نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
هجرة الكفاءات وأزمة التماسك الاجتماعي في إسرائيل - تواصل نيوز, اليوم الأربعاء 23 سبتمبر 2026 02:16 مساءً
قد تبدو هجرة الأطباء الإسرائيليين، للوهلة الأولى، مشكلة تخص قطاع الرعاية الصحية مثل نقص في الكوادر والضغط المتزايد على المستشفيات، والارتفاع في أوقات الانتظار، وإرهاق أكبر للعاملين الذين يواصلون أداء وظائفهم في الداخل، غير أن اختزال الظاهرة في بعدها المهني أو الصحي يحجب دلالتها الأوسع.
فهجرة الكفاءات لا تسحب من الدولة أيدي عاملة متخصصة فحسب، وإنما قد تسحب منها جزءًا من رأس مالها البشري والاجتماعي والرمزي. ومع تزامن هذه الهجرة مع حرب طويلة واستقطاب سياسي حاد وتراجع في مستويات اليقين الاقتصادي والأمني، فإنها تتحول من مشكلة قطاعية إلى مؤشر محتمل على تغير أعمق في علاقة المواطن بالدولة وفي تصوره لمستقبله داخلها.
وفي هذه الحالة فإن المشكلة تتجاوز حدود العدد (أي عدد الأطباء الذين يغادرون إسرائيل) لتمس دلالات تحرك أصحاب الكفاءات الأكثر قدرة على الحركة في نحو البحث عن مستقبلهم خارج الدولة. فالطبيب أو المهندس أو الباحث لا يملك فقط مهارة مهنية يمكن نقلها من مكان إلى آخر، بل يمتلك أيضًا قدرة أعلى نسبيًا على اتخاذ قرار المغادرة؛ لأنه يستطيع تحويل رأس ماله التعليمي والمهني إلى فرص في مجتمعات أخرى.
وعندما يبدأ هذا الخيار في التحول من استثناء فردي إلى سلوك جماعي متكرر، فإن المسألة تصبح ذات أبعاد سياسية واجتماعية تتجاوز الحسابات الاقتصادية المباشرة.
في هذا الإطار تبرز واحدة من أخطر تداعيات هجرة الأطباء، وهي أنها لا تتوقف عند عدد المغادرين، بل تمتد إلى المؤسسات التي يتركونها وراءهم. فخروج عدد من الأطباء من المؤسسات الطبية يزيد الضغط على من يبقون فيها، من خلال ساعات عمل أطول، واستنزاف مهني ونفسي أكبر، وتراجع القدرة على تقديم الخدمات بالسرعة والكفاءة المطلوبة. ومع الوقت، يمكن أن يؤدي ذلك إلى انخفاض جاذبية بيئة العمل نفسها، بما يجعل فكرة المغادرة أكثر إغراءً بالنسبة إلى العاملين الآخرين.
وهكذا تتشكل حلقة تغذية عكسية، فهجرة الكفاءات تؤدي لزيادة الضغط على المؤسسات، مما يعقبه تراجع جودة الخدمات ومن ثم يرتفع الإحباط المهني والاجتماعي، وانخفاض الثقة بالمؤسسات، مع زيادة الرغبة في الهجرة وصولا للمزيد من فقدان الكفاءات.
وتزداد خطورة هذه الحلقة عندما تنتقل من قطاع إلى آخر، فإذا ظهرت الديناميكية نفسها في التكنولوجيا والبحث العلمي والتعليم والخدمات المهنية، فإن المجتمع لا يواجه حينها مجرد نقص في العمالة، بل يبدأ في فقدان جزء من قدرته على إعادة إنتاج النخب المهنية التي تعتمد عليها الدولة في استمرار مؤسساتها، وهنا يتحول رأس المال البشري من مورد اقتصادي إلى قضية أمن مجتمعي.
تتزايد أهمية هذه القراءة في ضوء المؤشرات السكانية التي أثارتها المؤسسات الإسرائيلية نفسها، فقد ناقشت لجنة الهجرة والاستيعاب في الكنيست في فبراير 2025 مخاطر الهجرة السلبية، مشيرة إلى أن نحو 82,700 إسرائيلي غادروا البلاد خلال عام 2024، في مقابل عودة نحو 23 ألفًا، في سياق اتسم أيضًا بتراجع النمو السكاني وارتباط هذه التطورات وفق المناقشات الرسمية بالتعقيدات الأمنية التي تمر بها إسرائيل.
وبالطبع، لا يمكن التعامل مع هذه الأرقام باعتبارها دليلًا قاطعًا على تحول إسرائيل إلى دولة طاردة للسكان. فالإقامة في الخارج لفترة معينة لا تعني بالضرورة هجرة نهائية، كما أن دوافع المغادرة متعددة ولا يمكن اختزالها في العامل السياسي أو الأمني. لكن الأهمية الأعظم تكمن في الاتجاه والتراكم، فالهجرة تصبح ذات دلالة سياسية أكبر عندما تبدأ الدولة نفسها في التعامل معها باعتبارها مسألة تتصل بمستقبلها الديموغرافي وليس مجرد قرارات فردية منفصلة.
ما سبق يجعل العقد الاجتماعي الناظم للعلاقة بين المجتمع والدولة في إسرائيل تحت ضغط الحرب الدائم، وهو ما يمكن ربطه بسياق أوسع يتوسطه ما يمكن أن نسميه أزمة العقد الاجتماعي. فالدولة الحديثة تقوم في أبسط صورها على علاقة تبادلية بين المواطن والمؤسسات، حيث يقدم الفرد العمل والضرائب والالتزام بالقوانين والمشاركة في المؤسسات العامة، وفي المقابل ينتظر من الدولة الأمن والاستقرار والخدمات والفرص والمؤسسات الفعالة وإمكانية بناء حياة قابلة للتخطيط.
وفي الحالة الإسرائيلية يكتسب هذا التبادل أهمية إضافية بفعل مركزية الخدمة العسكرية والاعتماد على رأس المال البشري وارتباط المواطنة بدرجة عالية من المشاركة في المؤسسات الأمنية والاقتصادية والعلمية.
لكن الحروب الممتدة تختبر هذه العلاقة بقوة، فعندما يشعر المواطن بأن الدولة تطلب منه مزيدًا من التضحيات، بينما تتراجع في الوقت نفسه قدرتها على توفير الأمن والاستقرار واليقين بشأن المستقبل، فإن التوازن داخل العقد الاجتماعي يبدأ بالتعرض للضغط.
لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن المواطن يفقد انتماءه الوطني، وإنما قد يبدأ في إعادة حساب العلاقة بين الانتماء والكلفة. وهنا تصبح الهجرة واحدة من أكثر أشكال إعادة الحساب وضوحًا؛ فبدلًا من محاولة تغيير البيئة من الداخل يستطيع صاحب الكفاءة الذي يمتلك فرصًا خارجية أن ينقل حياته ومهنته إلى بيئة أخرى.
الخطورة هنا لا تبدأ عندما يغادر عدد كبير من الأشخاص، بل عندما تتحول فكرة المغادرة نفسها إلى خيار اجتماعي طبيعي ومقبول. ففي البداية، قد يكون المهاجر حالة استثنائية. ثم يصبح قرارًا مهنيًا مفهومًا، وبعد ذلك قد يتحول إلى استراتيجية احتياطية لدى الأسر والمهنيين، حيث يمكن الحصول على شهادة أجنبية أو وظيفة خارجية أو إقامة في دولة أخرى مع إبقاء خيار العودة مفتوحًا، وعند هذه النقطة يتغير معنى العلاقة بالدولة.
فالمواطن لم يعد مضطرًا إلى اتخاذ قرار نهائي بين البقاء والمغادرة، بل يمكن أن يصبح وجوده نفسه مشروطًا بتقييم مستمر للظروف. وهذا التحول أكثر تعقيدًا من الهجرة الدائمة لأنه يعني أن جزءًا من المجتمع يبدأ في التعامل مع الدولة باعتبارها أحد الخيارات الممكنة لبناء المستقبل لا الخيار الطبيعي أو الوحيد.
