أصحاب القرار في تمويل منصات "التحقق".. من يفتح الخزائن؟ ولماذا؟ - تواصل نيوز

اخبار جوجل 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
أصحاب القرار في تمويل منصات "التحقق".. من يفتح الخزائن؟ ولماذا؟ - تواصل نيوز, اليوم الأحد 11 أكتوبر 2026 10:05 مساءً

النقاش العام حول تمويل منصات "التحقق" يتوقف عادة عند حدود السؤال التقليدي: من دفع؟ وكم دفع؟ لكن السؤال الذي يستحق التوقف أمامه كثيرًا هو: من صاحب القرار المتحكم في منابع هذه الأموال؟ فالأموال لا تتحرك في الفراغ، كل تحويل مصرفي يمر عبر نظام محدد، وكل نظام يخضع لجهة إدارة وتوجيه. وحين نتحدث عن ملايين الدولارات المتدفقة عبر الحدود لتمويل ما يستتر تحت مسمى "كيان إعلامي"، فالسؤال الأهم يظل: من صاحب قرار فتح الخزائن؟ ولمن يتدفق التمويل؟ وما المقابل؟ هنا بالتحديد تبدأ الحكاية الحقيقية.

في الولايات المتحدة الأمريكية، لا يمر تمويل المنصات الإعلامية في الخارج عبر جمعيات خيرية ولا عبر تبرعات أفراد، وإنما عبر بنية مؤسسية كاملة صُممت منذ عقود لخدمة أهداف السياسة الخارجية. فالوكالة الرسمية للتمويل الخارجي يقر ميزانيتها الكونجرس سنويًا، وإلى جوارها تنشط صناديق شبه حكومية تُوصف بأنها أذرع للسياسة الخارجية، تأخذ معظم تمويلها مباشرة من الخزانة العامة، أي من جيوب دافعي الضرائب الأمريكيين.

لماذا توافق الجهات الأمنية الأمريكية على هذه التمويلات؟ السؤال قد يبدو ساذجًا للوهلة الأولى، لكن الإجابة عنه تفتح الباب على مصراعيه، فهذه المؤسسات ليست مستقلة كما يقولون، وإنما تضم مجالس إداراتها شخصيات قادمة من أروقة الاستخبارات والسياسة الخارجية، وتقاريرها السنوية تُقدَّم للكونجرس، وتعمل بالتنسيق الكامل مع وزارة الخارجية والسفارات الأمريكية في الدول المستهدفة. من هنا، فإن "الموافقة الأمنية" ليست روتينية أو استثنائية، ولكنها القاعدة الحاكمة، فالتمويل يُوجَّه لخدمة أولويات السياسة الخارجية، لا لمجرد "دعم الحقيقة" أو "مكافحة التضليل" كما تدعي البيانات الرسمية.

هي أموال فيدرالية يقرها البرلمان في ميزانية سنوية والتبرعات والمنح الخيرية ليست المصدر الأساسي لهذه الأموال. أحد هذه الصناديق أُسس بموجب قانون صادر مطلع الثمانينيات ينص على أن الصندوق "يجب" أن يتلقى منحة سنوية من التمويل الفيدرالي، أي أن وجوده مفروض بقانون، وتمويله التزام على الموازنة العامة. وطوال تاريخه، أُدرجت ميزانيته ضمن ميزانية العمليات الخارجية للكونجرس. والأمر نفسه ينطبق على الوكالة الرسمية للتمويل الخارجي، إذ يأتي معظم تمويلها من أموال الحكومة الأمريكية التي تديرها الخزانة.

هذا إنفاق سيادي ينفذ عبر وكالات حكومية وشبه حكومية وليست أموالاً خاصة، والادعاء بأن هذه الصناديق "منظمات غير حكومية" هو وصف لا يعبر عن بنيتها التمويلية والتنظيمية المرتبطة مباشرة بالدولة الفيدرالية وميزانيتها السيادية. وعندما نتتبع التسلسل نرى الحلقة كاملة: أموال دافعي الضرائب، ثم قرار الكونجرس، ثم توجيه السياسة الخارجية، ثم وكالات حكومية وشبه حكومية، وصولاً إلى منصات تحت غطاء صحفي تقبل وتخضع لتنفيذ شروط أصحاب القرار في منابع التمويل. وكل حلقة في هذا التسلسل تحتاج إذنًا، وكل إذن تتصرف فيه جهة تمنحه.

