جنوب لبنان: حتى أشجار الزيتون باتت لها حدود - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
جنوب لبنان: حتى أشجار الزيتون باتت لها حدود - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 16 أكتوبر 2026 06:16 صباحاً

فاتن كحيل

 

 

814 هكتاراً من بساتين الزيتون في جنوب لبنان طالتها الأضرار، فيما تجاوزت خسائر قطاع الزيتون 236 مليون دولار منذ عام 2023، وفق الأرقام الواردة عن منظمة الأغذية والزراعة (الفاو). ومع انطلاق موسم قطاف الزيتون، السؤال الملح في جنوب لبنان هو: هل سيتمكن المزارعون من الوصول إلى أراضيهم أصلاً؟

"لأنها أرضنا"... في زوطر الغربية، تختصر هذه العبارة، التي تقولها نادية، واقعاً بات موضع اختبار. فامتلاك قطعة أرض لم يعد يضمن لصاحبها القدرة على دخولها أو الاعتناء بها أو قطاف أشجارها. وفي عدد من القرى الحدودية، تبدأ عملية القطاف بتقديم طلب للحصول على إذن، وتحديد مواقع الأراضي، وانتظار ضمانات تتيح الوصول إليها بأمان.


بات القطاف يبدأ بإذن. أرض يملكها المرء من دون أن يستطيع الوصول إليها.

 

 

(النهار)

(النهار)

 

في تشرين الأول/أكتوبر، يُفترض بالمزارعين تجهيز الشباك، واستقدام العمال، وتنظيم نقل الزيتون إلى المعاصر. لكن في مناطق عدة من الجنوب، بات عليهم أولاً معرفة ما إذا كان سيُسمح لهم بالوصول إلى أراضيهم. في القليعة ودير ميماس وكفرشوبا وقرى أخرى، يسعى المزارعون إلى الحصول على الأذونات اللازمة للوصول إلى أراضيهم وقطاف المحصول، بمساندة السلطات اللبنانية وبالتنسيق مع الآلية الأمنية المعنية (الميكانيزم). مع ذلك، تبقى بعض الأراضي غير متاحة لأصحابها.

وهكذا، تتحول مسألة زراعية إلى مسألة أمنية واقتصادية في آن. في كفرشوبا، لا يعتزم المزارع محمود العمل في حقوله هذا العام. فبعد القصف، يخشى على حقوله، يقول: "لا نعرف ماذا سيحدث". لذلك، لم تعد كمية الإنتاج في الجنوب مرتبطة بالطقس أو جودة الأشجار وحدهما، بل أصبحت رهينة القدرة على الوصول إلى الحقول.

 

حين تختفي الشجرة

في بعض المناطق، تتجاوز الخسارة مسألة تعذّر الوصول إلى الأرض، إذ يجد المزارع أشجاره متضرّرة أو محترقة أو مقتلعة من جذورها جرّاء الاعتداءات الإسرائيلية. والزيتون ليس محصولاً سنوياً عابراً؛ فتدمير شجرة يعني فقدان إنتاج يمتد عبر الزمن، كما أن زراعتها من جديد لا تعوّض المحصول المفقود فوراً.

في يحمر الشقيف، في قضاء النبطية، يعرف خليل حجم هذه الخسارة. تضم البلدة نحو 15 ألف شجرة زيتون، فيما تغطي زراعة الزيتون قرابة 80% من أراضيها. ويملك هو نفسه نحو 100 شجرة، يزيد عمر بعضها على أربعين عاماً. يقول: "بالنسبة إليّ، شجرة الزيتون كالإنسان؛ كلما اعتنينا بها أكثر، منحتنا من خيراتها". ويؤكد أنه خسر بالفعل عامين من الإنتاج، مختصراً خسارته بالقول: "أن تفقد زيتونة، فكأنك تفقد بيتك".

في القرى الزراعية الجنوبية، لا تقتصر قيمة هذه الأشجار على مردودها الاقتصادي، بل تمتد إلى إرث عائلي تتوارثه الأجيال.

