير لا تلغي مسؤولية من اتخذ قرار العملية وما ترتب عليها.

 

وقد اتسع خلال السنوات الثلاث الماضية الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية، وتزايدت الأصوات المطالبة بإنهاء الاحتلال والاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، غير أنّ اتساع هذا الاهتمام لا يحسم -في حد ذاته- الحكم على القرار الذي سبق الحرب، ولا يحوّل التعاطف مع القضية الفلسطينية إلى تفويض بالعملية أو بما ترتب عليها.

 

ومن هنا يصبح السؤال أكثر تحديدًا: هل كان متخذو القرار يبنون حساباتهم على ما يمكن أن يحدث بعد العملية، بما في ذلك ردود الفعل الدولية والإقليمية، أم على تقديرهم لما تستطيع العملية نفسها أن تحققه؟ وهل يجوز أن يُبنى قرار بهذا الحجم على توقعات تتعلق برد فعل الرأي العام الدولي؟ وهل كان في الإمكان تقدير حجم الرد الإسرائيلي، وطبيعة الموقف الأميركي، وموقف الإقليم، والآثار التي يمكن أن تلحق بالمجتمع الفلسطيني، قبل اتخاذ قرار ستكون كلفته أكبر من قدرة أي فصيل منفرد على تحملها؟

 

فخلف ستار الأسئلة والتحليلات والأرقام، هناك عائلات كاملة أُسقِطت من السجلات المدنية، وأطفال فقدوا آباءهم وأمهاتهم ومستقبلهم، ومجتمع كامل يعيش تحت وطأة الصدمة الجماعية، وخطر التهجير.

هذه ليست تبعات يمكن اختصارها في تحليل سياسي، ولا يمكن ردّها إلى عبارة "لو كنت أعلم" التي وردت في تصريحات لبعض المسؤولين في حماس، بل هي جرح مفتوح في جسد الشعب الفلسطيني، يجب أن يكون حاضرًا في أي حساب للمسؤولية.

 

لا تقف المُساءلة عند الماضي، بل تمتد إلى سؤال الشراكة السياسية ومستقبل النظام الوطني الفلسطيني. فالمشاركة السياسية حق، لكن المُساءلة السياسية حق آخر. والانتخابات وسيلة لإنتاج الشرعية، وليست وسيلة لمحو ما سبقها من قرارات. وليس صحيحًا أنّ الجميع مسؤولون عن كل شيء، وبالتالي لا أحد مسؤول عن شيء؛ بل إنّ الاعتراف باختلاف المسؤوليات هو الذي يجعل الشراكة أكثر صدقًا وأقل قابلية للتحول إلى صفقة لتبادل الحصانة السياسية.

 

ولا يعني ذلك إقصاء حماس أو أي قوة سياسية أخرى من الحياة الوطنية، بل يعني وضع المشاركة في إطار سياسي وقانوني يجعل المسؤولية جزءًا من الشرعية، لا عائقًا أمامها؛ فالمُساءلة لا تعني الغرق في الماضي، بل تحرير الطاقات لمواجهة الحاضر؛ فهي ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لاستعادة الثقة التي بدونها لا يمكن بناء مشروع وطني جامع.

 

وفي هذا السياق، تتداول الأوساط السياسية وتقارير إعلامية احتمالات تشكيل قائمة انتخابية واسعة قد تضم حماس والجهاد الإسلامي وتيار الإصلاح الديمقراطي، إلى جانب قوى يسارية وشخصيات مستقلة. ومن حيث المبدأ، لا إشكال في تقارب القوى السياسية أو خوضها الانتخابات في قائمة واحدة؛ فالتحالفات جزء طبيعي من العمل السياسي، والوحدة قد تكون وسيلة لتجاوز الانقسام، شريطة ألا تتحول إلى غطاء لتجاوز المساءلة أو طمس اختلاف المسؤوليات.

 

فإذا كانت حماس ستشارك في صياغة المرحلة السياسية المقبلة، فمن حقها أن تشارك، ومن حق الشعب في الوقت نفسه أن يسألها، كما يسأل سائر القوى، من اتخذ قرار السابع من أكتوبر؟ ماذا كان متوقعًا منه؟ ما الذي تحقق من أهدافه؟ وما الذي أخطأ أصحاب القرار في تقديره؟ وما السبيل إلى الخروج الآمن من تداعياته ومآلاته، وما مدى استعداد أصحاب القرار للاعتراف بخطايا اجتهادهم، لإفساح المجال أمام عودة المرجعية الوطنية الرسمية إلى الاشتباك السياسي مع إسرائيل بلا معوقات أو عراقيل داخلية؟

 

المشكلة ليست في غياب مرجعية وطنية؛ فمنظمة التحرير الفلسطينية، وبصرف النظر عن التحفظات على أدائها، تظل الإطار الوطني الجامع المعترف به لتمثيل الشعب الفلسطيني، إلا أنها تعرضت على مدار العقود لعمليات استفراد وتجاوز، سواء من فصائل خرجت عن إطارها واتخذت قرارات مصيرية نيابة عن الشعب دون تفويض منها، أو من إسرائيل التي سعت إلى تجاوزها وخلق بدائل تفاوضية لا تمثل الشعب الفلسطيني.

 

والمطلوب اليوم ليس إصلاح المنظمة بمعزل عن سياقها، بل الاعتراف بها من قبل الكل الفلسطيني، لا سيما الأطراف خارجها، بوصفها الإطار الوطني الشرعي. فاستعادة دورها ليست مسألة شكلية، بل شرط لإعادة بناء القرار الوطني على قاعدة أوسع، عبر ضم الفصائل خارجها، دون محاصصة، وإجراء انتخابات لمؤسساتها؛ ومن دون استعادة دورها والاعتراف الجمعي بها، سيبقى أي قرار مصيري عرضة للاستفراد، وسيبقى الشعب الفلسطيني يُدفع إلى تحمل تبعات قرارات لم يشارك في صنعها.

 

وقد يمنح قرار اللجنة التنفيذية بتأجيل الانتخابات التشريعية، لتُجرى بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية، فرصة لتهيئة شروط أكثر ملاءمة لنجاحها، إذا ما أفضت جلسات الحوار المرتقبة إلى الاعتراف الجمعي بمنظمة التحرير الفلسطينية وإعادة تفعيل مؤسساتها، بما يمهّد لإنهاء الانقسام، واستعادة وحدة القرار الوطني، والتوافق على مشروع سياسي جامع. 

غير أنّ اغتنام هذه الفرصة يظل مرهونًا بقدرة الحوار على الانتقال من التفاهمات الفصائلية إلى خطوات عملية تفتح الطريق أمام الانتخابات، وتجعلها مدخلًا لتجديد الشرعية وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني.

ومن هذه الزاوية، يصبح السابع من أكتوبر اختبارًا لمفهوم القرار الوطني الفلسطيني نفسه. فإذا كان فصيل يستطيع أن يتخذ قرارًا بالحرب، ثم يصبح الشعب كله طرفًا في تبعاته، فإنّ المشكلة لا تتعلق بنتيجة القرار وحدها، وإنما بالبنية السياسية التي سمحت بإنتاجه. ولهذا لا يكفي أن نسأل إن كان القرار صائبًا أو خاطئًا، بل ينبغي أن نسأل: ما المرجعية الوطنية التي استند إليها؟ وعلى أي تقدير اتُّخذ؟ وهل كانت حساباته تستند إلى قراءة واقعية لموازين القوى وردود الفعل الدولية والإقليمية؟

ومن ثم فالوحدة السياسية لا ينبغي أن تتحول إلى طريقة لتذويب المسؤوليات، أو تجاوز المساءلة. فلا قرار حرب بلا مرجعية وطنية، ولا قرار مصيري بلا مسؤولية، ولا شراكة سياسية بلا مساءلة، ولا مساءلة بلا مشروع وطني توافقي.
يتبع: المسار السياسي ومسؤولية البديل

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق