نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الاتجاه جنوب... تاريخ من النضال والتحولات الديموغرافيّة في جنوب لبنان - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 16 أكتوبر 2026 09:46 صباحاً
عمّار الحيدري
شكّل جبل عامل، عمق الجنوب اللبناني، طوال عقود، بوابة للمقاومة وصمام أمان للقضايا العربية، وفي طليعتها القضية الفلسطينية.
لم تكن ثورات الجنوب محصورة بحدود جغرافية ضيقة، بل كانت إمتداداً طبيعياً للوجدان العربي والإسلامي المقاوم.
فمنذ ثورة عام 1920 ضد الإنتداب الفرنسي وتقسيم المنطقة، مروراً بإنتفاضات المزارعين والمهمشين وصولاً إلى إنطلاقة العمل الفدائي الفلسطيني ومن ثم المقاومة الوطنية والإسلامية للإحتلال الإسرائيلي، كان الجنوب دائماً في خط المواجهة الأمامي. هذا الإرتباط العضوي جعل من قراه وبلداته حاضنة رئيسية لكل حركات التحرر في المنطقة، دافعاً أثماناً باهظة من دماء أبنائه وأرضه دفاعاً عن السيادة والكرامة العربية.
مع إندلاع ما عرفت بـ"حرب الإسناد" إثر حوادث السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، دخل جنوب لبنان مرحلة هي الأعنف والأقسى في تاريخه الحديث.
فقد تعرضت القرى والبلدات الحدودية لحملة تدمير ممنهجة طاولت الحجر والبشر والإرث التاريخي.
وتشير التقديرات الميدانية والتقارير الرسمية والدولية إلى تدمير أكثر من 40 ألف وحدة سكنية كلياً أو جزئياً في القرى الحدودية الممتدة من الناقورة حتى حاصبيا.
نسب الدمار في بعض البلدات الجنوبية:
- كفركلا: تجاوزت نسبة الدمار فيها 85% من المباني والبنى التحتية نتيجة القصف المركّز والتفجيرات الميدانية.
- عيترون: سُجل فيها دمار هائل طاول أحياءها التاريخية والأسواق بنسبة تجاوزت 90%.
- ميس الجبل: تحولت أجزاء واسعة من أحيائها السكنية إلى ركام، بنسبة دمار تجاوزت 80%.
- بليدا: طاول الدمار أكثر من 75% من منازلها وشبكات مياهها وكهربائها.
أدى هذا العدوان المستمر إلى نزوح قسري لأكثر من 100 ألف شخص من الشريط الحدودي نحو مناطق أكثر أماناً في صيدا وبيروت والجبل والنبطية.
هذا النزوح الواسع خلق أزمة إنسانية وإقتصادية عميقة، وهدد بإحداث تغيير ديموغرافي طويل الأمد في حال طال أمد إعادة الإعمار وتعثرت عودة الأهالي إلى أراضيهم وممتلكاتهم الزراعية التي أحرقت بالكامل، ولاسيما منها حقول الزيتون المعمرة.
يقف الجنوب اللبناني اليوم أمام مفترق طرق خطير، تحكمه سيناريوات مستقبلية محتملة عدة تعتمد على مآلات الصراع الإقليمي والتسويات الدولية:
1-سيناريو العودة الحذرة والإعمار المدعوم: يفترض هذا السيناريو التوصل إلى تسوية سياسية ووقف إطلاق نار دائم تحت مظلة القرار الأممي 1701 مع تعديلات ميدانية. وفي هذه الحالة، سيشهد الجنوب ورشة إعمار كبرى بدعم عربي ودولي، ترافقها عودة تدريجية للأهالي لاستعادة حياتهم ودورتهم الإقتصادية، وإن كان ذلك سيتطلب سنوات طوال لإزالة ركام الحرب ومعالجة التلوث البيئي الناتج من القنابل الفسفورية.
2-سيناريو اللاسلم واللا حرب (المنطقة العازلة): يرتكز على بقاء حالة التوتر الأمني والاعتداءات المتقطعة، مع سعي إسرائيلي لفرض واقع أمني يحول دون العودة الكاملة للقرى الأمامية. هذا السيناريو سيكرّس تغييراً ديموغرافياً خطيراً، ويحول الشريط الحدودي إلى منطقة شبه مقفرة، مما يضغط إقتصادياً وإجتماعياً على الدخل الوطني اللبناني.
3-سيناريو الإنفجار الشامل وتوسع الصراع: في حال فشلت المساعي الديبلوماسية وانهارت التهدئة، قد يشهد الجنوب حرباً واسعة النطاق تعيد رسم الخرائط السكانية والجيوسياسية للمنطقة بأسرها، وهو السيناريو الأكثر دموية وتهديداً للوجود السكاني في جنوب لبنان.
يبقى الجنوب، رغم هول الدمار وقسوة التهجير، عنواناً للصمود والتشبث بالأرض، فالتاريخ يثبت أن "الإتجاه جنوباً" لم يكن قطاراً عابراً، بل هو بوصلة الهوية والإنتماء التي لا تخطئ طريقها إطلاقاً.












0 تعليق