 

 

موسم قطاف الزيتون في الجنوب. (النهار)

موسم قطاف الزيتون في الجنوب. (النهار)

أشجار تُقاس أعمارها بالأجيال

في زوطر الشرقية، يتجاوز فقدان أشجار الزيتون حدود الخسارة الزراعية. ففي 22 أيلول/سبتمبر، رُفعت في فرنسا دعوى قضائية من مواطن فرنسي - لبناني من أبناء البلدة، يتهم فيها، من بين أمور أخرى، الجيش الإسرائيلي باقتلاع نحو 600 شجرة زيتون تعود إلى عائلته. وقد يقترب عمر بعض هذه الأشجار من 500 عام. وتقدّر العائلة قيمة إنتاجها السنوي بما يتراوح بين 20  و40 ألف دولار.

أما أبو علي، فقد اقتُلعت أشجار الزيتون التي يملكها جرّاء القصف، وكانت جزءاً من أرض العائلة وتاريخها. يقول بحسرة: "رؤية أشجار الزيتون التي أملكها وقد اقتُلعت من جذورها تشبه فقدان جزء من روحي وتاريخ عائلتي".

ولا يمكن تعويض أشجار معمّرة في بضعة أشهر. فالأشجار الجديدة تحتاج إلى سنوات من العناية قبل استعادة إنتاجها، ما يجعل الخسارة ممتدة زمنياً، ويصعب فصلها عن الذاكرة العائلية والثقافية المرتبطة بالأرض.

 

زيت أغلى وقطاف أعلى كلفة

لا تتوقف التداعيات عند خسارة الأشجار والمحاصيل، بل تطاول أيضاً دخل المزارعين وقدرتهم على مواصلة العمل. فموسم الزيتون يشكّل مصدر رزق أساسيّاً لكثير من العائلات الجنوبية، ولا سيما مع اقتراب فصل الشتاء. وبعد ثلاث سنوات من الاضطرابات، تتراكم الخسائر وتتراجع المداخيل، فيما ترتفع تكاليف الإنتاج نتيجة صعوبة تأمين اليد العاملة والنقل، وعدم ضمان الوصول إلى الأراضي.

وفي خريف 2026، قد يصل سعر تنكة زيت الزيتون، بسعة تتراوح بين 20 و25 لتراً، إلى نحو 200 دولار أو أكثر، وفقاً لمزارعين من جنوب لبنان، في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج. ويواجه المنتجون معادلة صعبة: تكاليف أعلى في مقابل كميات إنتاج غير مضمونة. كما يمتد أثر الأزمة إلى السوق الخارجية أيضاً: فقد تراجعت صادرات لبنان من زيت الزيتون 53.7% خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، من 5,559 إلى 2,575 طناً، وفق أرقام أوردها موقعOlive Oil Times . وتُطرح القيود المفروضة على الوصول إلى بساتين الجنوب واضطرابات النقل ضمن العوامل المحتملة لتفسير هذا التراجع.

 

دير ميماس: جودة لا تلغي صعوبة الوصول

على الرغم من هذه الظروف، يواصل زيت الزيتون في دير ميماس تحقيق حضور لافت على المستوى الدولي: نالت روز بشارة بيريني، مؤسسة "دارميماس" (Darmmess)، جائزة خلال دورة عام 2026 من مسابقة نيويورك الدولية لزيت الزيتون، إحدى أبرز المسابقات العالمية المتخصصة في زيت الزيتون البكر الممتاز.

ولا تقتصر أهمية الجودة على المذاق. فقد أظهرت تحاليل أُجريت في أيلول 2026 في مختبر "Laboratorio Juan Antonio Tello"  الإسباني، على عينة من الزيتون المقطوف من مناطق عدة، بينها دير ميماس وكوكبا وراشيا الفخار، عدم رصد أي تركيز قابل للكشف من المواد التي شملها الفحص، ومنها المبيدات الحشرية والمعادن الثقيلة والهيدروكربونات والنويدات المشعة.

وبالنسبة إلى بيريني، ترتبط علاقتها بالأرض بذكريات طفولتها وأيامها مع والديها بين أشجار الزيتون، وبالتقاليد العائلية المتوارثة. وتقول: "هذه الأرض تختزن ذكريات والدي وعائلتي، وأنا متعلّقة بها، وصعب انتظار الإذن للعودة إليها، لأن أي تأخير قد يعرّضني لخسارة هذا الموسم".

لكن التقدير الدولي الذي يحظى به زيت الزيتون في دير ميماس لا يضمن للمزارعين الوصول إلى محاصيلهم، فالإنتاج، مهما بلغت جودته، يبقى مرتبطاً بإمكانية بلوغ البساتين وقطاف ثمارها.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق