نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
"أم الزنار" في حمص... حكاية إيمان عمرها قرون - تواصل نيوز, اليوم الأحد 18 أكتوبر 2026 08:46 صباحاً
حمص- ليا نحاس
بين الأيقونات المقدسة والجدران الحجرية العتيقة، تختزن كنيسة السيدة العذراء "أم الزنار" في قلب مدينة حمص القديمة حكاية إيمانية تعود إلى قرون مضت، ارتبطت بوجدان أبناء المدينة وشكّلت على مرّ الزمن معلماً دينياً وتاريخياً يستقطب المؤمنين والزوار من مختلف أنحاء العالم.
وتُعد كنيسة "أم الزنار"، التابعة لطائفة السريان الأرثوذكس، من أبرز الكنائس الأثرية في حمص، إذ تشير الروايات الكنسية إلى أن جذورها تعود إلى القرن الأول الميلادي. وقد ارتبط اسمها بالزنار المقدس المنسوب إلى ثوب السيدة العذراء مريم، والذي تحتفظ به الكنيسة بوصفه ذخيرة ذات مكانة روحية خاصة لدى المؤمنين.
من كنيسة تحت الأرض إلى صرح كنسي تاريخي
تبدأ حكاية الكنيسة من كهف محفور في الصخر، حيث كانت الصلوات والطقوس المسيحية تُقام في الخفاء، في مرحلة شهدت اضطهاد المسيحيين وملاحقتهم. وفي حديث إلى "النهار"، يروي الشماس إلياس هزيم أن تاريخ الكنيسة يعود إلى منتصف القرن الأول الميلادي، وتحديداً إلى عام 59 ميلادياً، حين شُيّدت كنيسة صغيرة على يد إيليا، أحد رسل السيد المسيح، داخل كهف حجري، ليكون مكاناً للعبادة وإقامة الصلوات بعيداً من أعين المضطهِدين.
كنيسة السيدة العذراء أم الزنار في قلب مدينة حمص القديمة
ويشير إلى أن الكنيسة شهدت لاحقاً تحولاً مع صدور مرسوم ميلانو عام 313 ميلادياً، الذي أقرّ التسامح الديني مع المسيحيين في الإمبراطورية الرومانية، إذ أتاح لهم ممارسة شعائرهم الدينية بصورة أكثر علنية، فشُيّدت كنيسة فوق الأرض، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ هذا المكان الذي ظل مرتبطاً بالحياة الروحية للمسيحيين في حمص.
وهكذا، انتقلت الكنيسة من فضاء تعبدي متوارٍ في أعماق الصخر إلى معلم ديني بارز، حافظ على حضوره عبر القرون، حاملاً في تفاصيله المعمارية وذاكرته الكنسية روايات عن الإيمان والصمود واستمرار الطقوس الدينية.
زنار السيدة العذراء.. ذخيرة مقدسة في قلب حمص
لا يرتبط اسم كنيسة "أم الزنار" بتاريخها العريق فحسب، بل بالذخيرة المقدسة التي منحتها مكانتها الروحية المميزة، وهي زنار ثوب السيدة العذراء مريم، الذي تتوارثه الذاكرة الكنسية بوصفه أثراً مقدساً له رمزيته الدينية لدى المؤمنين.
وعن تاريخ الزنار ووصوله إلى حمص، يوضح الشماس هزيم أن الزنار انتقل إلى المدينة على يد الراهب داوود الطور عابديني عام 475 ميلادياً، في القرن الخامس، ومنذ ذلك الحين ارتبطت الكنيسة به، وحملت اسم كنيسة "أم الزنار".
ويضيف أن الزنار بقي محفوظاً في الكنيسة، قبل أن يُخفى في مرحلة لاحقة خوفاً عليه في ظل الظروف التي سادت تلك الحقبة. وبقيت روايته حاضرة في الذاكرة الكنسية، إلى أن كشفت أعمال التجديد اللاحقة عن مكان حفظه، ليعود إلى الواجهة بوصفه جزءاً أساسياً من هوية الكنيسة وتاريخها الديني.