من يتحكم في اختيار المنصات والأشخاص؟ هنا يكمن الجزء الأكثر أهمية. الموافقة الأمنية الأجنبية تحصل عليها منصات بعينها في بلد بعينه يديرها أشخاص تم اختيارهم بمواصفات محددة، ولا يذهب فتات من التمويل إلى أي "منصة تحقق" كفكرة مجردة. ومعايير الاختيار معروفة لمن يتتبع بنيان النفوذ بعناية، فالمنصة التي تُدار من الخارج عبر عناصر هاربة أو شبكات تنظيمية تمثل أداة مثالية، لأن من يديرها يمكن التواصل معه، وتوجيهه، وإيقافه إن لزم الأمر. كما أن المنصة التي تقدم نفسها كحامية للحقيقة، وتتخذ اسمًا يمنحها ثقة الجمهور، تستخدم غلافًا يجعل اتهامها بالتضليل صعبًا، ويحيل الدفاع عنها إلى قضية "حرية صحافة" بدلاً من كونها قضية تمويل مشبوه.

ثم هناك القدرة على الإنتاج المطلوب بمواصفات محددة، فالمنصات المُمَولة أنتجت آلاف المواد المغطاة بعباءة الصحافة الاستقصائية، عبر شبكات مدفوعات معقدة وهياكل إدارية متعددة الطبقات، فهذا ليس عملاً فرديًا. وأخيرًا، يبرز معيار "الأثر القابل للقياس"، فالجهات المانحة تريد نتائج ملموسة، تظهر في خلق حالة من السخط والتشكيك في مؤسسات الدولة المستهدفة ودفع المواطنين للشارع، وهو ما يمنح التمويل مبرره الأمني في الدولة الأجنبية، فضلاً عن جمع معلومات تساوي قيمتها أضعاف ما يُدفع فيها.

إن هذا التدفق ليس "تمويلاً أجنبيًا" بالمفهوم التنموي التقليدي، فالتمويل الأجنبي قد يكون مشروعًا كالمساعدات التنموية والمنح الدراسية. لكن ما يحدث هنا هو تمويل سيادي موجه، سيادي لأنه يأتي من موازنة دولة أجنبية بموافقة برلمان وتوجيه أمني من تلك الدولة، وموجه لأنه يختار منصات وأفرادًا بأعينهم لتحقيق أهداف محددة سلفًا.

وهذا يعني أن السؤال التقليدي: "لماذا تدفع جهات أجنبية تمويلاً سخيًا لمنصات التحقق؟" ليس هو السؤال الصحيح، وإنما السؤال الحقيقي: من صاحب القرار المتحكم في منابع هذه الأموال؟ ولماذا يسمح جهاز أمني في تلك الدولة بأن يوجه أموال دافعي الضرائب لتمويل شبكة في بلد آخر ثم تُوصَف العملية بأنها "دعم للديمقراطية"؟ الجواب يصل إلى منتهاه: "الديمقراطية" هي الغلاف، و"التحقق" هو الأداة، والتمويل هو الوقود، والموافقة الأمنية الأجنبية هي المفتاح.. وكلها تخدم مصلحة واحدة في البلد المستهدف.

الحقائق التي تتكشف تباعًا توحي بأن القصة تبدو أكبر من التنظيم الإخواني المصري وأدواته الوظيفية، ومن هنا نفهم أسباب الاستنفار الدفاعي العجيب عن فريق عمل منصة بعينها للمطالبة بتحصينه من المساءلة القانونية والعمل بأسرع الطرق للحيلولة دون خضوعهم لأي تحقيق، فخلال ساعات أصدرت المنظمات والنواب الأجانب البيانات العاجلة، وتحركت منصات إعلامية ومواقع إخبارية وصحف وقنوات تلفزيونية شرقًا وغربًا لتسليط الضوء على خبر ضبط "ستة من فريق عمل إحدى المنصات"، وظهرت حالة التوتر بوضوح في الهجوم الضاري على كل من يوجه اتهامًا لتلك المنصة بالتحديد!

حالة النفير والقلق هذه توحي بأن فتح ملفات هذه المنصات يشكل خطرًا لا يمكن تداركه. وكان من اللافت تلك المطالبة المتكررة بالإفراج "فورًا"، ودعوات عدم جواز إخضاع القائمين عليها لأي سلطات تحقيق تحت ذريعة الصفة الصحفية أو التدريبية، وكأن الصفة حصانة مطلقة فوق القانون.

وعندما ظهرت وثائق التمويل الأجنبي، تراجع الخطاب إلى مقولة: "ما المشكلة في وجود تمويل أجنبي؟" والحقيقة أن المشكلة ليست في أصل التمويل ونوعه، وإنما في وجود باب خلفي يحكمه قرار أمني أجنبي تحت غطاء "دعم الديمقراطية"، والنتيجة: منصات تحمل أسماء براقة تعمل في الظلام، وتُنتج مواد تنتفع بها جهات أجنبية تُوجه لأهداف محددة تحت غطاء العمل الصحفي. وعندما تفتح جهات التحقيق هذه الملفات تكشف الكثير والكثير مما ظنوا أنه سيظل مستورًا إلى الأبد.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق