التعويم.. حين يدفع المواطن والدولة الثمن - تواصل نيوز

اخبار جوجل 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
التعويم.. حين يدفع المواطن والدولة الثمن - تواصل نيوز, اليوم الاثنين 12 أكتوبر 2026 01:15 مساءً

ليست كل القرارات التي تُتخذ باسم الإصلاح الاقتصادي تقود بالضرورة إلى التعافي؛ فقد تتحول، إذا سبقت القدرةَ الإنتاجية، إلى عبء يدفع المواطن ثمنه وتتحمل الدولة تداعياته. ومن هنا تكتسب شهادة الدكتور كمال الجنزوري، أحد أبرز رؤساء وزراء مصر وأستاذ التخطيط، بشأن خفض قيمة الجنيه أهمية استثنائية؛ فهو لم يكن مراقبًا من الخارج، بل صانع قرار أدرك أن انخفاض العملة لا يصنع صادرات تلقائيًا، ولا يحقق التنافسية في اقتصاد يعتمد على الاستيراد. 

 

وهنا يكمن جوهر القضية: حين تنخفض قيمة العملة قبل أن ترتفع قدرة الاقتصاد على الإنتاج والتصدير، تتضخم الأسعار وتتآكل القوة الشرائية، بينما ترتفع تكلفة الواردات وخدمة الديون؛ فيدفع المواطن والدولة معًا ثمن القرار، دون ضمان تحقق عائده المأمول. ومن هذه المفارقة تنطلق قراءتنا للتعويم، في ضوء التجربة المصرية والدروس المستفادة من التجربة الصينية.

 

لست من دراويش الجنزوري ولا من خصومه، لكن شهادته تفتح بابًا لمراجعة جدوى السياسات المتبعة. فخفض قيمة العملة لا يؤدي تلقائيًا إلى زيادة الصادرات؛ إذ تتوقف النتيجة على قدرة المصانع والمزارع على زيادة الإنتاج، وتوافر الخامات والطاقة والتمويل والتكنولوجيا، ومرونة الطلب الخارجي. وفي اقتصاد يعتمد على استيراد الغذاء والوقود والآلات ومستلزمات الصناعة، يؤدي انخفاض الجنيه إلى رفع تكاليف الإنتاج، وقد يلتهم الميزة التنافسية المفترضة.

 

أما المواطن، فيدفع الثمن سريعًا بارتفاع أسعار السلع والخدمات وتراجع القوة الشرائية، بينما لا تواكب الأجور هذه الزيادات، فتتآكل المدخرات وتتسع الأعباء المعيشية. وتتحمل الدولة بدورها ارتفاع التكلفة المحلية لخدمة الديون المقومة بالعملات الأجنبية، وزيادة فاتورة الواردات، فضلًا عن الضغوط التضخمية التي ترفع تكلفة المشروعات والإنفاق الحكومي. وهكذا قد تتراجع معيشة المواطن وتتزايد أعباء الدولة دون تحسن موازٍ في الإنتاج والصادرات.

 

وتقدم الصين درسًا مهمًا؛ فقوتها التصديرية لم تُبنَ بخفض العملة وحده، بل باستثمارات ممتدة في الصناعة والتكنولوجيا والبنية الأساسية، وتطوير سلاسل الإمداد، ورفع كفاءة الإنتاج، مع إدارة سعر الصرف ضمن سياسة اقتصادية متكاملة. فالعملة لا تصنع اقتصادًا قويًا، وإنما الاقتصاد المنتج هو الذي يمنحها قوتها، ويحول التنافسية إلى صادرات وفرص عمل وقيمة مضافة.

 

وقد روى الجنزوري أنه رفض، خلال مفاوضات مع صندوق النقد الدولي، مطالب بخفض قيمة الجنيه، متمسكًا بما اعتبره حماية للاقتصاد والمواطن. وبصرف النظر عن تقييم تفاصيل تلك التجربة، يبقى السؤال: هل سبقت قرارات التعويم خطة إنتاجية قادرة على استثمار آثارها المحتملة، أم تحمل المواطن تكلفة الإصلاح قبل أن يجني الاقتصاد ثماره؟

 

إن القضية ليست رفض التعويم مطلقًا أو رفض التعاون مع صندوق النقد الدولي، بل تصحيح ترتيب الأولويات؛ بزيادة الإنتاج المحلي، وتوطين مستلزمات الصناعة، وتعميق التصنيع، وتنمية الصادرات، وترشيد الاقتراض، بحيث يصبح الإصلاح طريقًا إلى اقتصاد منتج لا مجرد استجابة لاختلالات سعر الصرف.

ويبقى السؤال الذي يستحق مراجعة جادة: هل حققت تكلفة التعويم عائدًا إنتاجيًا يتناسب مع ما تحمله المواطن والدولة؟ أم آن الأوان لإعادة ترتيب السياسات، بحيث لا يسبق خفض قيمة العملة بناءَ القدرة على الإنتاج والتصدير، ولا يصبح المواطن الحلقة الأضعف في معادلة الإصلاح؟

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق