نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
جلال برجس في "معرض بيروت للكتاب": على جناح الرواية يعزف حكايته - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 16 أكتوبر 2026 08:36 صباحاً
كان يحلم بأن يصبح طبيباً، فدرس هندسة الطيران، ثم وجد في الأدب المكان الأوسع لحساسيته. يروي جلال برجس هذه الانعطافة بخفّة رجل تصالح مع الطريق التي قادته إلى نفسه. وفي معرض بيروت العربي الدولي للكتاب67، تكشف حكايته ما لا تقوله قائمة الجوائز: خلف الروائي الأردني صاحب "دفاتر الورّاق"، طفلٌ ما زال يسمع أصوات القرية، ويبحث في البيوت والوجوه عمّا يتركه العابرون من حياتهم.
في جلسة "من دفاتر الورّاق إلى معزوفة اليوم السابع"، التي حاورته فيها روى بوحمدان، تقاطعت أسئلة الكتابة مع سيرة صاحبها. تحدّث عن الشعر والمكان والقراءة، وعن الانكسارات التي تقوده إلى شخصياته. واستقبل انعقاد المعرض في الظروف الصعبة بوصفه انتصاراً للحياة، قبل أن يروي، بروح مرحة، كيف جعل حضوره المتواصل بين الأجنحة بعض الزوّار يحسبونه من فريق التنظيم، فيسألونه عن وجهاتهم ويدلّهم عليها.
بيتٌ هُدم ولم ينتهِ
وُلد برجس في قرية حنينا بمحافظة مادبا في الأردن، وتفتّح وعيه على إيقاع حياة ريفية: الجدّ ذاهباً إلى الحقل، أصوات الحيوانات، إعداد الخبز وأغنيات الصباح والحصاد. في البيت الأول اختبر الحبّ والموت والرحيل، وبدأ يطرح أسئلته عن الخالق والجسد والمستقبل. كانت المعرفة تتشكّل من الإصغاء، قبل أن تجد طريقها إلى الكتب.
الروائي جلال برجس في جلسة بدار الآداب، جمعته بالروائي الجزائري واسيني الأعرج والشاعرة زينب ياغي.
وحين انتقلت الأسرة إلى منزل جديد، هُدم البيت القديم. يستعيد برجس المشهد بوصفه من أصعب لحظات حياته. رأى، مع سقوط الجدران، السنوات التي احتضنتها تتبدّد أمامه. لذلك يحضر المكان في رواياته محمّلاً بما عاشه أهله: الباب يحتفظ بلمسات الراحلين وطرقات العائدين، والرائحة تختصر زمناً، ومذاق الطعام يستعيد الأم.
تغيّرت القرية وأحاط بها العمران، لكنه ما زال يراها بطزاجتها الأولى. ومن هذه الذاكرة تتسلّل إلى الكتابة، كأن الرواية تمنح البيت المهدم فرصة أخرى للإقامة.
الجوائز… والطريق إلى الإنسان
تضع الجوائز علامات بارزة على مساره: "كتارا" عام 2015 عن "أفاعي النار"، والجائزة العالمية للرواية العربية عام 2021 عن "دفاتر الورّاق". لكن الإصغاء إليه يعيد هذه المحطات إلى سياق أوسع، بدأ بالشعر والقصة، واتّسع لروايات منها "مقصلة الحالم" و"سيدات الحواس الخمس"، وصولاً إلى "معزوفة اليوم السابع".
لم يتخلَّ برجس عن الشعر. ما زال يكتبه، ويجد فيه قدرة على التقاط ما يفوت العين المستعجلة. وقد منح الرواية هذه الحساسية، مع انتباهه إلى ضبط اللغة الشعرية حتى لا يختلّ توازن السرد. أما الرواية، فوسّعت نظرته إلى الحياة، وجعلته أشدّ انتباهاً إلى ملامح الناس والتفاتاتهم ونبض الشارع.
الروائي جلال برجس في دار الشروق المصرية في معرض بيروت العربي الدولي للكتاب
وحين يتحدث عن هندسة الطيران، يتخفّف من مهابة السيرة المهنية. يعترف بأن حلمه الأول كان الطب، ثم يضحك من المسافة بين ذلك الحلم وما صار إليه. في هذا الاعتراف شيء من الإنسان الذي يسمح للحياة بأن تعدّل خطته، ويكتشف متأخراً أن انعطافاتها كانت تقوده إلى صوته.
إلى الجهات التي لم تبلغها الشمس
ينحاز برجس إلى الشخصيات المكسورة، ويسعى إلى المناطق المعتمة من التجربة الإنسانية. يريد الاقتراب من المهمّشين لفهم أحلامهم ومخاوفهم وموقعهم في عالم يضيق بهم. فالوجع، في رؤيته، يحرّك السؤال، ويمنح الرواية ضرورة تتجاوز متعة الحكاية.
ومن هنا تتضح صلة القارئ بالنص: أن يجد فيه تعبيراً عمّا عجز عن قوله، أو لم يتنبّه إليه في نفسه. تصبح القراءة صحبة حميمة، وصوتاً يرافق الإنسان في عزلته، ويفتح له طريقاً إلى داخله.
لكن هذه العناية بالقارئ لا تعني الكتابة وفق طلبه. يترك برجس له حرية الاعتراض وتخيّل بدايات ونهايات أخرى، فيما يحافظ على استقلال الكتابة. فالرواية التي تثير اقتراحات قارئها تواصل حياتها فيه، تنتهي صفحاتها، وتبقى أسئلتها تتحرّك.
صفحةٌ بقيت في الدرج
لعلّ أكثر تفاصيل الجلسة كشفاً لشخصيته حديثه عن "نشيج الدودوك". بدأ الكتاب من واقعة موجعة دفعته إلى العزلة، ثم إلى أوراق كان يكتبها ويشعر، مع كل واحدة، بشيء من الراحة. وبعد زمن عاد إليها بعين الكاتب، فوجد نفسه أمام سيرة روائية.
حذف صفحة تتعلّق بشخص رحل، لأنه لم يعد يستطيع استئذانه في نشر ما يخصّه، واحتفظ بها في الدرج. أمام هذا التفصيل الصغير، تتّضح حدود البوح عنده: للكاتب حقّ مساءلة حياته، وللآخرين حقّ في أسرارهم. وتغدو الصفحة المحجوبة دالّة على حساسية أخلاقية بقدر دلالة الصفحات المنشورة على شجاعة الاعتراف.
"معزوفة اليوم السابع"… حين يضيع وجه الإنسان
في حديثه عن "معزوفة اليوم السابع"، تتّسع الدائرة من الفرد إلى مدينة متخيّلة تتألّف من سبعة أحياء. تختلّ الحواس، وتضطرب علاقة الناس بصورهم، ويقترب العالم الروائي من سؤال الفناء. يربط برجس هذا القلق بتراجع التواصل واستبدال الحضور المشترك بعزلات رقمية متجاورة.
وخلف هذه المخاوف يبقى سؤاله عن التعاطف: ماذا يحدث لنا حين يعبر ألم الآخرين أمامنا سريعاً، ثم تبتلعه الشاشة؟ إنه السؤال نفسه الذي يعيده إلى الشخصيات المنسيّة، وإلى الأسرة والقراءة والمكان.
هكذا يلتقي مهندس الطيران بالروائي: في محاولة فهم الاختلال، والبحث عمّا يعيد التوازن. ويبقى طفل القرية حاضراً في الرجل الحائز الجوائز، يحمل بيته معه، ويفتح في الرواية باباً لمن ضاقت بهم البيوت.











0 تعليق