نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
مصر التي يعرفها العالم.. ثابتة الخطى مهما تعثرت الظروف - تواصل نيوز, اليوم الأحد 11 أكتوبر 2026 02:28 مساءً
هناك دول قد تتعثر اقتصاديًا، وتواجه تحديات داخلية وإقليمية، لكنها تظل محتفظة بمكانتها، لأن قيمة الأوطان لا تُقاس بظروفها الآنية وحدها، بل بتاريخها، وقدرتها على الحركة، وشبكة علاقاتها، وما تملكه من ثقل وتأثير.
ومصر واحدة من هذه الدول، قد نختلف حول بعض أحوالها، وننتقد ما يحتاج إلى إصلاح، لكن لا يمكن اختزالها في أزماتها، أو تجاهل مكانتها التي صنعتها قرون من التاريخ والعلم والعطاء.
مصر تمرض لكنها لا تموت وتتعثر لكنها لا تفقد قدرتها على فتح الأبواب وصناعة الفرص.
والدليل ما نشهده من استقبال حافل للرئيس عبد الفتاح السيسي خلال زيارته إلى ماليزيا التي تلت زيارة كوريا الجنوبية، وما صاحب الزيارتين من إشادة بمصر ودورها التاريخي، وثقة في فرص التعاون معها مستقبلًا، تُترجم إلى اتفاقيات اقتصادية واستثمارية وشراكات تستهدف العمل على أرضها.
فحين يستعيد رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم دور مصر في تعليم آلاف الماليزيين، الذين درسوا في الأزهر وجامعات القاهرة وعين شمس والإسكندرية، ويتحدث عن الأطباء والخبرات المصرية في مجالات الطب والهندسة والتكنولوجيا، فإنه لا يستحضر مجرد ذكريات من الماضي، بل يشهد على أثر مصري امتد عبر الأجيال وتجاوز الحدود.
وحين يشير وفقًا للتصريحات المتداولة عن اللقاء، إلى أن أي شخص في شوارع ماليزيا يعرف مصر، فإن هذه العبارة تكشف عن حضور يتجاوز المسافة الجغرافية، وعن اسم لم تفقده السنوات مكانته في الوعي العام.
وتكتسب الإشادة بجهود مصر في مساعدة غزة بُعدًا إضافيًا ، فموقع مصر الجغرافي ومسؤولياتها الإنسانية والسياسية جعلاها في قلب التعامل مع الأزمة، وهو دور لا يمكن فصله عن طبيعة التحديات التي تواجه المنطقة.
هذه الشهادات ليست دعوة إلى الاكتفاء بالفخر بالماضي، لكنها تذكير بأن مصر لا تبدأ من الصفر، وأن رصيدها التاريخي والعلمي والإنساني ما زال عنصرًا مهمًا في علاقاتها بالعالم.
فمصر التي احتضنت طلاب العلم من دول عديدة، كانت أيضًا ملاذًا لجماعات وأفراد فرّوا من الحروب والاضطهاد، ووجد كثيرون منهم فيها فرصة للأمان وإعادة بناء الحياة ، وعلى امتداد تاريخها، ظل تفاعلها مع شعوب وثقافات مختلفة جزءًا من تكوينها الحضاري والاجتماعي.
لكن ما يلفت الانتباه اليوم ليس التاريخ وحده، بل قدرة مصر على مواصلة الحركة وسط منطقة تعصف بها المخاطر.
فالشرق الأوسط يمر باضطرابات وصراعات تهدد استقرار دوله، وتفرض على كل دولة أن تحسب خطواتها بعناية ، وفي مثل هذه البيئة، تصبح استمرارية العلاقات الدولية، وتنوع الشراكات، وجذب الاستثمارات، والحفاظ على قنوات التواصل مع القوى المختلفة، عناصر أساسية في حماية المصالح الوطنية وفتح مسارات للمستقبل.
ومصر بما تملكه من موقع استراتيجي وثقل إقليمي، تتحرك عبر علاقات ممتدة مع أطراف دولية متعددة، من آسيا إلى أوروبا، ومن محيطها العربي والإفريقي إلى القوى الاقتصادية الكبرى ، وهذه الشبكة من العلاقات تمنحها مساحات للحركة والتعاون، وتتيح لها تنويع خياراتها في عالم تتشابك فيه المصالح وتتغير فيه موازين القوة.
إن ثبات الخطى لا يعني غياب الصعوبات، كما أن استقلال القرار لا يعني العزلة عن العالم ، بل إن الدولة المستقلة هي التي تدير علاقاتها وفق حسابات مصالحها الوطنية، وتوازن بين شركائها، وتبحث عن فرص التعاون من دون أن تتخلى عن حقها في تحديد أولوياتها.
ومن هنا تكتسب الاتفاقيات الاقتصادية والاستثمارية أهمية تتجاوز مراسم التوقيع ، فهي اختبار حقيقي لقدرة العلاقات السياسية على التحول إلى مشروعات وفرص عمل ونقل للتكنولوجيا وزيادة في الإنتاج.
فالمكانة الدولية لا تُحفظ بالتصريحات وحدها، بل بما تستطيع الدولة أن تبنيه على أرضها، وبمدى قدرتها على تحويل الثقة الخارجية إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن.
نعم، تواجه مصر ظروفًا اقتصادية صعبة، ولديها تحديات تستحق المعالجة والعمل الجاد ، ولا ينتقص من مكانتها أن نعترف بذلك، كما لا يصح أن نجعل تلك التحديات سببًا لإنكار كل ما تملكه من مقومات أو تجاهل ما تحققه من فرص للتعاون مع العالم.
فالأوطان لا تُختبر فقط في أوقات الرخاء، بل في قدرتها على مواصلة الطريق وسط الأزمات، والحفاظ على مؤسساتها وعلاقاتها، والبحث عن منافذ جديدة للعمل والاستثمار، رغم ما يحيط بها من مخاطر وما قد تتعرض له من ضغوط أو محاولات لإضعاف دورها.
ولعل الأهم أن تتحول هذه المكانة إلى مكاسب حقيقية للمصريين ، وأن تستعيد الخبرات المصرية حضورها في البحث والابتكار، وأن تتحول الاتفاقيات إلى استثمارات منتجة، وأن يجد الشباب فرصًا أفضل، وأن يشعر المواطن بأن ما تمتلكه بلاده من ثقل دولي ينعكس على حياته ومستقبله.
مصر لا تزال في مكانتها حول العالم، لا لأنها لا تواجه الأزمات، بل لأن لديها تاريخًا من الحضور، ومقومات للحركة، وعلاقات تتجاوز حدود الإقليم، وفرصًا يمكن البناء عليها.
والاستقبالات الحافلة، والإشادة بماضيها وحاضرها، والاتفاقيات التي تفتح أبواب التعاون والاستثمار، كلها مؤشرات تستحق القراءة في سياقها الصحيح ، فالعالم لا ينظر إلى مصر من زاوية واحدة، ولا يختصرها في ظرف اقتصادي عابر، بل يتعامل معها باعتبارها دولة مستقرة ذات موقع وتأثير ومصالح وشراكات ممتدة.
فمصر ليست مجرد ماضٍ عظيم نستدعيه، ولا حاضرًا صعبًا نحاكمها به وحده ، إنها دولة تواصل التحرك في عالم مضطرب، وتبحث عن فرصها وسط المخاطر، وتستند إلى تاريخ من العلم والاحتواء والعلاقات الإنسانية، فيما يبقى مستقبلها مرهونًا بقدرتها على تحويل هذه المقومات إلى تنمية حقيقية.
قد تتعب مصر، وقد تتعثر، لكن تاريخها لم ينتهِ، ومكانتها لم تُمحَ، وأبواب المستقبل لم تُغلق أمامها.
تلك هي مصر التي عرفها العالم، والتي لا تزال قادرة على أن تجد لنفسها طريقًا، مهما اشتدت الظروف.
















0 تعليق