نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
"وجهي الغريب" لوئام شرماطي… وجع الجزائر في مرآة نسائها - تواصل نيوز, اليوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026 07:46 صباحاً
أقسى ما في موت الطفل محمد أن صوته يبقى حيّاً في أخته. يسقط البيت، ويظلّ النداء معلّقاً داخلها، كأن الأنقاض استقرّت في صدرها أيضاً. كيف تكبر طفلة بعدما عجزت عن إنقاذ أخيها؟ وأيّ وجه تستطيع أن تحمله إلى العالم حين يكون الشخص الذي يفترض أن يحميها هو مصدر خوفها الأول؟
من هذا الجرح نقترب من "وجهي الغريب" للكاتبة الجزائرية وئام شرماطي، الصادرة حديثاً عن دار نوفل ــ هاشيت أنطوان. تبدأ الرواية بامرأة تشبه "كاملة" وتلاحقها في شوارع الجزائر العاصمة، ثم تنفتح المطاردة على ذاكرة تتّسع كلما حاولت صاحبتها الإفلات منها. يصبح السؤال عن هوية الغريبة سؤالاً عمّا بقي للبطلة من نفسها، بعدما تقاسمت حياتها وجوه الآخرين ومصائرهم.
بيت يسقط داخل طفلة
في بيت القصبة المتصدّع، تتعلّم كاملة الخوف قبل أن تتعلّم الدفاع عن نفسها. الأب يضرب، والأم تصمت، والأطفال يصغون إلى تقلّبات مزاجه كما يُصغى إلى خطر يقترب. وحين يموت محمد تحت الأنقاض، يكتسب العجز جسداً وصوتاً، أخٌ كانت تداوي جراحه، ولم تستطع هذه المرّة الوصول إليه.
تلتقط الرواية هنا آلية موجعة: تحمل الطفلة مسؤولية ما لم يكن لها سلطان عليه. تتراجع جريمة الأب خلف سؤالها المستحيل: لماذا لم أنقذه؟ يصير الشعور بالذنب وسيلة لاستعادة قدرة متوهَّمة على تغيير الماضي، فالاعتراف بالعجز يعني مواجهة حقيقة أشدّ رعباً، هي أن حياتها كانت في يد من يؤذيها.
وتضاعف حكاية اختيار الروح لطريقها هذا الالتباس. ما يُروى لتفسير الشقاء يتحوّل في وعي كاملة إلى اتهام ذاتي: لعلّها اختارت مصيرها، وعليها احتماله. بهذه الدقّة، تكشف شرماطي كيف تستطيع كلمات المواساة أن تمنح القسوة شرعية، حين تجعل المعذَّب مسؤولاً عن عذابه.
أما الأم، التي ينتهي عنف الزوج إلى كسر ظهرها، فتضعنا أمام مأزق أشدّ تعقيداً. إنها ضحية، لكن صمتها يترك أبناءها وحيدين. يمنحها السرد مساحة للفهم، ويُبقي أثر خذلانها مفتوحاً، فالطفلة تحتاج إلى يد تحميها، قبل أن تستطيع فهم الأسباب التي شلّت تلك اليد.
من فرحة الاستقلال إلى العشرية السوداء
تدخل الجزائر إلى الرواية عبر الأسماء والمصائر. مصطفى، الذي كان اسمه مبروك، يحمل في اسمه الأول فرحة جيل الاستقلال. غير أن المسافة بين الاسم والحياة تتّسع: كاملة تنشأ مثقلة بالنقص، ومحظوظة تُسحق تحت خيبتها. تبدو الأسماء أمنيات أودعها الآباء أبناءهم، ثم تركوهم يواجهون عالماً يعاندها.
الكاتبة وئام شرماطي
ومن أفق التحرّر الوطني إلى تحوّلات أواخر الثمانينيات، ثم العشرية السوداء، تتبدّل أشكال الخوف. يخرج العنف إلى الشوارع، وتطال الاغتيالات الصحافيين والمعارضين، ويصبح الرحيل احتمالاً للنجاة. لكن البيت الذي عرفته كاملة كان قد درّبها على الرعب قبل أن يتّسع الرعب ليشمل البلاد. هكذا تقيم الرواية صلة بين التاريخ العام والحياة الحميمة، من دون اختزال أحدهما في الآخر.
وفي ذهاب مصطفى إلى فرنسا، بلد الاستعمار السابق، تنعقد مفارقة موجعة: يبحث ابن الاستقلال عن الأمان خارج الأرض التي احتفل اسمه بتحرّرها. وبعد عشرين عاماً، يعيد لقاؤه بكاملة طرح السؤال: هل ينجو الإنسان بتغيير المكان، أم يحمل معه ما هرب منه؟
النساء حين يرثن نظرة الجلّاد
في مصنع النسيج، تمنح الصداقة والعمل كاملة نافذة على حياة أخرى. إلا أن مراقبة النساء لملابس محظوظة وسلوكها تكشف امتداد السلطة داخل من يخضعن لها. تستطيع المرأة أن تنقل إلى امرأة أخرى الحكم الذي جرحها، وحين يصبح الاختلاف تهمة، يتولّى المجتمع حراسة أفراده بعضهم لبعض.
وتبلغ هذه القسوة ذروتها في مصير محظوظة، التي تنتهي حياتها بعدما عجزت عن الإنجاب. يفتح رحيلها سؤالاً عن مجتمع يضيّق قيمة المرأة حتى يحصرها في الأمومة. أما كاملة، فتواجه خوفها من الأمومة أيضاً من داخل ذاكرة تعرف كيف يمكن أن يُورَّث الألم.
وتعيد شهادة العمة فيروزة العنف إلى أجيال سابقة، فتظهر طفولة الأب المكسورة خلف قسوته. هذه من أكثر عقد الرواية خصوبة: فهم منشأ الأذى لا يمحو مسؤولية صاحبه، لكنه يكشف أن الضحية قد تكبر وهي تعيد إنتاج ما حطّمها.
مرآة مزدحمة بالغياب
قد يثقل توالي الفواجع مساحة التنفّس، ويجعل الألم يكاد يستأثر بتعريف الشخصيات. غير أن صورة الوجه المركّب تمنح هذا التراكم معناه: في المرآة ترى كاملة آثار أمها وعمتها وصديقتها وأختها وجدتها. تتحوّل الملامح إلى أرشيف نسائي، ويغدو الرسم محاولة لاسترداد وجه خاص.
هنا تبلغ الرواية وجعها الأعمق: أن تنجو كاملة من أصحاب العنف، ثم تكتشف أنهم ما زالوا يسكنون صورتها. يبقى القارئ أمام امرأة تبحث عن ملامحها، ويدرك متأخّراً أن بعض البيوت تواصل السقوط في أبنائها، زمناً طويلاً بعد إزالة الأنقاض.











0 تعليق