درس تعلّمته إسرائيل: الاعتماد على الردع وحده لا يحمي مواطنيها - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
درس تعلّمته إسرائيل: الاعتماد على الردع وحده لا يحمي مواطنيها - تواصل نيوز, اليوم الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 12:56 مساءً

بين تشرين الأول 2023 وتشرين الأول 2025 تطوّرت الحملة الإسرائيلية، من استهداف البنية التحتية العسكرية والحكومية لـ"حماس" إلى حملة استنزاف مطولة تقوم على السيطرة الميدانية وعمليات المتابعة ضد ما تبقى من قدرات الحركة. شكّل وقف إطلاق النار تحولاً في العقيدة العسكرية، فبدلاً من المناورات الواسعة والمتواصلة بدأ الجيش الإسرائيلي يركز على أربعة مبادئ مترابطة: أولها الدفاع المتقدم لإيجاد مساحة مادية تفصل القوات المعادية عن البلدات الإسرائيلية. ثانيها الحفاظ المستمر على التفوق الاستخباري لرصد التهديدات الناشئة قبل أن تتبلور. ثالثها حرية العمليات لمواصلة الضربات أو دخول المناطق الخاضعة لسيطرة أطراف آخرين عند الضرورة. رابعها الجهود الوقائية لضمان عجز "حماس" وغيرها من الجماعات المسلحة عن إعادة بناء القدرات العسكرية اللازمة لشن هجوم واسع آخر. 

 

لماذا سمح لـ"حماس" بإعادة بناء قدراتها؟

لم تعد إسرائيل تسعى إلى مجرد تدمير "حماس" عبر مناورة حاسمة، كما أنها لا تسعى إلى إدارة غزة أو تحمّل مسؤولية سكانها المدنيين. بل تسعى إلى قدر كافٍ من السيطرة على البنية المادية والمعلوماتية يحول دون ظهور تهديد عسكري إستراتيجي، مع ترك الحكم المدني لآليات فلسطينية وأوروبية. وعليه، لم يعد المقياس الحقيقي للنجاح عدد مقاتلي "حماس" الذين يُقتلون أو حجم ما يُدمر من بنيتها التحفية، بل قدرة الحركة على العمل مجدداً كتنظيم عسكري متكامل يستطيع شن هجوم كبير آخر.

 

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز).

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز).

 

 

 

يعدّ "الخط الأصفر" التجسيد المادي لهذا المفهوم. فهو لم يصمّم ليكون حدوداً دولية، بل خط سيطرة عملياتياً يوفّر المراقبة والإنذار المُبكر وحماية البلدات الإسرائيلية الحدودية والاستجابة السريعة للتهديدات الناشئة. يقوم المنطق العسكري لهذا الخط على إبعاد التهديدات عن إسرائيل وإطالة فترة الإنذار المتاحة لها. بذلك تحولت المساحة الواقعة على الجانب الإسرائيلي من الخط، والتي تشكل 60% من أراضي غزة، من ساحة قتال موقتة إلى منطقة أمنية متقدمة. وهي تتسم بوجود عسكري ومراقبة وجمع للمعلومات الاستخبارية وأعمال هندسية وقدرات للرد السريع، فضلاً عن القدرة على تنفيذ عمليات عسكرية محدودة النطاق من دون العودة فوراً إلى حجم المناورات التي شهدتها الحرب. 

 

على الجانب الآخر من الخط، يقول باحث جدّي في مركز أبحاث أميركي مقره واشنطن: يقع الحيز المدني الرئيسي في غزة حيث يتركز معظم السكان الفلسطينيين، وحيث يفترض أن تتولى الحكم آليات فلسطينية و/أو دولية لإسرائيل. مع ذلك قد تجد إسرائيل نفسها مضطرة من حين إلى آخر إلى دخول هذا الحيّز عسكرياً لضمان السيطرة الأمنية. هنا تنشأ مفارقة. فالأطراف الدوليون سيواصلون انتقاد إسرائيل بسبب إبقاء وجودها في غزة وتنفيذ عمليات عبر "الخط الأصفر"، لكن العمليات ضرورية راهنا لمنع "حماس" من إعادة بناء مقدراتها العسكرية، وكلما نجحت ازدادت احتمالات أن تتمكن إسرائيل في نهاية المطاف من تقليص وجودها الميداني. أما لماذا سمح لـ"حماس" بإعادة بناء قدراتها؟ فقد تخلص إسرائيل إلى أن السيطرة الميدانية المتقدمة والدائمة أمر لا غنى عنه.

 

لا شك في أن هجوم 7 أكتوبر أعاد تشكيل التفكير الإسرائيلي الطويل الأمد في هذه القضايا جذريا. كانت إسرائيل تسعى إلى إدارة تهديد غزة، أما الآن فهي تسعى إلى منعها من تشكيل مصدر لتهديدات عسكرية إستراتيجية. فالمسافة تشكل عنصر حماية أمنية في ذاتها، لكنّ للعمق الإستراتيجي أثمانه. فكلما توغلت القوى الإسرائيلية أكثر داخل غزة ازدادت الأعباء العسكرية والمخاطر على الجنود وارتفعت الكلفة السياسية والديبلوماسية والاقتصادية. وإطالة أمد الوجود العسكري الإسرائيلي قد تقود الدعم السياسي الأميركي للبنية الأمنية القائمة.

 

ينبغي لإسرائيل في رأي الباحث نفسه أن تبدأ من الآن التخطيط لاحتمال إعادة الانتشار مستقبلاً. فالانتظار حتى تشتد الضغوط الديبلوماسية والسياسية سيضعها وجيشها في موقع رد الفعل، في حين أن التخطيط المسبق سيمكّنهما من تحديد الوظائف الأمنية التي تقلص العمق الميداني على إسرائيل ومدى الإعداد لسيناريو كهذا. علاوة على ذلك، على جميع الأطراف أن يضعوا في حسبانهم أن أيّ إعادة انتشار مستقبلية ستكون مرهونة بتحقيق شروط معينة لا بجدول زمني. الشروط هي: ألا تعود "حماس" إلى امتلاك منظومات الأسلحة أو القدرات التنظيمية واللوجيستية والقيادية لشن هجوم واسع، ويجب تطبيق أهليات فعالة لنزع سلاح "حركة الجهاد الإسلامي" الفلسطينية، وأن تثبت سلطة حاكمة بديلة قدرتها على حفظ النظام الداخلي ومنع التنظيمات المسلحة من إعادة بناء قدراتها، وأن تطبّق آليات فعالة لمنع دخول الأسلحة والجهاد المعادية والمكونات اللازمة لإعادة بناء البنية التحتية العسكرية في غزة، وأن تحتفظ إسرائيل بقدر كاف من النفاذ الاستخباري يتيح لها رصد جهود إعادة بناء القدرات العسكرية قبل أن تتحول إلى تهديد عملياتي، وأن تثبت الأطراف الدولية امتلاكها قدرة فعلية على إنفاذ ترتيبات ما بعد الحرب، لا مجرّد إعلان استعدادها لذلك، وأن تكون إسرائيل واثقة من قدرتها على الدفاع عن بلداتها الحدودية.

 

إذا تعذر تحقيق هذه الشروط فقد تخلص إسرائيل إلى أن استمرار السيطرة العسكرية المتقدمة يظل ضرورة.

 

ينبغي التعامل مع العام المقبل (تشرين الأول 2026 - تشرين الأول 2027) بوصفه فترة للتقويم الإستراتيجي لا مجرد استمرار للانتشار القائم. لكن السؤال الأكثر إلحاحاً هو: هل الفوائد الأمنية التي يوفرها استمرار وجود إسرائيل في غزة تفوق ما يمكن تحقيقه من خلال انتشار أصغر يرتكز على المحيط الحدودي؟ وإذا أشارت الأدلة إلى إمكان الحفاظ على الوظائف الأمنية الأساسية بالسيطرة على مساحة أقل من الأرض، فعلى إسرائيل أن تبدأ انتقالاً تدريجياً نحو الدفاع عن المحيط الحدودي. إذا كان الأمر غير ذلك يظل الإبقاء على وجود عسكري متقدّم الخيار الأكثر حكمة. 

 

لقد تعلمت إسرائيل درساً بثمن باهظ من 7 تشرين الأول، هو أنها لم تعد قادرة على الاعتماد على الردع وحده أو التفوّق التكنولوجي أو الدفاعات الحدودية الثابتة لحماية مواطنيها.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق