ناصر.. و"أبو حمالات"!! - تواصل نيوز

اخبار جوجل 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
ناصر.. و"أبو حمالات"!! - تواصل نيوز, اليوم الأحد 11 أكتوبر 2026 10:05 مساءً

لم يكن جمال عبد الناصر يومًا مجرد زعيم رحل أو رئيس جمهورية سابق، بل هو في عُرف علم النفس الاجتماعي يمثل "البنية التحتية للوجدان المصري والعربي الحديث". لذا، فإن محاولات "أبو حمالات"- ومن هم على شاكلته- لتحطيمه تصطدم بجدار خرساني من التاريخ والعاطفة.

وفي يقيني أن ناصر يظل عصيًا على "التحطيم"- رغم كل محاولات النيل منه على مدار ما يزيد على خمسة عقود- وذلك لعدة أسباب منهجية تتضمن:

- أولاً: بالنسبة للقطاع الأوسع من المصريين فإن الناصرية ليست فقط برنامجًا سياسيًا تعرض لضربة قوية في نكسة 1967م، بل هي مجموعة قيم: العدالة الاجتماعية، والكرامة، والعزة الوطنية، ومواجهة الاستعمار والإمبريالية. ومن ثم، فإن الهجوم على ناصر لدى هذا القطاع من الناس كأنه هجوم على "كرامتهم الشخصية". وعندما ينتقد "أبو حمالات" دكتاتورية ناصر (وكأن مصر ما قبل ثورة يوليو كانت واحة الديمقراطية!!)، فإن الجماهير ترد باستحضار صورة بناء السد العالي، أو مجانية التعليم. العقل هنا يختار الانحياز التأكيدي لحماية "صورة البطل".

- ثانيًا: يحدثنا علم النفس أن "الشخصية الكاريزمية" عندما تنهزم في معركة ما- وهو أمر شاخص ومتكرر في التاريخ - كما حدث في النكسة، ثم تفارق الحياة في ذروة الصراع لإزالة آثار العدوان (كما حدث في حرب الاستنزاف الملهمة تمهيدًا للعبور العظيم الذي قام به الجيش الذي أعاد بناءه ناصر)، فإنه يتحول إلى "بطل تراجيدي". فالنكسة لم تقتل ناصر في قلوب محبيه، بل جعلتهم يشعرون بـ"الذنب" تجاهه، أو بـ"الرغبة في حمايته".

لذا، فإن نقد "أبو حمالات" له يبدو للأغلبية كأنه "ضرب في الميت"، أو محاولة- مستهجنة أخلاقيًا- لتشويه إنسان لم يعد موجودًا ليدافع عن نفسه، مما يستدعي تعاطفًا غريزيًا من المحبين للزعيم الراحل.

- ثالثًا: كلما ساءت الظروف الاقتصادية والاجتماعية أو شعرت الجماهير بضعف الدور الإقليمي لبلادهم، لجأت لا شعوريًا إلى "النوستالجيا" (الحنين للماضي).

وهنا، نجد أن ناصر يمثل "الزمن الجميل" للقوة والزعامة واستقلال القرار الوطني. وبينما يقوم "أبو حمالات" بمحاكمته بمعايير "الديمقراطية الليبرالية" الحديثة، فإن الجماهير العريضة تحاكمه بمعيار "الستر ولقمة العيش والكرامة".

إن هذا التباين الواضح في المعايير، يجعل هجوم "أبو حمالات" يبدو وكأنه "رفاهية فكرية" وسفسطة جدلية لا تلامس احتياجات الناس وواقعهم!!

- رابعًا: في اللا وعي الجمعي، ناصر هو الأب و"كبير العائلة"، وعندما يهاجم "أبو حمالات" بأسلوبه الحاد- والساخر أحيانًا- هذا "الأب"، فإنه يظهر في صورة "الابن العاق" أو "المتمرد" الذي يهدف لـ"هدم البيت". والمجتمع المصري- بطبعه المحافظ تجاه الرموز الكبرى- يرفض هذا الأسلوب قبل أن يناقش الفكرة من الأساس، وهو ما لم يفطن إليه "أبو حمالات" حتى الآن!!

ويبقى السؤال الملّح: هل نجح "أبو حمالات" في زحزحة ناصر عن كاريزميته وشعبيته (الوحيد الذي وزعت صورته في ميدان التحرير إبان ثورتي 25 يناير 2011م، و30 يونيو 2013م)؟.. والإجابة القاطعة لكل ذي عينين: لا، بل على العكس، فإن هجوم "أبو حمالات"- ربيب قناة "الحرة"- المستمر على ناصر قد ساهم في إعادة إحياء النقاش عنه، إذ جعل الأجيال الجديدة تبحث عن ناصر لتعرف لماذا يهاجمه "أبو حمالات"، بل إن كثيرًا من الشباب الجديد قد وقع في حب الرجل وكاريزميته حين قرأ عنه، وذلك- بلا شك- فضل من "أبو حمالات" لم يقصده بالطبع!!.. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى.. فقد ظهر ما يمكن تسميته بـ"عملية فرز الانتماءات"، حيث تحول ناصر إلى "ترمومتر": من يدافع عنه فهو (وطني/ عروبي)، ومن يهاجمه فهو (ليبرالي/ مغرض) في نظر العامة.

ختامًا، لقد تجاوز عبد الناصر منذ زمن بعيد مرحلة "الشخص" في الوجدان المصري والعربي إلى مرحلة "الرمز" العابر للأجيال. رحمه الله رحمة واسعة، ولا عزاء لـ"أبو حمالات".

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق