الديمقراطية التوافقية... مفهوم اختُزل في "حق الطائفة" - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الديمقراطية التوافقية... مفهوم اختُزل في "حق الطائفة" - تواصل نيوز, اليوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026 01:17 مساءً

تالين نهرا - مركز الشرق الأوسط للبحوث والدراسات الاستراتيجية (MEIRSS))

 

من عقدٍ إلى آخر، انتشرت شهرة اللبناني كالنار في الهشيم، وعلى مختلف الأصعدة. وكثيراً ما جلنا العالم بأنوف تكاد تلامس السماء، مزهوّين بما اشتهرنا به: جمال ناسنا وبلدنا، كرمنا وحسن ضيافتنا، ذكاؤنا وسرعة بديهتنا...

لكن من جهة أخرى، اشتهرنا أيضاً بفساد حكّامنا، الذي ينعكس فيه شيء من فساد نفوسنا.

لكل مرحلة شهرتها. في الخمسينات والستينات، أصبحنا مقصد الشرق والغرب للترفيه والتطوّر. وفي السبعينات والثمانينات، اشتهرنا بتناهشنا وبتدخّل كل من هبّ ودبّ في شؤوننا. ولن أعدّد ما اشتهرنا به من التسعينات حتى اليوم، فسيّئاتنا باتت أكثر بكثير من حسناتنا. لكن ثمّة براعة لازمت حكّامنا منذ اتفاق الطائف عام 1989: تفسير المفاهيم الدستورية على قياس اصطفافاتهم، عن قصد أو غير قصد، ثم استخدامها لقيادة قطعانهم وفق مقتضيات المرحلة.

ومن أكثر هذه المفاهيم عرضةً للتشويه «الديمقراطية التوافقية». مفهوم أراهن أن كثيراً من اللبنانيين، بمن فيهم سياسيّوهم، لا يعرفون معناه بدقّة، وإن كانوا لا يتردّدون في استدعائه كلّما احتاجوا إليه.

لكي يعيش أهل أي دولة بسلام، ويقيموا أرضية صلبة مشتركة، ويتّفقوا على مبادئ بناء بلدهم، عليهم أولاً أن يفهموا دستورها ومفاهيم نظامها. أمّا في لبنان، فلكلٍّ تفسيره، ولكلّ تفسير مصلحة. وهكذا أصبحت الديمقراطية التوافقية ذريعة تستند إليها جهة لضمان هيمنتها على حصّة من البلد، على حساب سائر الجهات.

علمياً، تُعدّ الديمقراطية التوافقية نموذجاً للحكم في المجتمعات المنقسمة دينياً أو إثنياً أو لغوياً. وهي تقوم على تقاسم السلطة والتفاهم بين ممثّلي الجماعات المختلفة، بدلاً من الاكتفاء بحكم الأكثرية العددية.

وفي لبنان، حيث تقبع أسمى أمثلة التعدّد الديني والانقسامات الطائفية، تعود جذور التوافقية إلى دستور عام 1926، الذي جمع بين مبدأ المساواة بين المواطنين والاعتراف بالطوائف وحقوقها الخاصة. ثم جاء ميثاق 1943 ليكرّس شراكة بين النخب الطائفية الأساسية، عبر توزيع السلطات والمناصب الرئيسية بين الطوائف، وترسيخ التوازن ومنع احتكار السلطة.

وأعاد اتفاق الطائف عام 1989 صياغة هذه التوافقية، بإناطة السلطة التنفيذية بمجلس الوزراء، وإقرار المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في البرلمان ووظائف الفئة الأولى وما يعادلها. لكن ما كان يُفترض أن يحمي المشاركة ويتيح إدارة الدولة، أصبح يحمي حصص الزعماء ويتيح تعطيلها.

توسّع استخدام النقض والاعتراض، ونصّب كل زعيم نفسه ممثّلاً حصرياً لطائفته، حتى بات تقاسم السلطة بين الجماعات خاضعاً لاحتكار تمثيلها بين الأشخاص.

فجوهر الديمقراطية التوافقية أن تتشارك الجماعات الحكم، فلا تستأثر به الأكثرية ولا تُقصى منه الأقلية. أمّا في الممارسة اللبنانية، فقد اختزل كثير من الزعماء طوائفهم بأنفسهم، وربط مصيرها بقراراتهم الشخصية.