وتتجاوز أهمية هذه الذخيرة قيمتها التاريخية، لتشكّل بالنسبة إلى المؤمنين رمزاً للتقوى والتعلق بالسيدة العذراء، ومظهراً من مظاهر التراث الروحي الذي حافظت عليه الكنيسة عبر الأجيال.
كنيسة السيدة العذراء أم الزنار في قلب مدينة حمص القديمة
عام 1852... محطة مفصلية في تاريخ كنيسة "أم الزنار"
شكّل عام 1852 محطة مهمة في تاريخ كنيسة "أم الزنار"، إذ شهد تجديد بنائها واتخاذها الشكل المعماري الذي حافظت عليه في مراحل لاحقة.
ويذكر هزيم أن أعمال التجديد ساهمت في تشييد الكنيسة بصورتها المعروفة، معتمدة على أعمدة أساسية تحمل قبة مبنية من الحجر الصخري البازلتي الأسود الذي تشتهر به حمص، في تصميم يعكس طبيعة العمارة الحجرية المحلية ويمنح المكان طابعاً معمارياً مميزاً.
وخلال أعمال التجديد، عُثر على الزنار المقدس محفوظاً داخل علبة في موضع المذبح، من ضمن غطاء نحاسي، في اكتشاف شكّل محطة بارزة في تاريخ الكنيسة، وأعاد تسليط الضوء على الذخيرة التي ارتبط اسم المكان بها.
ومنذ ذلك الحين، بقي الزنار حاضراً في الذاكرة الدينية للكنيسة، فيما حافظ البناء على مكانته بوصفه شاهداً على تاريخ طويل من العبادة والطقوس الكنسية، وملتقى للمؤمنين الذين يقصدونه للتبرك والصلاة والتأمل في إرثه الروحي.
عيد انتقال السيدة العذراء... تقليد إيماني متوارث
لا تقتصر مكانة كنيسة أم الزنار على بعدها التاريخي والمعماري، بل تتجدد سنوياً من خلال الطقوس والشعائر الدينية التي تحييها الكنيسة، وفي مقدمها الاحتفال بعيد انتقال السيدة العذراء في الخامس عشر من آب من كل عام.
وفي هذه المناسبة، يُحمل الزنار المقدس في موكب يطوف في الشوارع المحيطة بالكنيسة، وسط أجواء إيمانية يشارك فيها أبناء حمص وزوارها، في تقليد يجسد ارتباط الرعية بكنيستها وحرصها على صون الموروث الديني ونقله إلى الأجيال الجديدة.
وتتحول المناسبة إلى مساحة يلتقي فيها البعد التعبدي بالذاكرة الجماعية للمدينة، إذ يستعيد المؤمنون من خلالها رمزية السيدة العذراء ومكانتها في التقليد المسيحي، فيما تتجدد صلة أبناء حمص بهذا المعلم الذي ظل حاضراً في حياتهم الدينية والاجتماعية.
ذاكرة روحية تتجاوز حدود المكان
تواصل كنيسة "أم الزنار" حضورها بوصفها أحد المعالم الدينية والتاريخية البارزة في مدينة حمص القديمة، بما تحمل من إرث كنسي وذاكرة عمرانية وتقاليد إيمانية توارثتها الأجيال.
فمن الكهف الحجري الذي احتضن الصلوات الأولى، إلى الكنيسة التي ارتبط اسمها بزنار السيدة العذراء، وصولاً إلى طقوس عيد انتقالها، تتشكل حكاية مكان تتداخل فيه الذاكرة الدينية مع تاريخ المدينة وهويتها.
وبين جدرانها العتيقة وأعمدتها الحجرية، لا تستحضر "أم الزنار" ماضيها فحسب، بل تواصل أداء رسالتها الروحية، محافظة على تقاليدها الكنسية ومكانتها لدى المؤمنين، لتبقى حكاية إيمان تمتد عبر القرون، وشاهداً على حضور التراث المسيحي في تاريخ حمص ووجدان أهلها.












0 تعليق