وبشكل عام، إذا استمرت هذه الاتجاهات وتوسعت إلى قطاعات أخرى، فقد تتحول القضية من أزمة في سوق العمل إلى أزمة في التماسك الاجتماعي. فالتماسك لا يعني فقط غياب الصراع الداخلي، وإنما يعني أيضًا وجود قدر من الثقة المشتركة بأن المؤسسات تعمل، وأن التضحيات موزعة بصورة مقبولة، وأن المستقبل الجماعي يستحق الاستثمار فيه.
وحين يبدأ أصحاب الكفاءات في الاعتقاد بأن الاستثمار في المستقبل خارج الدولة أكثر أمنًا أو استقرارًا أو جدوى من الاستثمار فيه داخلها، فإن المشكلة تصبح أعمق من نقص العمالة، بل إنها تصبح مشكلة في الإيمان بالمستقبل المشترك.
وفي هذا الإطار تتقاطع ثلاثة مستويات من الأزمة هي: المستوى السياسي الذي يتمثل في الاستقطاب وتراجع الثقة بالمؤسسات. والمستوى الأمني المتمثل في الحرب الممتدة وعدم اليقين بشأن المستقبل. بالإضافة للمستوى الاجتماعي، حيث تزايد الرغبة لدى بعض الفئات في البحث عن حياة أكثر استقرارًا خارج الدولة. ولا يعمل أي من هذه المستويات بمعزل عن الآخر.
فالسياسي يؤثر في الأمن، والأمن يؤثر في الاقتصاد والحياة اليومية، والاقتصاد يؤثر في قرار الهجرة، والهجرة بدورها يمكن أن تؤثر في قدرة الدولة على إدارة أزماتها. هنا يثار التساؤل الأهم: كم شخصًا بدأ يفكر في المغادرة ولم يغادر بعد؟ وكم من الذين غادروا لا يزالون يعتبرون العودة احتمالًا حقيقيًا؟ وكم من الشباب الذين يمتلكون رأس مالًا تعليميًا ومهنيًا عاليًا بدأوا منذ الآن في بناء مساراتهم خارج إسرائيل؟
وقد تكون هذه المؤشرات، حتى وإن كانت أصعب في القياس، أكثر أهمية من أرقام الهجرة الفعلية؛ لأن قرار المغادرة لا يبدأ في المطار، وإنما يبدأ غالبًا في الذهن.
الغاية إذن أن قضية هجرة الكفاءات الطبية وغيرها في إسرائيل تكشف عن تحول يستحق أن يُقرأ خارج الإطار الضيق لسوق العمل الصحي. فالمسألة تتصل بصورة أوسع بقدرة إسرائيل على الاحتفاظ برأس مالها البشري، والحفاظ على الثقة بمؤسساتها، وإقناع مواطنيها بأن المستقبل الذي يستحق الاستثمار فيه لا يزال موجودًا داخل حدودها.
ولا يمكن القول إن كل طبيب غادر إسرائيل فعل ذلك بسبب الحرب أو الاستقطاب السياسي، كما لا يمكن اعتبار الإقامة في الخارج دليلًا تلقائيًا على الهجرة الدائمة. لكن تزامن ارتفاع معدلات المغادرة مع الحرب، والاستقطاب الداخلي، والضغوط الاقتصادية والأمنية، يجعل الظاهرة ذات دلالة اجتماعية وسياسية تتجاوز أسبابها الفردية.
ومن هنا يمكن النظر إلى هجرة الأطباء بوصفها انعكاسا لأزمة العلاقة بين الدولة ونخبها المهنية وبين الأمن وجودة الحياة وبين التضحيات التي يطلبها المجتمع والدولة والعوائد التي يتوقعها المواطن، وأخيرًا بين الانتماء الوطني وتصور المستقبل.















0 تعليق