صحيح أن الحوار والتفاهم لحماية حقوق الجماعات يقعان في صلب هذا النموذج، لكن احتكار التمثيل أفرغهما من معناهما، وأرسى معادلة شديدة الوضوح: كل مطلب حزبي تحوّل إلى "حق للطائفة"، وكل رفض له "إقصاء للطائفة".

وبحجة الحق والإقصاء، فُرضت قرارات، واحتُكرت وزارات وإدارات ومناصب، يطالب بها الزعيم بوصفها حقاً له، فإذا رُفض مطلبه، أعلن أن طائفته هي المستهدفة.

على صعيد الحكومة، مثلاً، ينصّ الدستور خلال مرحلة ما بعد الطائف الانتقالية على تمثيل الطوائف بصورة عادلة، لكنه لا يخصّص وزارة بعينها لطائفة معيّنة.

ووفقاً لهذا النص، من الضروري طرح سؤال: كيف حوّل الثنائي الشيعي، أو تحديداً حركة أمل، الديمقراطية التوافقية إلى أداة تستخدمها كلما كان الاحتفاظ بوزارة المالية موضع نزاع؟

منذ تعيين علي حسن خليل وزيراً للمالية عام 2014، ترسّخ احتفاظ حركة أمل بالحقيبة في الحكومات المتعاقبة، مباشرةً أو عبر وزراء تدعم تسميتهم. وعلى مدى سنوات، خلط الثنائي بين حق الطائفة الشيعية في المشاركة في الحكم وحقّه الحصري في الاحتفاظ بوزارة معيّنة وتسمية وزيرها. وبالتكرار وخطاب "المظلومية" الذي اعتمده، تحوّلت ممارسة سياسية إلى "حق" مزعوم للطائفة في الحصول على حقيبة المالية.

ويمكن تلخيص هذا التمسّك، بأن تمويل كثير من المشاريع الحكومية يحتاج إلى إجراءات من وزارة المالية، وأن بعض المراسيم والمعاملات المالية يستلزم اقتراح وزيرها أو توقيعه. وبذلك، بات توقيع وزير المالية يُقدَّم سياسياً بوصفه "التوقيع الشيعي"، مع أنه توقيع مرتبط باختصاص الوزير، وليس حقاً طائفياً مستقلاً. وبالتوقيع الشيعي، عرقل الثنائي مراراً الكثير من الإجراءات التي كانت ستصبّ في مصلحة البلد المضادّة لمصلحته.

وليس الثنائي وحده من طوّع الديمقراطية التوافقية لخدمة مصالحه.

في أزمة التعيينات العسكرية عام 2015، سعى ميشال عون لتعيين صهره شامل روكز قائداً للجيش، بدلاً من التمديد لجان قهوجي، في ظلّ شغور رئاسي كان عون خلاله مرشّحاً لرئاسة الجمهورية. وقد خاض المواجهة تحت عنوان "حقوق المسيحيين"، وضغط بهذا الشعار على الحكومة، محاولاً إجبارها على الموافقة على الاسم الذي طرحه هو وتيّاره.

موضع النقد ليس ترشيح روكز، بل تحويل هذا الخيار السياسي إلى "حق للمسيحيين"، وكأن تمثيلهم جميعاً يتوقّف على تعيين مرشّح عون.

في الحقيقة، لو أردنا إحصاء المرّات التي أساء فيها الزعماء اللبنانيون استخدام الديمقراطية التوافقية لتحقيق مصالحهم، لما انتهينا.

أمام هذه الوقائع، لا يمكن إنكار أن البنية الاجتماعية والطائفية والزبائنية في لبنان أسهمت في تكريس الولاءات الطائفية على حساب المواطنة، ما أدّى إلى نشوء فجوة بين النصوص الدستورية التي تنصّ على إلغاء الطائفية السياسية هدفاً وطنياً، والممارسة السياسية التي لا تزال محكومة بالاعتبارات الطائفية.

ولاختصار كل ما ذُكر، أنه هكذا أسهم تحريف المفاهيم السياسية والدستورية، وفي مقدّمها الديمقراطية التوافقية، في الحؤول دون بناء مواطنة سياسية مستقرة ودولة مدنية فاعلة.

فحين يصبح مطلب الزعيم حقاً للطائفة، والاعتراض عليه إقصاءً لها، تتحوّل الشراكة إلى احتكار، والتوافق إلى تعطيل، وتبقى الدولة رهينة حصص أصحابها.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق