نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
صحافة استقصائية أم لجان نوعية وتخابر؟ - تواصل نيوز, اليوم الأحد 18 أكتوبر 2026 09:25 مساءً
ما كل هذه الإعلانات التي تظهر للصحفيين وتبشرهم بمنح تدريبية في الصحافة الاستقصائية بدول عربية وأجنبية، أو مسابقة جوائزها مغرية وأسماؤها براقة لنوع محدد من التقارير الصحفية؟
ظاهر الأمر كان يبدو جميلًا بريئًا في أحد مراكز التدريب العربية إلى أن ظهر (م. ط) وقدموه بصفات "مدرب وصحفي ومنسق الفريق المصري" في منصة تحقق معروفة، توقفت بدهشة أمام الصورة، وقلت لنفسي: منذ متى أصبح عضو اللجان النوعية الإخوانية المسلحة صحفيًا ومدربًا؟ وماذا يعني تكليفه بمهام تدريب الصحفيين في مركز عربي كبير؟
ظهر (م. ط) لأول مرة في قائمة من قوائم الطلاب المفصولين من جامعة الإسكندرية في نوفمبر 2014 لفترات دراسية تتراوح بين فصلين إلى ثلاثة فصول دراسية، بعد تورطهم في أحداث الشغب الإخوانية بالجامعة، ثم اختفى إلى أن ظهر في فيديو عبر "الفيسبوك" متحدثًا بلسان شباب "الإخوان" المطرودين من مساكن الإيواء بإحدى الدول في الأسبوع الأول من أبريل 2017، عقب خلاف بين ما كان يسمى "جبهة محمد كمال" وما يسمى "جبهة محمود عزت"، والأولى أنجب رحمها من "زواج سري" ما يسمى حركة "لواء الثورة" المسلحة، والتي تحولت إلى اسم حركة "حسم" وأعلنت في عدة فيديوهات وبيانات مسؤوليتها عن عدد من جرائم القتل والتفجير والتخريب، أما الثانية فما زالت أجنحتها المتصارعة ترفع شعارات السلمية الكاذبة.

قال (م. ط) وهو يتحدث بلسان شباب "الإخوان" المطرودين: «إحنا شباب إسكندرية موجودين فى الشارع، وللأسف عمرنا ما شُفنا المشهد ده، فالإخوة الذين نأخذ منهم المبادئ والقيم، للأسف الشديد وصل بنا الحال معهم إلى الشارع»، وأضاف: «القصة بدأت من شهر ونصف الشهر، عندما وقعت بعض الخلافات بيننا وبين بعض الإخوة الكبار فى [.. .]، فكنا نتناقش فى قضية التداول داخل الجماعة، ورؤية الإخوان مع الثورة والفشل الذى مررنا به كثيراً، وللأسف الشديد صنفنا الإخوة كمنشقين، وطلبوا منا ترك السكن».
كل ما سبق من تراشق قديم كان يعني بكل وضوح أن الأخ (م. ط) المتحدث باسم مجموعة الشباب هو من أهم كوادر الخلايا الإخوانية المسلحة، لكن يبدو أن ممولي منصات التحقق أعادوا تدويره بعد سنوات ودفعوا به إلى إخواني هارب مكلف برئاسة تحرير ما يسمى "منصة تحقق"، وكل منهما يؤدي مهام أخرى ويقتل بالكلمات بعد أن فشل في مهام القتل بالرصاص والتفجير والتدمير.
المهام الجديدة المكلف بها (م. ط) ومن هم على شاكلته في منصات التحقق أشد خطورة من القتل بالرصاص، خاصة أن المنصة التي يعمل بها عضو حركة "حسم" يمتد نشاطها إلى تونس وإيران ودولة إفريقية، إضافة إلى غزة، ويضم فريق عملها عناصر من مصر وتونس والمغرب، وتلقى دعمًا من شبكات إعلامية كبرى تتلقى تمويلًا سخيًا.
وفي جريمة واضحة المعالم، نشرت إحدى منصات التحقق المزعوم تقريرًا عن طائرة عسكرية تابعة لدولة غير عربية تطير من بلد يعاني من ويلات الحرب، ثم زعموا أنها كانت تنقل أسلحة ودخلت أجواء دولة ثانية دون اعتراض وهبطت في قاعدة بتلك الدولة. الهدف من التقرير واضح ولا يحتاج إلى تفسير، والممول يريد من خلال المنصة ترسيخ أكذوبة مفادها أن الدولة التي فتحت مجالها الجوي للطائرة الحربية تدعم عسكريًا أحد طرفي الحرب، وقل بعد ذلك ما تشاء عن الدولة المستهدفة. فهل يمكن أن نسمي هذه الخيانة عملًا صحفيًا، ونسمي محرري التقرير الاستخباراتي الملفق "فريق عمل صحفي" لهم حصانة من المساءلة، ومن يطلبهم لتحقيق في قضية "أمن دولة" يصبح معتديًا على حرية الصحافة؟!
وتتكرر جرائم منصات التحقق في تقرير آخر ينشر بيانات وصور جنود من الجيش في إحدى الدول تعرضوا لحادث سير، ومع صورهم بالملابس العسكرية ما يسهل تحديد مواقع خدمتهم، كل ذلك تحت غطاء التحقق من خبر متداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويعلن فريق المنصة بلا خجل في سطر صغير أن الناطق العسكري الرسمي في بلدهم لم ينشر الخبر أصلاً. هنا أسأل الصارخين تقربًا لمصادر التمويل المشبوه: هل هذه هي الصحافة الاستقصائية؟! وهل يحق للصحفي تحدي قوانين الدولة ونشر المعلومات العسكرية غير المصرح بنشرها؟
لقد ثبت يقينًا من عدة تقارير نشرتها منصات التحقق أن جهات التمويل تكلف من ألبسوه قناع "صحفي" برصد وتتبع حركة السفن في الممرات المائية الدولية والموانئ بادعاء التحقق من صحة الأرقام التي يعلنها المسؤولون وتفنيدها، ويدرك الممول الذي كلفهم بهذا العمل أهمية وقيمة ما يطلبه منهم.
إنه مخطط إعادة تدوير لعناصر إرهابية وتوزيع أدوار تنظيمية، فالقتلة الذين فشلوا في مواجهة مؤسسات الدولة بالسلاح، أُعيد إعدادهم وإكسابهم مهارات التقنيات الحديثة لتتحول في أيديهم إلى أدوات تجسس واستطلاع ميداني لخدمة الكيانات الإرهابية ومنها إلى غرف أجهزة استخبارات أجنبية تحت اسم "الصحافة الاستقصائية" و"تدقيق الأخبار والمعلومات".
إننا أمام غرف عمليات متكاملة تعمل باستراتيجية "الحرب الهجين"، تستغل أدوات الصحافة كغطاء قانوني وأخلاقي لتوفير الحصانة لجمع المعلومات الأمنية الحساسة. حينما يُطلب من شاب تدرب بالأمس في معسكرات الإرهابيين أن يتتبع تحركات الطائرات الحربية والقطع البحرية أو يجمع البيانات الشخصية لجنود في دول مستهدفة، فإن العملية تتجاوز مفهوم "السبق الصحفي" لتلامس جمع المعلومات العسكرية وتفريغها لخدمة أهداف معادية.

الأخطر من ذلك هو استخدام مصطلح "التحقق" كمنصة لإطلاق الشائعات الموجهة وتزييف وعي المواطن، حيث يتم انتقاء جزء من الحقيقة، وتغليفه بالرسوم البيانية والخرائط التفاعلية وروابط المصادر، لإعطاء انطباع زائف بالموضوعية والمهنية. هذا "التحقيق الشكلي" يهدف بالأساس إلى إرباك الجبهات الداخلية وتشويه مؤسسات الدولة والطعن في مصداقية المسؤولين، وتوفير المادة الخام التي تستعين بها مراكز دولية للتدخل في الشؤون الداخلية تحت دعاوى حماية الحريات الإعلامية.
إن ما نراه اليوم من بعض المنصات يفرض علينا أن نتساءل: لماذا يُمنح لقب «مدرب وصحفي» لعضو في حركة حسم الإرهابية؟
أما الأخ المكلف بمهام رئيس التحرير فيجب أن يناله نصيب من الأسئلة، رغم زعمه أنه حاليًا "مستقل" ولا ينتمي لأي جماعة، وأهم سؤال يقول: كيف تشارك زوجته بروايتها في معارض دولية للكتاب في عدد من الدول وتظهر علانية وتتنقل بكل حرية وتتلقى التهاني والتبريكات من أخوات التنظيم؟ ومن الذي اختار له عضو حركة "حسم" ليتولى مهام إدارة وتنسيق الفريق المصري من الخارج، مع العلم بأنه وجه معروف من أيام أحداث الشغب في كلية العلوم بجامعة الإسكندرية؟
وهكذا تسقط الأقنعة وتتضح المعالم، فالصحافة الاستقصائية الحقيقية والمنصات الوطنية لتدقيق المعلومات لم تكن يومًا بحاجة لمنح مشبوهة، أو تمويلات بمئات الآلاف من الدولارات سنويًا، ولا استدعاء عناصر إرهابية هاربة يُعاد تدويرها. ما نراه اليوم يفرض علينا مراجعة حاسمة وموقفًا واضحًا، بعدما اتضح للجميع أن القصة في حقيقتها جرائم خيانة وعمالة صريحة وتخابر مكتمل الأركان.
















0 تعليق