نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
حين تتحدث القاهرة.. تستحضر الرياض ذاكرة أكتوبر - تواصل نيوز, اليوم الاثنين 19 أكتوبر 2026 08:25 صباحاً
ليست كل المواقف السياسية تُقاس بما يقال فيها، فبعضها يُقاس بما يستدعيه من تاريخ، وما يحمله من وفاء، وما يبعثه من طمأنينة في نفوس الشعوب.
وهذا ما شعرت به وأنا أتابع كلمات فخامة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وموقف الدولة المصرية تجاه ما تتعرض له المملكة العربية السعودية من اعتداءات بالصواريخ والطائرات المسيّرة طالت منشآت وأعياناً مدنيةوأوقعت ضحايا ومصابين أبرياء.
لقد تحدث فخامة الرئيس السيسي بلغة رجل الدولة الذي يدرك خطورة المرحلة، ويقرأ ما وراء الأحداث، ويعرف أن أمن الدول العربية ليس جزرًا منفصلة، وأن النار إذا تُركت تلتهم بيت الجار فلن تقف عند حدوده.
وحين أكد أن مصر والسعودية هما قلب الأمتين العربية والإسلامية، وأن المساس بأمن إحداهما ينعكس على الأخرى، لم يكن يقدم مجاملة دبلوماسية، وإنما كان يقرر حقيقة استراتيجية أثبتها التاريخ وتفرضها الجغرافيا وتؤكدها المصالح والمصائر المشتركة.
ثم جاءت كلمته في الأكاديمية العسكرية المصرية واستعداده لاتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن المملكة إذا اقتضى الأمر، وطلبه انعقاد البرلمان للتفويض
وفق الأطر الدستورية لتضيف إلى الموقف السياسي بُعدًا مؤسسيًا بالغ الأهمية.
وجاء اجتماع مجلس الدفاع الوطني المصري برئاسته، وما أعلنه من تضامن كامل واستعداد لتقديم أشكال الدعم اللازمة والممكنة للمملكة ليؤكد أن الأمر ليس موقفًا عاطفيًا عابرًا، بل تعبير عن إدراك الدولة المصرية لمسؤولياتها القومية.
وهنا أقول من قلب المملكة العربية السعودية إلى أرض الكنانة:
شكرًا لمصر رئيسًا وحكومةً وبرلمانًا وجيشًا وشعبًا.
شكرًا لموقف يستحق التقدير، لأنه جاء في وقت تحتاج فيه أمتنا العربية إلى وضوح المواقف لا ضجيج الشعارات.
ولعل هذا المشهد يعيدنا إلى واحدة من أعظم صفحات التاريخ العربي الحديث، «أكتوبر.. حين كان الدم مصريًا، والموقف سعوديًا».
في السادس من أكتوبر عام 1973، عبر أبطال الجيش المصري قناة السويس، وحطموا أسطورة الجيش الذي لا يُقهر، وسجلوا بدمائهم وتضحياتهم صفحة مجيدة في تاريخ الأمة.
كان الجندي المصري يقاتل لاستعادة أرضه وكرامة وطنه، وكانت المملكة العربية السعودية، بقيادة الملك فيصل بن عبد العزيز، رحمه الله، تدرك أن المعركة ليست مصرية وحدها، وإنما معركة كرامة عربية.
فوقفت المملكة إلى جانب مصر وسوريا سياسيًا واقتصاديًا، وكان قرار استخدام سلاح النفط في مواجهة الدول الداعمة لإسرائيل واحدًا من أبرز المواقف التي غيّرت حسابات القوى الدولية.
لم تكن تلك الأيام أيام، بيانات فحسب، بل أيام قرارات تحمل تبعاتها، ومواقف يعرف أصحابها أن التضامن العربي لا تكون له قيمة حقيقية
إذا غاب عند الشدائد.
ولم يسأل الملك فيصل يومها: ماذا ستربح المملكة من وقوفها مع مصر؟، كما لم يسأل المصريون وهم يدافعون عن أرضهم: من سيذكر تضحياتنا بعد نصف قرن؟
فالأوطان العظيمة لا تبني علاقاتها على حسابات الربح والخسارة وحدها، وإنما على الوفاء والمصير المشترك.
وها نحن اليوم، بعد أكثر من نصف قرن، نجد التاريخ يطل علينا من نافذة أخرى، تختلف الظروف والتهديدات والأسماء، ولكن تبقى الحقيقة واحدة: مصر التي وقفت معها المملكة في أكتوبر تقف اليوم إلى جانب المملكة في مواجهة الاعتداءات التي تهدد أمنها واستقرارها.
ولا أقول ذلك من باب رد الجميل، فمصر أكبر من أن تختزل مواقفها في رد المعروف، والمملكة أكبر من أن تحسب مواقفها التاريخية ديونًا على أشقائها.
إنه الوفاء الذي تصنعه الأمم الكبيرة، وتورثه الأجيال للأجيال، والأمن القومي العربي دفاع لا عدوان.
ولعل أهم ما ينبغي التوقف عنده في موقف الرئيس السيسي تأكيده أن مصر لا تبحث عن إشعال الحروب أو توسيع نطاقها وإنما تريد حماية الأمن والاستقرار
ومنع الاعتداء.
وهنا تكمن حكمة القيادة السياسية، فالقوة ليست في المبادرة إلى الحرب، وإنما في القدرة على منعها وردع المعتدي، وحماية الإنسان والأرض والسيادة.
والمملكة العربية السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، لم تكن يومًا تبحث عن حرب تستنزف مقدرات المنطقة، بل بذلت جهودًا سياسية ودبلوماسية متواصلة من أجل الاستقرار والتسويات السلمية.
لكن السلام لا يمكن أن يتحول إلى غطاء تعيد خلفه الميليشيات تسليح نفسها، ولا إلى فرصة لاستهداف المطارات والمنشآت المدنية وتهديد المدن الآمنة.
وإذا كانت الاعتداءات الحوثية قد كشفت خطورة الجماعات المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة، فإنها كشفت كذلك أن تهديد أمن المملكة ليس شأنًا سعوديًا منفصلًا عن محيطه العربي.
فالبحر الأحمر ليس مجرد مياه تفصل بين ضفتين، وباب المندب، ليس ممرًا يخص دولة دون أخرى، وقناة السويس ليست بعيدة عن اضطراب الملاحةوالتجارة الدولية.
إنها منظومة أمنية واقتصادية مترابطة، وأي تهديد لأحد أجزائها ينعكس على الجميع.
ومن هنا تبرز أهمية التنسيق السعودي المصري، وتعزيز العمل العربي المشترك، وتفعيل المؤسساتن والاتفاقيات القائمة، حتى لا يظل التضامن العربي مجرد كلمات تتكرر بعد كل اعتداء.
مصر.. شعب يعرف معنى الوطن.
ولأنني أكتب اليوم للقارئ المصري العزيز، فإنني لا أستطيع الحديث عن مصر دون استحضار شعبها العظيم، ذلك الشعب الذي عرف الحروب والتضحيات
وواجه الأزمات، وحافظ على محبته لوطنه واعتزازه بجيشه وتاريخه وحضارته.
شعب أنجب العلماء والمفكرين والأدباء والإعلاميين، وكانت القاهرة ولا تزال واحدة من أهم منارات الثقافة والفكر في عالمنا العربي.
ومن المملكة العربية السعودية حيث يحظى الشعب المصري بمكانة خاصة في قلوبنا، نقول إن ما يجمعنا أكبر من المصالح العابرة، وأعمق من اختلاف وجهات النظر حول هذه القضية أو تلك.
لقد عشنا مع المصريين عقودًا من التعاون والأخوة، وأسهم أبناء مصر في مجالات التعليم والطب والهندسة والإعلام وغيرها من ميادين التنمية في المملكة كما وجد السعوديون في مصر وطنًا شقيقًا وأهلًا وأصدقاء.
وهذه العلاقات الإنسانية، لا تقل قيمة عن الاتفاقيات السياسية والاقتصادية، لأنها الجذور التي تمنح العلاقة بين الدولتين قوتها واستمرارها.
