وزارة الطاقة - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
وزارة الطاقة - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 16 أكتوبر 2026 10:06 صباحاً

زاهي جبرائيل – إختصاصي بالدراسات البترولية منذ 1983

 

 

لبنان بلد غير منتج للنفط والغاز حتى الآن. هذا يولِد لاقتصاد البلد أعباءً تزداد حدتها مع تقلبات الأسواق والظروف. غير أن الإهتراء الإداري خلًف ثغرات كثيرة وأوجد خللاً إنعكس سلباً على كل مواطن. فماذا فعلت وزارة الطاقة لتواجه هذا الخلل؟
منذ 1977 وما قبل كانت الوزارة تولي إهتماماً منتجاً لإعادة تنظيم القطاع النفطي وبرمجته مع كل متغيرات. قبل 1977 كانت مصادر الخام مؤمًنة من السعودية والعراق وكانت غالبية شركات النفط تشرف عليها شركات أجنبية، كما أن الوضع الأمني والسياسي السائد في حينه كان عاملاً مساعداً في تأمين الأجواء المؤاتية. مع تبدُل الوضع الى حال غير مستقرة، أولت الوزارة جهداً كبيراً لتنظيم هذا القطاع. وضعت لأجل هذا بكل حكمة الدراسات العملية الشفافة. من نتائج هذه الدراسات، وسعت الوزارة الطاقة التخزينية الإستراتيجية لخلق ما أمكن من التوازن في هذا القطاع. أوجدت مزارع التخزين على تخوم شمال بيروت. كذلك سهرت على ترصيد حسابات الصندوق المستقل للمحروقات. كانت الوزارة طوال هذه المدة تسهر على ألاَ يبقى أي من الإحصاءات مستتراً عن الرأي العام. فالأرقام هي وحدها التي تزيل أي لبس لدى المواطن. كان متاحاً لكل من يريد أن يعرف جدول تركيب الأسعار من كلفة بلد المنشأ الى حين تطبيق الضرائب ضمناً. جعلت الدولة من المواطن شريكاً. إستطاع المواطن متابعة حركة صندوق النفط المستقل فعرف متى كان يفيض هذا الصندوق ومتى كان يتعرض للضغط. بإيجاز، في تلك الحقبة كانت سياسة الطاقة في لبنان واضحة أمام كل مواطن من دون أي ضبابية وأي تصارع فيها، حتى مراقبة جودة المنتجات.
أطل الإنعطاف في نهج سياسة وزارة الطاقة إبتداءٍ من سنة 1993. كان هذا صراعاً بين فكرين: الفكر الأول يريد تفعيل عمل وزارة الطاقة والمؤسسات التي تحت وصايتها، بأسسٍ علمية إحترافية لتصبح منتِجة يمتلكها الشعب اللبناني ويديرها القطاع العام لمصلحة هذا الشعب. والفريق الآخر لا يؤمن ببقاء مؤسسات الوزارة ملكاً عاماً ويرى، من دون أن يٌقِر بهذا، في إرهاق الوزارة مع مؤسساتها سبيلاً الى أن تصبح عاجزة وبالتالي يسهل إنتقال ملكيتها الى القطاع الخاص. توافقت مع هذا النهج قوى محلية رأت في الوزارة بمؤسساتها بقرة حلوباً. في هذا الصراع طغت الغلبة للفكر الثاني على الفكر الأول لأسباب لا مجال لذكرها الآن، ودفع ثمن هذه الغلبة الوزير جورج افرام، فـ"أقيل" من رأس هذه الوزارة واستبدل بالوزير إيلي حبيقة. من تلك اللحظة بدأت حقبة جديدة بنهج جديد تعيشه وزارة الطاقة ولا تزال تحت تأثيره. غرقت الوزارة بمؤسساتها في بحر من الإرهاق المادي والتقني والإداري الذي لا ينتهي. هي ترزح بمؤسساتها تحت خسائر وأعباء متجذرة تتراكم من سنة الى سنة وامتصت الكثير الكثير من المال العام. ولا أحد الى الآن أوقف هذا الإنحدار. لا قطاع المحروقات نُظم ولا قطاع الكهرباء ولا إستراتيجية طاقوية مجدية طبقت، والمشاريع كما مناقصات التلزيم، ليست عامل دراسات موضوعية علمية شفافة أو تلتزم جدوى إقتصادية طويلة الأمد، بل تخضع لتدخلات أخرى. حتى تلزيم إستكشاف الغاز من أعماق حقوقنا واستخراجها والتحديد الجغرافي لهذه الحقوق شابته ثغرات كثيرة.
في الخلاصة، منذ بداية ذاك الإنعطاف، هذه الوزارة تتحكم بها سياسات شخصوية لا تعترف بأن الإطار العلمي التقني الحرفي المجدي للمصلحة العامة هو الطريق الصحيح لنجاح هذه الوزارة ومؤسساتها، بالتالي كلما بقي هذا النهج مسيطراً على الوزارة فأي وزير يأتي على رأسها، مهما كانت قدراته جيدة، لن يستطيع تبديل شيئ، فـ"الشياطين" متغلغلة في كل الأروقة، وهذا النهج إما يدجنه وإما يلفظه خارجاً. لهذا، سيبقى الإرهاق متجذراً والفشل الإنتاجي مسيطراً. هذا النهج لا يزال يقود الوزارة بمؤسساتها نحو "الخصخصة الإحتكارية"، قبل أن تكون للدولة مؤسسات رقابية ومحاسبية إحترافية شفافة فاعلة ونيابات عامة قادرة على أن تضطلع بمهماتها لمصلحة المواطن في كل شاردة وواردة لحماية الحق العام وتمنع عنه إستباقياً أي إجرام قد يطاوله. من باب هذا "التخصيص" إن حصل، يدخل الإحتكار الى كل بيت والى شريان دم كل لبناني، فنرى المواطن اللبناني بدخله الوطني الزهيد عاجزاً عن شراء كهرباء، ولا قدرة له على شراء سيارة لا يستطيع شراء محروقاتها، ويرفع ثمن لقمة عيش فلا يطاولها المواطن الفقير. ويرى هذا المواطن في رحاب وطنه جحافل الوافدين من كل حدبٍ وصوب المتخمة جيوبهم بكل مال أبيض أو أسود تسود "مواطنيتهم" عليه، والمال سلطان. ويصبح الوطن كل شيء فيه، حتى الإنسان، عرضة للبيع لمن لديه المال ولو كان آتياً الى البلد منذ أيام، والسماسرة كُثُر.
لكل ما أوردناه، لا نتوقف عند أي وزير يأتي وأي وزير يذهب. لنتوقف عند أي نهج يسيطرعلى البلد، وعلى أي طريق هو سائر فيها، وهنا التحدي الكبير أمام هذا العهد وهذا الشعب اللبناني.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق