الذهب الأخضر في العالم العربي 2025-2026: موسم الزيتون بين التراث والاقتصاد - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الذهب الأخضر في العالم العربي 2025-2026: موسم الزيتون بين التراث والاقتصاد - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 16 أكتوبر 2026 06:16 صباحاً

ومع بداية الخريف من كل عام، يتحول قطاف الزيتون في العالم العربي من نشاط زراعي إلى حدث اقتصادي واجتماعي، تعمل فيه العائلات، وتنشط المعاصر والأسواق والنقل والتعبئة، وتتأثر به الأسعار والدخول الموسمية في الريف.

 

وتقول الخبيرة أسيل العرنكي لـ"النهار" إن الزيتون في المنطقة "يتجاوز حسابات الأرباح والخسائر"، فهو مورد معيشي لآلاف الأسر، وجزء من الهوية الثقافية والاجتماعية. ولذلك، فإن أثر موسم القطاف يمتد إلى الاقتصاد الريفي وإلى حياة العائلات التي تعتمد على هذا المحصول.

 

(النهار)

(النهار)

 

وبحسب بيانات المجلس الدولي للزيتون، بلغ إنتاج زيت الزيتون العالمي في موسم 2024/2025 نحو 3.57 ملايين طن، فيما تُقدّر توقعات موسم 2025/2026 بنحو 3.44 ملايين طن، أي بانخفاض يقارب 4% عن الموسم السابق، مع استمرار منطقة البحر المتوسط في تصدر الإنتاج العالمي.

 

تونس في الصدارة العربية

تتصدر تونس الدول العربية في إنتاج زيت الزيتون لموسم 2025/2026 بنحو 450 ألف طن، في مقابل 340 ألف طن في الموسم السابق، لتحتل المرتبة الثانية عالمياً خلف إسبانيا.

ويأتي المغرب ثانياً بإنتاج متوقع يبلغ 160 ألف طن، في مقابل 90 ألفاً، تليه سوريا بنحو 95 ألف طن، في مقابل 105 آلاف، ثم الجزائر بـ75.5 ألف طن، في مقابل 85 ألفاً، ومصر بـ50 ألف طن، في مقابل 45 ألفاً. ويبرز هنا الفرق بين زيت الزيتون وزيتون المائدة، إذ تُعد مصر من كبار منتجي الأخير، من دون أن يعني ذلك تصدرها إنتاج الزيت.

 

موسم 2026: عودة الوفرة بعد عام صعب

في الأردن، تراجع إنتاج زيت الزيتون في موسم 2025 بنسبة 54.4% إلى 16.342 ألف طن، وفق دائرة الإحصاءات العامة، ما أحدث فجوة في السوق قُدّرت بـ9 إلى 11 ألف طن. أما في موسم 2026، فتتوقع وزارة الزراعة إنتاج 30 ألف طن، في مقابل احتياجات تبلغ نحو 27 ألفاً، بما قد يعيد المملكة إلى الاكتفاء الذاتي. واستعدت 153 معصرة مرخصة لاستقبال المحصول، فيما تراوح التقديرات لسعر تنكة الزيت بين 90 و110 دنانير بحسب الجودة.

 

وفي فلسطين، تشير التقديرات الأولية إلى إنتاج نحو 21 ألف طن من الزيت، في مقابل استهلاك محلي يبلغ 15 إلى 15.5 ألف طن، ونحو 4 آلاف طن للتصدير. لكن العرنكي تشدد على أن وفرة المحصول لا تكفي لضمان دخل المزارع الفلسطيني، موضحة أن "حجم المحصول وحده لا يحدد دخل المزارع الفلسطيني"، إذ يشكل الوصول إلى الأرض وإمكان إتمام موسم القطاف عاملين اقتصاديين أساسيين، إلى جانب كمية الإنتاج.

 

أما سوريا، فتسجل أكبر قفزة، مع تقدير وزارة الزراعة إنتاجاً أولياً يبلغ 954,730 طناً من ثمار الزيتون، يخصص 20% منها لزيتون المائدة و80% للعصر، بما يعادل نحو 190,946 طناً من الزيت، في مقابل 66 ألف طن في الموسم السابق.