وأحيي هنا مجلس النواب المصري وما يمثله من دور دستوري ورقابي وتشريعي، وأقدٌر روح المسؤولية والحماس الوطني في التعامل مع قضية تمس أمن المنطقة، وأتطلع إلى أن يكون النقاش البرلماني نموذجًا يجمع بين الحزم والحكمة، وبين متطلبات الدفاع، وحماية فرص السلام.
كما أحيي الإعلام المصري، الذي عرفناه صاحب تاريخ عريق ومدرسة رائدة في صناعة الوعي، وأتمنى أن يواصل دوره في تقريب الشعوب العربية، وإيضاح الحقائق والتصدي للتحريض والتضليل، بعيدًا عن الأصوات التي تستثمر الأزمات لإشعال الخلافات بين الأشقاء.
ورسالتي من الرياض إلى القاهرة: إن ما نحتاجه اليوم ليس تحالفًا ضد شعب، ولا عداءً لأمة، وإنما موقفًا عربيًا مسؤولًا يحمي الدول من الميليشيات العابرة للحدود، ويمنع تحويل أراضي المنطقة إلى ساحات لتصفية الحسابات.
ولذلك فإننا نفر ٌق بين الشعب اليمني الشقيق الذي يستحق الأمن والكرامة والاستقرار، وبين الجماعات المسلحة التي جعلت من السلاح وسيلة لفرض إرادتها
على الدولة والمجتمع.
كما أن خلافنا مع السياسات الإيرانية الداعمة للجماعات المسلحة، لا يعني عداءً للشعب الإيراني الذي يستحق هو الآخر حياة آمنة بعيدًا عن الحروب.
وما أحوج منطقتنا إلى أن تتحول طاقاتها من ميادين الصراع إلى ميادين البناء والتنمية، وأن تتقدم لغة الدولة والقانون
على منطق السلاح والفوضى.
إننا لا نريد حربًا جديدة، ولكننا لا نقبل أن يصبح تجنب الحرب مبررًا للسكوت عن الاعتداء، ولا نريد تصعيدًا، ولكننا نريد ردعًا يحمي الأوطان، وسلامًا تصونه القوة والحكمة معًا.
وأخيرًا.. يا أهل مصر الكرام:
حين نستعيد أكتوبر، لا نستعيد حربًا مضت فحسب، وإنما نستعيد معنى أن يكون العرب على قلب واحد عندما يتعرض أمنهم ووجودهم للخطر.
وحين نحيي اليوم موقف الرئيس عبد الفتاح السيسي، فإننا نحيي في الوقت نفسه تلك الروح المصرية الأصيلة، التي تعرف قيمة الأخوة، وتحفظ للعلاقات التاريخية مكانتها.
ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به أن نقول: في أكتوبر كانت المملكة مع مصر وهي تدافع عن أرضها، واليوم تقف مصر مع المملكة وهي تدافع عن أمنها،
وبين الموقفين نصف قرن من التاريخ، وعمر كامل من الوفاء.
فشكرًا للرئيس عبد الفتاح السيسي، وشكرًا لشعب مصر العظيم، ولكل صوت مصري أدرك أن «قوة القاهرة.. قوة للرياض، وأن أمن الرياض سند للقاهرة»
ولتبقَ مصر والمملكة، جناحين للقوة العربية، لا للعدوان على أحد، وإنما لحماية الأوطان وصيانة الكرامة وصناعة السلام.
اللهم احفظ المملكة العربية السعودية، ومصر وسائر بلاد العرب والمسلمين، ووفق قياداتها لما فيه خير شعوبها، واجمع كلمتها على الحق والسلام، وجنّب أوطاننا الفتن والحروب، وارحم الأبرياء الذين أزهقت أرواحهم، واشفِ المصابين، وأدم علينا جميعًا نعمة الأمن والاستقرار.
فالأوطان، لا يحميها الكلام وحده، وإنما تحميها المواقف حين يصدق الرجال ويشهد التاريخ.
اقرأ أيضاً
مصطفى بكري: مشاركة القاهرة في الدفاع عن السعودية ربما تكون حافزا للسلام ووقف التصعيدمصطفى بكري: أغلبية كاسحة بمجلس النواب تؤيد تفويض الرئيس السيسي في مساندة السعودية

















0 تعليق