نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الذكاء الاصطناعي يغيّر قواعد التعليم الجامعي... هل الجامعات والأساتذة والطلاب مستعدون؟ - تواصل نيوز, اليوم الاثنين 12 أكتوبر 2026 06:26 صباحاً
د. عامر حلواني*
تخيّل طالباً جامعياً يُطلب منه إعداد بحث من عشر صفحات. قبل سنوات قليلة، كان عليه البحث عن المراجع وقراءتها وتحليلها وصياغة أفكاره. أما اليوم، فيستطيع الحصول على بحث متكامل خلال دقائق باستخدام الذكاء الاصطناعي. لكن السؤال الأهم: هل تعلّم فعلاً؟ وهل يستطيع شرح ما كتب والدفاع عن أفكاره؟
هذا السؤال يلخّص أحد أبرز التحديات التي تواجه التعليم العالي. فلم يعد المطلوب مجرد إدخال التكنولوجيا إلى الجامعات، بل إعادة النظر في أساليب التعليم والتقييم، بحيث يساعد الذكاء الاصطناعي الطلاب على التفكير بدلاً من أن يفكر نيابة عنهم.
ماذا تقول الدراسات العلمية؟
أظهرت دراسة أجراها باحثون من جامعة هارفارد، ونُشرت عام 2025 في مجلة Scientific Reports، أن 194 طالباً حققوا نتائج تعلم أفضل في موضوعات محددة من الفيزياء باستخدام مساعد ذكي صُمّم وفق مبادئ تربوية.
وكشفت مراجعة علمية لـ57 دراسة، نشرها Chen وCheung عام 2025، عن آثار إيجابية على التحصيل الجامعي وبعض مهارات التفكير، لكنها لم تجد تحسّناً ذا دلالة إحصائية في قدرة الطلاب على مراقبة تعلمهم وتنظيمه.
أما تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) لعام 2026، فيحذّر من الخلط بين إنجاز الواجبات بمساعدة الذكاء الاصطناعي واكتساب معرفة حقيقية.
الخلاصة واضحة: ليست المشكلة في استخدام الذكاء الاصطناعي، بل في كيفية استخدامه. ومن هنا، تبرز خمس توصيات لكل من المؤسسات الجامعية والأساتذة والطلاب.
أولاً: إلى إدارات الجامعات... قودوا التغيير
1. ضعوا قواعد واضحة للاستخدام. بدلاً من المنع الشامل، حدّدوا ما يُسمح به وما يُمنع، ومتى يجب الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي، انسجاماً مع إرشادات اليونسكو لعام 2023.
2. طوّروا المناهج والامتحانات. أعطوا أهمية أكبر للمشاريع التطبيقية والمناقشات الشفهية وحل المشكلات، مع المحافظة على تقييمات تقيس المعرفة الفردية من دون مساعدة.
3. درّبوا الأساتذة. لا تكفي الاشتراكات في التطبيقات؛ المطلوب تدريب عملي على تطوير التدريس والتقييم، بالاستفادة من إطار اليونسكو لكفايات المعلمين لعام 2024.
4. اضمنوا تكافؤ الفرص. وفّروا أدوات مناسبة لجميع الطلاب، بصرف النظر عن قدراتهم المالية، مع مراعاة اللغات المعتمدة وحماية البيانات الشخصية.
5. قيسوا النتائج لا عدد التطبيقات. ابدأوا بتجارب محدودة، وقارنوا مستوى فهم الطلاب قبلها وبعدها، ثم وسّعوا التجارب الناجحة.
فالهدف ليس امتلاك أحدث التكنولوجيا، بل تحقيق تعليم أفضل.
ثانياً: إلى الأساتذة... علّموا التفكير لا تكرار المعلومات
1. حوّلوا المحاضرة إلى مساحة للنقاش. يمكن للطلاب الاطلاع على المفاهيم مسبقاً، وتخصيص وقت الصف لتحليل المشكلات وتطبيق المعرفة، كدراسة أسباب التضخم في لبنان.
2. استخدموا الذكاء الاصطناعي مساعداً في التحضير. استفيدوا منه لإعداد أمثلة وتمارين متنوّعة، مع مراجعة المعلومات والتأكد من صحتها.
3. علّموا الطلاب نقد إجابات الذكاء الاصطناعي. اطلبوا منهم اكتشاف الأخطاء والتحقق من المراجع، خصوصاً في مجالات كالطب والقانون والإعلام.
4. قيّموا طريقة التفكير، لا النتيجة وحدها. اطلبوا من الطلاب توضيح كيف استخدموا الأداة، وما الاقتراحات التي قبلوها أو رفضوها ولماذا.
5. حافظوا على التقييم المستقل. خصّصوا امتحانات ومناقشات فردية تتأكدون خلالها من قدرة الطالب على الفهم والعمل من دون مساعدة.
فقيمة الأستاذ لا تكمن في سرعة تقديم المعلومات، بل في قدرته على تنمية التفكير النقدي والإبداع.
ثالثاً: إلى الطلاب... استخدموا الذكاء الاصطناعي بذكاء
1. اطلبوا الشرح لا الإجابة الجاهزة. اجعلوا الأداة تطرح عليكم أسئلة تقودكم إلى الحلّ بدلاً من تقديمه مباشرة.
2. فكّروا أولاً. حاولوا حل المسألة بأنفسكم، ثم استخدموا الذكاء الاصطناعي لمراجعة عملكم وتحسينه.
3. تحقّقوا من المعلومات. قد يقدم الذكاء الاصطناعي إجابات خاطئة ومراجع غير موجودة، ولو بلغة مقنعة.
4. التزموا بالأمانة الأكاديمية. أفصحوا عن استخدام الأداة وفق قواعد الجامعة، واحموا بياناتكم ومعلومات الآخرين.
5. اختبروا أنفسكم. بعد إنجاز أي واجب، اسألوا: هل أستطيع شرحه والدفاع عن نتائجه وحل مشكلة مشابهة من دون مساعدة؟
فإنجاز الواجب لا يعني بالضرورة أن التعلم قد تحقق.
من المبادرات الفردية إلى عمل جامعي مشترك
يمكن أن تؤدي رابطة جامعات لبنان دوراً جامعاً في تنسيق الجهود وتبادل الخبرات، وتشكيل فريق أكاديمي مشترك لتطوير إرشادات وبرامج تدريبية وأبحاث حول الذكاء الاصطناعي في التعليم.
وتستطيع الاستفادة من التجارب الأوروبية الأكاديمية التي تتناول الذكاء الاصطناعي من منظور تربوي مستقل عن المصالح التجارية. ولمَ لا تبادر، بالشراكة مع جامعات لبنانية وأوروبية، إلى إعداد مشروع ضمن برنامج Erasmus+ لبناء القدرات في التعليم العالي (CBHE) لتطوير التدريس والتقييم وتأهيل الأساتذة؟
نحو تعليم جامعي أكثر ذكاءً وإنسانية
أمام الجامعات اللبنانية فرصة لتجديد التعليم من خلال تعاون المؤسسات والأساتذة والطلاب، والاستفادة من التكنولوجيا من دون التفريط بالتفكير المستقل.
فالهدف ليس أن نعلّم طلابنا كيف يحصلون على إجابات أسرع، بل كيف يطرحون أسئلة أفضل، ويفكرون باستقلالية، ويستخدمون المعرفة والذكاء الاصطناعي لإيجاد حلول لمشكلات عالمهم.
- المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية











0 تعليق