 

وتربط هذا التحسن بزيادة الهطول المطري وتحسن رطوبة التربة وتراكم الزيت في الثمار، لكنها تحذر من اعتبار ارتفاع الإنتاج مؤشراً تلقائياً على زيادة الأرباح، في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج وشح المحروقات وأجور العمال.

 


يمتد النشاط الاقتصادي إلى ما بعد الحقول، ليشمل المعاصر والنقل والتعبئة والتخزين والتسويق (رويترز)

يمتد النشاط الاقتصادي إلى ما بعد الحقول، ليشمل المعاصر والنقل والتعبئة والتخزين والتسويق (رويترز)

 

لبنان... قطاع متضرر

في لبنان، تكبد قطاع الزيتون خسائر كبيرة بسبب الحرب، خصوصاً في الجنوب، حيث تعذر الوصول إلى مساحات واسعة من البساتين وتعطلت عمليات القطاف.

وتشير تقديرات إلى خسائر في قطاع الزيتون تجاوزت 236 مليون دولار، فيما لم يتم حصاد نحو 4,800 هكتار من بساتين الزيتون في المناطق الحدودية خلال موسمي 2023 و2024.

وبلغ إنتاج زيت الزيتون نحو 16 ألف طن في موسم 2023/2024، وارتفع إلى نحو 19 ألف طن في 2024/2025، مع توقعات سابقة بوصوله إلى نحو 19.5 ألف طن في 2025/2026. ولا تتوافر تقديرات رسمية نهائية لموسم 2026، ما يجعل اعتماد رقم جديد سابقاً لأوانه.

 

من الحقل إلى الاقتصاد

لا يقتصر الأثر الاقتصادي للزيتون على بيع الزيت. وتوضح العرنكي أن موسم القطاف "عمل كثيف العمالة"، يوفر دخلاً موقتاً للعمال الزراعيين والنساء والطلبة، فيما ينتشر العمل العائلي المشترك وما تعرف بـ"العونة".

ويمتد النشاط الاقتصادي إلى ما بعد الحقول، ليشمل المعاصر والنقل والتعبئة والتخزين والتسويق، ما يضخ سيولة في القرى بعد أشهر من الركود، وينعكس على التجارة المحلية وتسديد الديون والتعليم وشراء الاحتياجات الشتوية.

لكن توزيع القيمة لا يكون متساوياً على امتداد السلسلة. فبحسب العرنكي، يحصل المزارع الصغير غالباً على حصة أقل من القيمة النهائية عندما يبيع الزيت من دون علامة تجارية أو شهادات جودة، بينما يمكن للتعبئة والعلامات التجارية والتصدير أن ترفع القيمة المضافة للمنتج.

 

زيت زيتون بكر في المعصرة (النهار)

زيت زيتون بكر في المعصرة (النهار)

 

 

 

الزيتون لا يهدر

ولا تنتهي القيمة الاقتصادية للزيتون عند إنتاج الزيت. وتشير العرنكي إلى أن "الزيتون من المحاصيل التي يُستفاد من كل جزء فيها تقريباً".

فمن الثمرة يُنتج زيت الزيتون وزيتون المائدة، ويدخل الزيت في صناعة الصابون، ومنها الصابون النابلسي والحلبي، إضافة إلى مستحضرات العناية بالبشرة والشعر.

كما تحتوي أوراق الزيتون على مركبات مثل الأوليوروبين، فيما يمكن استخلاص مركبات البوليفينول والهيدروكسي تيروسول من مخلفات العصر لاستخدامها في تطبيقات غذائية وصناعية.

 

الجفت والنوى... من مخلفات إلى وقود

وتبرز مخلفات الزيتون كقطاع اقتصادي إضافي. فبحسب العرنكي، يمكن تجفيف الجفت، وهو تفل الزيتون المتبقي بعد العصر، وكبسه واستخدامه وقوداً للتدفئة وبعض المخابز والصناعات، كما يمكن تحويله إلى قوالب وقود مضغوطة أو إلى فحم الجفت.

وتُستخدم نوى الزيتون أيضاً كوقود نظراً إلى قيمتها الحرارية، فيما يمكن الاستفادة من حطب التقليم في التدفئة وإنتاج الفحم.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في سوريا، إذ إن ارتفاع الإنتاج في موسم 2026 يعني كميات أكبر من الجفت والنوى، ما يفتح فرصة لتحويل المخلفات إلى وقود في بلد يعاني شح المحروقات.

كما يمكن استخراج زيت البيرينا من الجفت، واستخدام الجفت المعالج في بعض تطبيقات الأعلاف أو تحويله إلى سماد عضوي، فيما يدخل خشب الزيتون في صناعة الأدوات المنزلية والتحف والهدايا.

 

ماء المعصرة... تحدٍ بيئي وفرصة اقتصادية

أما مياه المعاصر، أو ما يعرف بالزيبار، فتمثل مشكلة بيئية بسبب حموضتها وحمولتها العضوية المرتفعة.

وتشير العرنكي إلى أن تحويل هذه المخلفات من عبء بيئي إلى مورد، سواء من خلال إنتاج السماد أو استخلاص مركبات نافعة منها، يمثل فرصة اقتصادية وبيئية لا تزال بحاجة إلى مزيد من الاستثمار في المنطقة.

 

المناخ والتحديات المقبلة

يبقى المناخ أحد أبرز العوامل المؤثرة في إنتاج الزيتون. فالأمطار ودرجات الحرارة والجفاف وموجات الحر تؤثر في الإزهار والعقد وحجم الثمار ونسبة الزيت.

كما تبرز ظاهرة المعاومة، أي التناوب بين موسم وفير وآخر أقل إنتاجاً، إلى جانب ارتفاع تكاليف الأسمدة والطاقة والعمالة والنقل والآفات الزراعية مثل ذبابة الزيتون وعين الطاووس.

وتلفت  إلى أن مواجهة هذه التحديات تتطلب تحسين إدارة المياه والتقليم، وتطوير تقنيات العصر والتخزين، ودعم التعاونيات الزراعية، وتنويع الأسواق، إلى جانب الاستثمار في الصناعات المرتبطة بمخلفات الزيتون.

 

من محصول تقليدي إلى صناعة متكاملة

وتكشف أرقام موسم 2025‚6 أن العالم العربي يحتفظ بموقع مهم في صناعة الزيتون العالمية، مع تصدر تونس عربياً في إنتاج زيت الزيتون، ووجود المغرب وسوريا والجزائر ومصر من ضمن أبرز المنتجين العرب.

لكن حجم الإنتاج وحده لا يكفي لقياس قوة القطاع. فموسم وفير قد يؤدي إلى انخفاض الأسعار، فيما قد يرفع الموسم الضعيف قيمة المنتج، وتبقى كلفة الإنتاج وجودة الزيت والعلامة التجارية والقدرة على التصدير عوامل أساسية في تحديد دخل المزارع.

ولهذا، فإن مستقبل قطاع الزيتون العربي لا يرتبط بزيادة عدد الأشجار فحسب، بل بقدرته على التحول من محصول تقليدي إلى صناعة متكاملة، تستفيد من الثمرة والزيت والمخلفات، وتخلق قيمة مضافة للمزارع والاقتصاد الريفي.

وفي موسم 2026، تعود الوفرة إلى عدد من دول المنطقة بعد عام شحيح، لكن الوفرة وحدها لا تعني ربحاً أكبر. فالتحدي الحقيقي هو تحويل هذه الوفرة إلى قيمة اقتصادية مستدامة، من الأرض إلى المعصرة، ومن الزيت إلى الصناعة، ومن المخلفات إلى الطاقة.

وهكذا تبقى شجرة الزيتون أكثر من شجرة، فهي ذاكرة أرض، ومصدر رزق، وسلعة تصديرية، وجزء من اقتصاد الريف العربي، وفرصة لتحويل جذور قديمة إلى قيمة اقتصادية جديدة.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق