نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
من فورت هود إلى اغتيال السادات.. حين تختلط العدالة بالدين واستعراض القوة - تواصل نيوز, اليوم الأحد 11 أكتوبر 2026 01:25 مساءً
في الولايات المتحدة، حيث تتحدث الدولة كثيراً عن حقوق الإنسان وسيادة القانون، تعود عقوبة الإعدام إلى الواجهة مع موافقة الرئيس دونالد ترامب على تنفيذ حكم الإعدام رمياً بالرصاص بحق الطبيب النفسي وضابط الجيش السابق نضال مالك حسن، المدان بقتل 13 شخصاً وإصابة 32 آخرين في قاعدة فورت هود العسكرية عام 2009.
وحدد الجيش الأمريكي الثالث من ديسمبر 2026 موعداً مقرراً للتنفيذ، وسط جدل حول طريقة التنفيذ وإمكانية بثه أمام الجمهور.
القضية لا تتعلق بقاتل أدانته محكمة عسكرية فحسب، بل تفتح باباً واسعاً للنقاش حول عقوبة الإعدام، وحدود الخطاب السياسي، والفارق بين تطبيق القانون وتحويل العقوبة إلى رسالة انتقامية. فالولايات المتحدة لم تلغِ عقوبة الإعدام، وهي ما زالت قائمة في النظام الفيدرالي والعسكري وعدد من الولايات.
كما أن الحكم الصادر بحق حسن عام 2013 لم يصدر لمجرد اعتناقه الإسلام، بل لإدانته بجرائم القتل العمد والشروع فيه.
لكن السؤال الذي يستحق التوقف أمامه هو: لماذا تُستدعى ديانة المتهم إلى واجهة المشهد السياسي والإعلامي؟ ولماذا تتحول جريمة ارتكبها شخص بعينه إلى مناسبة تثير الجدل حول المسلمين والإسلام، وكأن ملايين البشر مسؤولون عن فعل فرد واحد؟.
إن إدانة الجريمة أمر لا جدال فيه، وقتل الأبرياء لا يمكن تبريره بدافع ديني أو موقف سياسي أو اعتراض على حرب. لكن استغلال هوية الجاني الدينية لتوسيع دائرة الاتهام يخلط بين المسؤولية الفردية والهوية الجماعية. فالمتهم يُحاسب على ما ارتكبه، لا على دينه، ولا يجوز أن تتحول جريمته إلى ذريعة للوصم أو التمييز ضد جماعة كاملة.
وهنا يبرز التناقض: إذا كانت الجريمة فردية، فلماذا يُدفع الدين إلى مقدمة المشهد؟ وإذا كان القانون هو أساس العقوبة، فلماذا تصبح هوية المحكوم عليه جزءاً من الرسالة السياسية؟ إن استخدام الدين في مثل هذه القضايا قد يخدم خطاباً سياسياً يسعى إلى تعبئة الخوف والغضب، لكنه لا يضيف شيئاً إلى حقيقة الجريمة ولا إلى حقوق الضحايا.
وتستدعي هذه القضية الذاكرة المصرية إلى محاكمة المتهمين باغتيال الرئيس أنور السادات في السادس من أكتوبر 1981. ففي 15 أبريل 1982، نُفذت أحكام الإعدام بحق خمسة مدانين، أُعدم الضابط خالد الإسلامبولي والرقيب حسين عباس رمياً بالرصاص، بينما أُعدم المدنيون عبد الحميد عبد السلام، وعطا طايل رحيل، وعبد السلام فرج شنقاً.
وقد ارتبط اختلاف وسيلة التنفيذ بالصفة العسكرية أو المدنية للمحكوم عليهم وفق الإجراءات القانونية المعمول بها آنذاك.
لكن الدرس الأهم في الحالتين ليس وسيلة الإعدام، وإنما خطورة توظيف الدين في تبرير العنف أو في تعميم الاتهام، فاغتيال السادات لا يصبح مشروعاً باسم الدين، كما أن قتل الأبرياء في فورت هود لا يبرره الاعتراض على الحروب الأمريكية. الدين لا يمنح الفرد حق قتل الآخرين، والسياسة لا تمنح الدولة حق تحويل العقوبة إلى حملة تشهير جماعي.
ومن منظور الشريعة الإسلامية، فإن قتل النفس بغير حق من أعظم المحرمات، والقصاص مشروع بضوابط قضائية، مع حق أولياء الدم في العفو والدية وفق الأحكام الشرعية. قال تعالى: «وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ». والقصاص ليس تشفياً، ولا تفويضاً بالتحريض، ولا مبرراً لإهانة الإنسان أو تحويل موته إلى فرجة.
إن العدالة لا تحتاج إلى استغلال الدين كي تثبت قوتها، ولا تحتاج إلى استعراض الموت كي تفرض هيبة القانون. الدولة القوية هي التي تحاسب الجاني على فعله، وتحفظ حق الضحايا، وترفض في الوقت نفسه تحميل الأبرياء وزر جريمة لم يرتكبوها.
فإذا كان نضال حسن مسؤولاً عن جريمته، فلا يجوز أن يتحول الإسلام إلى متهم معه. وإذا كان قتلة السادات قد ارتكبوا جريمتهم باسم أفكار اعتنقوها، فلا تصبح تلك الأفكار حكماً على دين بأكمله، إن أخطر ما يمكن أن تتركه جريمة القتل ليس عدد ضحاياها وحده، بل أن تتحول إلى وقود للكراهية، وأن يصبح الدين ستاراً للانتقام، وتصبح العدالة نفسها أداة لإشعال الانقسام، هنا تسقط هيبة القانون، لا عندما يعاقب المجرم، بل عندما يُدان الأبرياء بهوية لم يختاروها جريمةً لم يرتكبوها.
اقرأ أيضاً
متحف الموسيقى العربية














0 تعليق