نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
تقتير! - تواصل نيوز, اليوم الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 10:36 صباحاً
الحرب المقبلة حرب مياه، فلا أحد يشرب خوارزمية ذكاء اصطناعي ولا يشرق برميل نفط. ونحن اللبنانيين نستعدّ لها على طريقتنا: نترك المياه تتلوّث وتضيع، ونحتفظ بأسماء الأنهار، لأننا نحتاج إليها في نشرات الأخبار.
لأنهارنا سيرة عسكرية أطول من سيرتها الإنمائية. "عملية الليطاني"، جنوب الليطاني، شمال الليطاني، وصولاً إلى الأولي... نحفظ مواقعها على خرائط الاجتياحات والانسحابات والإنذارات، أكثر مما نعرف كيف تصل مياهها إلى بيوتنا وحقولنا. النهر عندنا يصلح خطاً أحمر، وخطاً أصفر لمنطقة عازلة، أما أن يصلح للشرب، فتلك مسألة تحتاج إلى توافق وطني.
وهكذا، يجري الليطاني على ألسنة السياسيين أكثر مما يجري في خدمة أهله، فنتخاصم على من يقف إلى جنوبه ومن ينسحب إلى شماله، فيما الماء نفسه لا يجد من يوصله إلى حنفية مدرسة: يقدّم تقرير "التقدّم في مياه الشرب والصرف الصحي والنظافة الصحية في المدارس (2015–2025)"، الصادر عن منظمة الصحة العالمية واليونيسيف في أيلول الماضي، نموذجاً هو أقرب إلى الدعابة السمجة. فبين عامي 2015 و2025، تراجعت نسبة المدارس اللبنانية التي تفتقر إلى مصدر مياه محسّن من 55 إلى أقل من 1%، أي إن أكثر من 99% منها باتت تملك مصدراً من هذا النوع. ممتاز! لكن... نسبة المدارس التي تتوافر فيها المياه فعلياً ارتفعت من 45 إلى 46% فقط. نقطة مئوية واحدة في 10 أعوام. وفي نحو 54% من المدارس، تقدّمت التجهيزات، وبقي العطش. الحنفية موجودة يمكن تصويرها وإدراجها في تقرير الإنجازات. أما التلميذ، قليل الاطّلاع على مؤشرات التنمية، فما زال يطلب شيئاً بدائياً: ماءً للشرب.
لا يحقّ لنا، نحن اللبنانيين أن نمثّل دور ضحايا العطش الأبرياء تماماً. نغضب من الأطماع في أنهارنا، ونتسامح في تحويلها إلى مصارف صحية ومكبات للنفايات. نحرس اسم النهر بحماسة، ثم نترك مياهه لمخلّفات المصانع والصرف الصحي والتعدّيات، كأننا نحافظ على سند الملكية ونهدم البيت.
التقشّف أمر والتقتير أمر آخر، والأرقام لا تفسّر وحدها كل أسباب الانقطاع، لكنها تكفي لمساءلة سياسة تعدّ المنشآت وتنسى الخدمة. ما قيمة توفير المال العام إذا اضطرّ الأهل إلى دفعه مرة أخرى لشراء المياه؟ هكذا لا تختفي الفاتورة؛ تنتقل من الدولة إلى جيب المواطن، مع بدل إضافي للإذلال.
إن كانت المنطقة تتجه إلى صراع على الماء، فأول استعداد لبناني له أن نحمي ما لدينا، ونوقف تلويثه، ونموّل وصوله إلى الناس، بترشيد. فالسيادة تبدأ من كوب ماء في يد تلميذ. أما أن نتركه لعطشه ونشرح له أهمية الليطاني الاستراتيجية، فتلك حصة في التربية الوطنية تستحقّ أن تُدرَّس... على الناشف.












0 تعليق