حين تصبح المشاهدات أغلى من الأوطان! - تواصل نيوز

اخبار جوجل 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
حين تصبح المشاهدات أغلى من الأوطان! - تواصل نيوز, اليوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026 02:27 مساءً

لم تعد محاولات إضعاف العلاقات بين الدول تحتاج دائمًا إلى حملات سياسية معلنة أو وسائل إعلام تقليدية، فقد أصبحت شاشة الهاتف ساحة لصناعة الأزمات وتحويل الاختلافات إلى عداوات، بينما يتاجر بعض صُنّاع المحتوى بالإساءة والاستفزاز بحثًا عن المشاهدات، وقد يجد آخرون أنفسهم، دون وعي، في خدمة أجندات لا تريد الخير لأمتنا العربية.

وفي مصر، كما في غيرها من الدول العربية، تظهر من وقت إلى آخر نماذج تتخذ من التعميم والإهانة وسيلة للانتشار، فتحوّل العلاقات مع الدول الشقيقة إلى مادة لعناوين صادمة ومقاطع تثير الغضب بدلًا من مناقشة القضايا بموضوعية.

وهنا يبرز السؤال: هل أصبحت كرامة الشعوب والعلاقات بينها أقل قيمة من أرقام المشاهدات وعوائد الإعلانات؟

عندما تتحول المشاهدات إلى تجارة على حساب الأوطان

منحت وسائل التواصل للجميع فرصة التعبير، لكنها أتاحت أيضًا لأي شخص التأثير في الرأي العام دون امتلاك المعرفة أو المسؤولية الكافية.

المشكلة ليست في النقد أو الاختلاف، بل في تحول النقد إلى سخرية، والخطأ الفردي إلى أداة لتشويه شعب بأكمله.

فقد اكتشف بعض صُنّاع المحتوى أن العنوان المستفز يحقق انتشارًا أكبر من الطرح الرصين، فأصبحت الإساءة منتجًا والاستفزاز استراتيجية والجمهور وسيلة مجانية للترويج.

وقد يحصد صاحب المحتوى مكاسبه خلال دقائق، بينما تتحمل العلاقات بين الشعوب آثار ما نشره طويلًا. فالكلمة التي تُطلق بحثًا عن الانتشار قد تسيء إلى ملايين البشر، والعلاقات بين الشعوب ليست لعبة إلكترونية ولا ساحة للمزايدات الشخصية.

حين لا يكون كل ما نراه عفويًا

تستغل حسابات وهمية وحملات منسقة أحيانًا النقاش العام لتضخيم الخلافات ونشر الشائعات وإثارة المشاعر السلبية. لكن ليس كل حساب مجهول ذبابًا إلكترونيًا، ولا كل رأي مخالف مؤامرة، فالاتهام يحتاج إلى أدلة وتحقيق.

الخطر أن يشارك المستخدم العادي في معركة لم يتحقق من حقيقتها: منشور مسيء، ثم رد مسيء، ثم موجة من التعميمات والاتهامات. وهكذا تحقق الجهة التي أشعلت الخلاف هدفها، حتى لو ظل المشاركون يجهلون هويتها.

لذلك، ليس كل ما يتصدر المنصات حقيقة، ولا كل ما يحظى بآلاف التفاعلات رأيًا عامًا. الوعي ليس ترفًا، بل ضرورة لحماية المجتمع من التلاعب بمشاعره.

العلاقات بين الأشقاء مسؤولية مشتركة

العلاقات المصرية الخليجية والعلاقات بين مصر ومختلف الدول العربية تقوم على روابط تاريخية واجتماعية واقتصادية وثقافية عميقة. وهذا لا يعني أنها فوق النقد، بل يعني أن مناقشتها تحتاج إلى مسؤولية تتناسب مع أهميتها.

من حق أي شخص نقد قرار أو مناقشة سياسة، بشرط الاستناد إلى الوقائع والتمييز بين الدولة وحكومتها، وبين الحكومة وشعبها، وبين الخطأ الفردي والمجتمع بأكمله.

أما تحويل خلاف مع شخص إلى هجوم على شعب، فليس نقدًا موضوعيًا، بل تعميم ظالم. كما أن المسؤولية مشتركة: نرفض إساءة أي صانع محتوى مصري إلى شعب عربي شقيق، كما نرفض إساءة أي صانع محتوى عربي إلى الشعب المصري، فكرامة المصري لا تتعارض مع كرامة الخليجي، والدفاع عن أي وطن لا يحتاج إلى الانتقاص من أوطان الأشقاء.

حرية التعبير تقترن بالمسؤولية

حرية التعبير حق أصيل، ولا ينبغي أن تتحول مواجهة الإساءة إلى ذريعة لإسكات النقد المشروع. لكن الحرية لا تعني قبول التشهير أو نشر الشائعات أو التحريض على الكراهية.

المطلوب قواعد واضحة تُطبق على الجميع، وتحدد المخالفات، وتضمن حق صاحب المحتوى في معرفة الاتهام والرد عليه والطعن في القرار. فالهدف ليس تقييد التعبير، بل حماية الحرية من أن تتحول إلى غطاء للإساءة المنظمة والتضليل والتحريض.

الحل: تطوير الجهود القائمة وتوسيع أثرها

لا تبدأ مواجهة التضليل من الصفر، فهناك جهود رسمية وتشريعية قائمة بالفعل، لكن التحدي يتمثل في تطويرها وتنسيقها وتوسيع أثرها، بما يواكب سرعة المنصات الرقمية وطبيعة المحتوى المتداول.

ومن أهم المسارات العملية:

1. تعزيز الحضور الرسمي الرقمي بمحتوى تفاعلي يشرح طرق التحقق من الأخبار وكشف الحسابات الوهمية وأساليب التضليل.

2. تطبيق المحاسبة بشفافية وعدالة عند ثبوت المخالفة، مع تناسب الإجراء مع الفعل وعدم تحويله إلى تضييق على النقد المشروع.

3. تطوير قنوات واضحة وسريعة للبلاغات المتعلقة بالتشهير والتحريض والمعلومات المضللة، مع ضمان حق جميع الأطراف في الرد والدفاع.

4. تعزيز التعاون مع المنصات الرقمية لمواجهة الحسابات الوهمية والحملات المنسقة، استنادًا إلى أدلة فنية واضحة واحترام الخصوصية والقانون.

5. التمييز بين المحتوى الرديء والمحتوى المخالف للقانون، فليس كل محتوى سطحي جريمة، ولا ينبغي أن تتحول الأذواق الشخصية إلى معيار للعقاب.

6. دعم التعاون العربي المشترك في التوعية وتصحيح المعلومات المغلوطة ومواجهة الحملات التي تستهدف إثارة النزاعات بين الشعوب.

كما يتحمل المعلنون والشركات مسؤولية مهمة، فتمويل الحسابات التي تعتمد على الإثارة، دون النظر إلى طبيعة محتواها، يرسخ اقتصادًا رقميًا يكافئ الإساءة على حساب الجودة.

المواطن جزء من الحل

لا يمكن إلقاء المسؤولية كاملة على الجهات الرسمية. فالمستخدم الذي يعيد نشر مقطع مستفز دون تحقق، أو يشارك في مهاجمة شعب كامل، أو يمنح المحتوى المسيء انتشارًا بدافع الغضب، يسهم في توسيع المشكلة.

وتقوم الثقافة الرقمية المسؤولة على مبادئ بسيطة:

تحقق قبل أن تنشر.

لا تعمم، فخطأ الفرد لا يمثل شعبًا.

لا تمنح الاستفزاز مكافأته.

انتقد الفكرة ولا تهن الإنسان.

وفي كثير من الأحيان، يكون تجاهل المحتوى الاستفزازي والإبلاغ عن المخالفات الحقيقية أكثر فاعلية من الدخول في سجالات تمنح أصحابها انتشارًا إضافيًا.

خاتمة: لا تجعلوا المنصات سلاحًا في صدور الأشقاء

إن مصر أكبر من أن تُختزل في تصرفات صانع محتوى يبحث عن المشاهدات، والدول العربية الشقيقة أكبر من أن تُختزل في تغريدة مسيئة أو مقطع مستفز.

نحن بحاجة إلى خطاب عربي أكثر نضجًا، وإعلام أكثر مسؤولية، وجهات تنظيمية تطبق القانون بعدالة، ومنصات تتعاون في مواجهة التضليل، ومواطن يدرك أن كل مشاركة قد تسهم في بناء الوعي أو نشر الفتنة.

إن حرية التعبير لا تعني حرية الإساءة، واحترام الأشقاء لا يعني التخلي عن حق النقد، ومواجهة التضليل لا تعني قمع الاختلاف. والتحدي الحقيقي هو الحفاظ على هذه المبادئ جميعًا في وقت واحد.

فالأوطان لا تُبنى بالصراخ، والعلاقات بين الأشقاء لا تُحمى بالمزايدات، والوعي لا ينتصر على التضليل بالصمت وحده، بل بالحقيقة والقانون والمسؤولية.

والسؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل صانع محتوى قبل النشر هو:

هل أقدم معلومة يستفيد منها الناس، أم أبيعهم غضبًا مؤقتًا لأحصل على مشاهدات، بينما أستنزف رصيد الثقة بين الشعوب؟

هنا تبدأ المسؤولية، ومن هنا يجب أن يبدأ الإصلاح.

تنويه

جدير بالذكر أن بعض المقترحات الواردة في المقال تتوافق مع جهود رسمية وتشريعية قائمة بالفعل في مصر، وهو ما يؤكد أن الهدف ليس تجاهل هذه الجهود، بل الدعوة إلى تطويرها وتنسيقها وتوسيع أثرها.

فقد دعت وزارة الدولة للإعلام، في 6 أغسطس 2026، المواطنين وصُنّاع المحتوى إلى التحقق من المعلومات قبل نشرها، واحترام الخصوصية، وتجنب التشهير والتحريض. كما صدر في 18 مارس 2026 بيان مشترك عن جهات إعلامية مصرية أكد أهمية الحفاظ على العلاقات مع الدول العربية الشقيقة في مواجهة الممارسات الإعلامية المسيئة.

ويتضمن قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018 أحكامًا تتعلق بالمحتوى المخالف، وتشمل بعض أحكامه الحسابات الشخصية التي يبلغ عدد متابعيها خمسة آلاف أو أكثر، مع ارتباط تطبيق أي إجراء بطبيعة المخالفة والاختصاص القانوني والإجراءات المقررة.

اقرأ أيضاً
الجعفري: مصر والسعودية عمود الخيمة للأمة العربية.. وواجبنا مواجهة من يحاول زرع الفتنة بين الشقيقتين

مجموعة «One Way Capital» تشارك في اجتماع المستثمرين الاستراتيجي لمشروع برج جدة

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق